الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

مقالات حكومة الكاظمي بين نكهة الأزمات الداخلية والانصياع للتحديات الخارجية


إياد العناز

تتميز الأحداث في العراق أنها تتصف بمعايير تختلف عن باقي البلدان في العالم عندما تمر بها أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية فنرى أن الجميع يتحد في سبيل العمل على مواجهة هذه الأزمات والخروج منها بما يحقق أمال وطموحات الشعوب الحرة التي تنتمي اليها هذه البلدان والأحزاب العاملة فيها بجميع مؤسساتها وهيئاتها الحكومية إلا في بغداد وبعد الاحتلال الأمريكي الذي أوجد صيغا وممارسات انعكست سلبيا على طبيعة التعامل مع الأحداث خاصة وأنه أسس لها قواعد وركائز تمثلت بالأحزاب والكتل السياسية الداعمة للعملية السياسية التي أتى بها الغزو الأمريكي، ولهذا نرى أنه لا يمكن أن تتجاوز حكومة بغداد أي أزمة باتفاق الآراء وتوحيد الرؤى وإنضاج الأفكار ولكن بوجود الافتراق والاختلاف والتباعد بين جميع القوى السياسية وأحزاب السلطة والفرقاء السياسيين بعيدا عن الأثار السلبية التي تؤثر على الحياة العامة للشعب العراقي وتزيد من معاناته ومكابداته وضيق العيش الكريم فيه، ولهذا تستمر الخلافات والتباينات في الآراء حتى يكون هناك تدخل دولي وإقليمي وأدوات ووكلاء يعملون على تصحيح المسارات التي تفضي الى انتهاء الأزمة السياسية بما يحقق أهداف الأدوات الخارجية ويساعد الوكلاء في الداخل على إتخاذ القرار الذي يؤدي الى حلحلة الأزمة وإبعاد حالات الافتراق السياسي ويصل الى مرحلة التوافقات المنفعية، هذا المشهد رأيناه وعايشناه مدة سبعة أشهر منذ انطلاقة ثورة تشرين المجيدة في الأول من تشرين الأول 2019 ولحد يوم السابع من أيار 2020 ليلة الإعلان عن التشكيل الوزاري الذي كلف بها مصطفى الكاظمي، استمرت الأحزاب السياسية في عملية التجاذبات التي توصل لحالة الافتراق الى أن تمكنت في لحظة معينة أدركت فيها أن مصالحها ومنافعها وإدارتها للحكم في بغداد ستتعرض للانهيار أو الابتعاد عن سدة السلطة وستضيع الكثير من المنافع المادية والمصالح الحزبية الفئوية التي اعتادت عليها طيلة السنوات السابقة التي تلت عملية توحيد الرؤى بما ينسجم والنصائح الإقليمية والدولية ومعالجة الأحداث والأزمات المتفاقمة في العراق ولكي تعمل على إبقاء حزمة المكاسب النفعية والمالية التي استفادت منها والحفاظ على مواقعها ومراكزها في السلطة الحاكمة ببغداد، فجاء التصويت على حكومة الكاظمي هو الدافع الذاتي والمصلحي للبقاء على طبيعة الحياة التي عاشتها هذه الكتل والأحزاب السياسية ولإعطاء صورة عن طبيعة وسياق الحياة السياسية والتعامل معها في العراق.

جاءت حكومة الكاظمي لتكون رقما آخر في سلسلة الحكومات المتعاقبة بعد الاحتلال الأمريكي والنفوذ والهيمنة الإيرانية وكما كانت سابقتها غير مكتملة ناقصة للعديد من أسماء الوزراء المعنيين في الوزارات المختلف عليها وهذه سمة اتصفت بها باقي الحكومات التي سبقتها ولكن الاختلاف هنا ليس في وزارتي الدفاع والداخلية التي أتفق عليها لأول مرة ضمن سياق المصالح و(المنافع الحزبية وتوحيد الإرادات لبعض الكتل السياسية، فنرى أن (15) وزارة اكتسبت الموافقة من قبل أعضاء مجلس النواب في حين هناك اختلاف حول أسماء وزراء (التجارة والثقافة والهجرة والزراعة ) لأسباب توافقية تتعلق بالمرشحين لهذه الوزارات ومدى المنفعة والمصلحة الحزبية التي تتوخاها الكتل السياسية في التصويت والموافقة على الوزراء المعينين، كما تم تأجيل التصويت على وزارتي ( النفط والمالية) وهي من الوزارات المهمة وأهميتها من العوائد والواردات الاقتصادية والتعاملات المالية التي تتعلق بطبيعة عمل الوزارتين خاصة وأن البلاد تمر بأزمة مالية خانقة نتيجة التدهور في أسعار النفط وزيادة التضخم في ميزانية الحكومة وهذا يشير الى طبيعة التعامل الحزبي المنفعي القائم على أسس حزبية فئوية تتعلق بحصة كل جهة سياسية في التشكيل الوزاري الذي أخذ أبعادا حزبية طائفية لم يستطع المكلف أن يبتعد عن هذه الرؤية التي هي إحدى سمات تشكيل الحكومات في بغداد بعد مجيء المحتل الأمريكي.

أكدت الموافقات السياسية الدولية والإقليمية بعد التصويت على حكومة الكاظمي من قبل مجلس النواب حقيقة النفوذ الدولي واهتمامه بالتواصل مع الأحداث من خلال الحفاظ على توجهاته وأهدافه داخل العراق فكان الاتصال الهاتفي الذي حدث بين (مايك بومبيو ) وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية مع مصطفى الكاظمي يوم 7 أيار 2020 ليؤكد وقوف واشنطن ودعمها لهذا التشكيل الوزاري وسعيها لاستمرار التعاون وتحقيق المصالح المشتركة وجاء الدعم واضحا من خلال موافقة بومبيو على تمديد العمل بالاستثناء الممنوح لحكومة بغداد في استيراد الطاقة الكهربائية من طهران لمدة (120) يوما بعد كان الرأي الأمريكي للتمديد مدة شهر واحد عندما كانت أحزاب السلطة تعاني صعوبة في تشكيل الحكومة، وهذا القرار بمنح الاستثناء لمدة أربعة أشهر يعطي فسحة كبيرة للكاظمي في التحرك والتوافق مع الأحزاب السياسية ومعالجة الأزمة القادمة في وسط وجنوب العراق المتعلقة بالطاقة الكهربائية ونحن مقبلون على فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة مع وجود عامل إضافي يتمثل بوباء كورونا الذي يحيط بالعالم أجمع ويشكل موقفا إيجابيا من قبل واشنطن تجاه حكومة الكاظمي في عملية التوازن الاستراتيجي لطبيعة النفوذ السياسي في البلاد والإعلان عن دعم الحكومة الجديدة على التعامل مع أزمة الكهرباء وتوفير الطاقة للمواطنين ورسالة واضحة للنظام الإيراني تكمن في الإشارة الى جدية الإدارة الأمريكية في التعامل المستمر والحيوي للملف العراقي وأهميته في الرؤية المستقبلية للتواجد الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط والوطن العربي.

تسعى الولايات المتحدة الأمريكية في تحديد مسارات العلاقة مع بغداد في المرحلة القادمة ضمن سياقات معينة أعلنت عنها وهي عندما تعمل على دعم تشكيل حكومة في بغداد فهي تريد أن تتعامل معها وبصلاحيات كاملة على ضوء المباحثات القادمة في شهر حزيران القادم حول طبيعة الوجود الأمريكي في العراق وإبرام العديد من الاتفاقيات السياسية والعسكرية والأمنية بما يحدد صورة وهيئة هذا التواجد والغاية منه واستمرار الدعم له وتحديد الأماكن والقواعد العسكرية التي يتواجد فيها الجيش الأمريكي مع الواجبات والتعهدات التي تلتزم بها حكومة بغداد بمنع أي هجمات تطال هذه الأماكن والأفراد العاملين فيها من قبل أي جهات ومليشيات مسلحة وضمان العمل على تحديد أساليب وطرق لمنع أي تحركات إيرانية داخل العراق عن طرق وكلاء وأدوات ومليشيات تابعة للحرس الثوري الإيراني ضد القوات الأمريكية أو الاعتداء عليها باستخدام الصواريخ الموجهة وقذائف الهاونات أو أي أسلحة أخرى كما حصل في العمليات التعرضية خلال الأشهر الماضية والتي أعقبت مقتل قاسم سليماني في حادث المطار بتاريخ 3 كانون الثاني 2020 .

ستستند حكومة الكاظمي على الدعم الدولي والإقليمي وطبيعة التطور في الأحداث السياسية القادمة في منطقة الشرق الأوسط وخاصة المباحثات التي ستجري مع واشنطن في شهر حزيران 2020 بالعاصمة بغداد والنتائج التي ستخرج بها والتي ستؤثر على طبيعة العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية الساعية الى توسيع مديات نفوذها في العراق ومواجهة التمدد والتوسع الإيراني ضمن الرؤية السياسية المتبعة في التعامل مع العامل الإقليمي الإيراني وتوجهاته واعتبار العراق ساحة لمواجهة قادمة وفق أسلوب التخادم بين الطرفين وسيكون المعيار الأساسي في رسم ملامح توازن القوى الدولية والإقليمية هي كيفية تعامل حكومة الكاظمي مع الأحداث والأزمات التي يمر بها العراق وتحديدا العلاقة بين واشنطن وطهران لأنها تشكل عاملا رئيسيا في تحديد مسار الأحداث ببغداد .

*باحث في مركز الأمة للدراسات والتطوير

مقالات متعلقة