سماح علي زيدان
لكل المجتمعات مفاهيم تندرج تحتها مقاصد معينة، وتحدد هذه المقاصد ثقافة المجتمعات في تعاملهم مع بعضهم البعض ومع محيطهم الاجتماعي والبيئي، وبما أن هذه المفاهيم تحددها مقاصد معينة فلا بد أن يكون لها جذور وأسس، معرفية، تراثية، وحضارية، و تاريخية، و ثقافية، واقتصادية، ونفسية، و سياسية، وهذه الخلفيات هي أساس هذه المفاهيم، وقد تكون هذه الجوانب تتضمن قيمًا، وتجارب، وعاداتٍ، وظروفًا نشأت من خلالها هذه المفاهيم وبذلك تكون هذه المفاهيم أحياناً متحددة بزمان ومكان خاص دون الأخر، وفي كل المجتمعات هناك روابط مشتركة وأوجه شبه بين الأسس، المعرفية، والتاريخية والحضارية لهذا المفهوم وأوجه اختلاف أيضاً.
ففي البلدان العربية هناك الكثير من الأسس التي تحتمل الاختلاف من حيث المقصد لكن أسسها واحدة من حيث النشأة ولضرب مثال من الجانب التاريخي والحضاري، فالحضارة العراقية المتمثلة بحضارة سومر وأشور كانت تدل على العلم والمعرفة والكتابة والخطوط والإلهام، بينما حضارة الأهرامات تدل على العظمة والفن من حيث السمة المعنوية، ومن حيث الشكل الهرمي فتعتريه روايات واعتقادات خرافية منها أنه جاء بهذا الشكل لكي تتصل أرواح الموتى داخله بالسماء، فالمفاهيم هنا وأسسها ذات روابط قوية لكن مقاصدها مختلفة، وهذا ما يحدد اتجاه وثقافة بلدين بصورة مختلفة عن الأخر من حيث تعاملهم مع بعضهم ومع المحيط الذي ينتمون إليه.
ومقاصد مفاهيم المجتمعات الغربية على عكس من المجتمعات العربية فالمجتمعات العربية ذو أرض فكرية خصبة، لذلك كل بلد له حضارته التي تعبر عن هويته الخاص به وتحمل تاريخه وطابع أجداده القدامى، وبالتالي له أطار معين وثقافة ومفاهيم ومقاصد معينه، يحصل ذلك في مجتمعاتنا لإن الأمة العربية لا يطبقون مفهوم بمقصده الذي يناسب الواقع، بل تبقى متمسكة بالمفهوم لمجرد أنه مترسخ في الأذهان رغم قدمه، ولا يهم في ذلك أن كان مناسب للواقع أو الفترة الزمنية أو المكانية، أما المجتمعات الغربية فهي على العكس تتبع المفهوم بمقصده الذي يناسب الواقع والأحداث وما يطابق مصلحة المجتمع، لكن في نفس الوقت هناك مفاهيم تختلف مقاصدها من دولة لأخرى، فمفهوم الحرية في العراق والولايات المتحدة وغيرها ليست كلها تفهمه وتطبقه بذات الإطار المقاصدي لهذا المفهوم، فالتعري علناً في الولايات المتحدة وجه من أوجه الحرية لديهم، وهذا المقصد ليس كل بلد يتبناه او يندرج تحت مفهوم الحرية لديهم.
مادام هناك تطابقات في الأسس التاريخية والاجتماعية والمفاهيم أكبر وأوجه اختلاف أقل فنحن مازلنا في السليم، والثقافة مازالت ثابتة ومحددة ومؤطرة بشكل لا يعتريه الخلل والاختراق، لكن وقع الكثير من الكُتَّاب العرب بشكل متواتر على مر أجيال متعددة في الخطأ نفسه، وهو عند الابتعاد عن بيئة المجتمعات العربية، والتوغل في المجتمعات الغربية يحصل تأثر بشكل عميق، ويبدأ هذا الكاتب بتبني أفكارهم ونقل ثقافة تلك البلاد وحملها لبلاده ظناً منه أنه شخص متحضر ومثقف، وأن الفكر الذي يحمله لشعب أخر هو الأحق بالاتباع نهجاً وثقافةً، على الرغم أن الفكر الغربي ليس هو الأصح والأولى أن يتبع، وهذا ما جعل الكثير من المجتمعات العربية أن يتشوش مسارها وتفقد هويتها العربية وتقع في الخلط الفكري والثقافي والاجتماعي وهذا الخلط ينم عن عدم إطلاع كتاب على الأسس المعرفية والتاريخية والحضارية والتراثية والثقافية لهذه الأمة وعدم فهم النظم الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي كونت هذه المفاهيم تناقلتها الأجيال على مر الزمان حتى وصلت إلينا، و الوقوع في هذا الخلط أمر مخيف فحمل مفاهيم غربية ووضع مفاهيم عربية مرادفة لها من حيث المقاصد هو ظلم كبير لثقافة معينة، وأيضاً نقل مفهوم ناشئ إلى الثقافة العربية بمقصود أخر غير الذي وضع له هذا المفهوم هو انسلاخ، أيضاً تحميل المفهوم العربي مقصد غربي هو محو لهوية الثقافة العربية، فعند تحميل مفهوم مقصد آخر غير الذي وضع له لثقافة أخرى لن يحدث الترابط سيبقى هناك الانفصام والهوَّة في نشأة ذلك المفهوم والمقصد معاً، فالأولى هو البحث عن نقاط التوافق الثقافية وروابط مشتركة بين المفهومين هنا يحدث الالتقاء والتمام.
إن مفاهيم التطور والنهضة والحضارة لدى المجتمعات الغربية لم تقف فقط على تطبيق تأريخ الأجداد والأساطير والعظمة، بل تجسدت لنا بصورة عصرية، بالصناعة، و التكنولوجيا، وإحداث نقلة نوعية داخل تلك المجتمعات ثقافيةً وفكرياً، لذلك نجد في هذا العصر التأثر العربي يطفح بالفكر الغربي، وأن أذهان العرب دائما مرنة وتلقائية التقبل للفكر الغربي، لأنهم يظنون أن التطور محدد بهذه المفاهيم والجوانب فقط ولو ركزنا نحن كعرب على الجانب الحضاري والتاريخي والعلم والمعرفة التي خلفها لنا أجدادنا لسبقناهم بأجيال وأجيال فالعلم الذي نتمتع به والمعرفة غنية ومغنية عن كل علم آخر، ولو لاحظنا أن التطور الذي نتأثر به منهم لوجدنا أن سلبياته تنتشر أكثر من إيجابياته.
والحضارة الغربية والحضارة العربية الإسلامية من الحضارات العريقة التي امتدت على مر عصور وأجيال وبلدان بعيدة أيضاً، وذلك لشدة وقع تلك الحضارات في النفوس وما تحمله من معاني سامية بالأخص الحضارة الإسلامية، لكن للأسف دائما نجد أن الحضارة الغربية هي التي ترجح كفتها على الحضارة الإسلامية وبالأخص لدى العرب، السبب يعود بذلك هو إضفاء اعتبارية ومقدار أعلى للحضارة الغربية وإن كلف ذلك محو الهوية العربية وهذا ما لا يرضاه عاقل، فإذا أردنا أن نعيد مجد حضارتنا علينا أن نعطي مقدارًا عاليًا للحضارة العربية لنحافظ على مقام هويتنا وحضارتنا السامية.