الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

مقالات ثورة العشرين ثوابت وطنية ووحدة مجتمعية

مقال خاص| ثورة العشرين ثوابت وطنية ووحدة مجتمعية

بقلم| أ. عبد القادر النايل

باحث سياسي عراقي

اتسمت ثورة العشرين بأنها ثورة استطاعت أن ترسم طريق التحرير للعراق وتؤسس الدولة العراقية الحديثة وتحافظ على وحدة العراق وكسر المشاريع الخبيثة التي سعت إلى تفكيك المجتمع العراقي من خلال الخطط التي أراد المحتل البريطاني تنفيذها في العراق والمنطقة العربية والإقليمية؛ إلا أنه نجح في تنفيذها في دول مجاورة فاقتطع إمارة الأحواز العربية من الوطن العربي وضمها إلى إيران التي لم تكن موجودة بهذا الإطار الذي نشهده حاليا بعد أن اقتطع إقليم بلوشستان وسمح باحتلال دولة مهاباد في شمال إيران الحالية التي اعترفت فيها الأمم المتحدة وأصبحت تابعة لإيران الحالية، ولم يقف البريطانيون من تأسيس دولة وجسم جديد في الجبهة الشرقية منطقة الشرق الأوسط إنما أيضا اقتطعوا أراضي من فلسطين ووهبوها إلى الكيان الصهيوني الذي ما يزال يحتل فلسطين من الجهة الغربية للوطن العربي.

وكان يأمل أن يتم تقطيع أوصال العراق إلى عدة مناطق وصار واضحا منهجه بالعزف على الوتر الطائفي والمناطقي من خلال لقائه بعشائر ورجال الدين من كل المذاهب الموجودة في العراق لكن فطنة أجدادنا الذين أسسوا للعمل المشترك في الدفاع عن العراق ووجوده وجعلوا المصلحة الوطنية فوق كل الاعتبارات والانتماءات والوعي الكبير الذي قام به علماء الدين وشيوخ العشائر والمفكرين والشعراء الذين حصدوا ثماره بعد أن اجتمعت أياديهم على التصدي للاحتلال ومشاريعه الخبيثة التي ينفذها في بلاد الرافدين. فانطلقت المقاومة العراقية وهي تستهدف جيش الاحتلال وإمداداته الاقتصادية والاستيلاء على سفنه الحربية من شمال العراق إلى جنوبه إلى غربه في معارك كشفت شجاعة العراقيين ووحدة موقفهم في الدفاع عن وطنهم.

إن نجاح ثورة العشرين والتي تعتبر علامة مضيئة في تاريخ العراق يفتخر بها أبناؤه على مدار التاريخ ويحيون ذكراها من كل عام في الثلاثين من حزيران ليست لأنها ثورة وانتهت بنجاحها بإجبار قوات الاحتلال على تشكيل نظام سياسي على أسس وطنية متينة إنما بسبب أنها أصبحت منهجا لكل حركات التحرر في المنطقة في عصرها الحديث، وهم يرون أن الشعب العراقي قاتل بالسلاح والفالة والمگوار ولم يستسلم إلى فرض إرادة المحتل البريطاني في وقتها ولذلك كانت أهم الدروس التي يجب أن يضعها العراقيون وهم أحفاد المؤسسين لثورة العشرين وقادتها الأبطال هو عدم الاستسلام للظروف الميدانية وعدم الخضوع لرغبة المحتلين وأدواته، ولا بد من انتزاع الوطن من مخالب المحتلين وعملائهم الفاسدين لأن أجدادنا في ثورة العشرين سلكوا كل الطرق وهم يناضلون دفاعا عن وطنهم ولم يضعوا فوارق القوة والسيطرة والبطش في ميزانهم الثوري؛ فخاضوا معارك قبيل الثورة انتصروا ببعضها وخسروا بعضا منها لكن تضحياتهم وشهدائهم كانت منارا للأجيال اللاحقة لأن إصرارهم كان أقوى من اليأس الذي حاول المحتل وعملاؤه زرعه في قلوب العراقيين الثائرين؛ وهذه من أهم الأسباب في استمرار وقود الثورة والسير في نهجها القويم.

ومن الثوابت المنهجية التي كانت الركيزة الثانية لثورة العشرين هي الوحدة المجتمعية والشعبية لكل أطياف الشعب العراقي؛ لذلك عندما كان العراق أولا فإن المصلحة العامة هي التي تتحكم بجميع المواقف الوطنية العراقية المناهضة للاحتلال ومشروعه السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي؛ ولذلك كان السني والشيعي والتركماني والكردي والمسلم والمسيحي وغيرهم مشارك في ثورة العشرين ومنفذ لكل قرار يُتخذ من قادة الثورة في حينها، وكان القرار يقرأ ذاته في المساجد والحسينيات ودور العبادة والمقاهي الثقافية وتصدح به حناجر الشعراء والأدباء وهذه كانت من أهم العوامل التي ساهمت في نجاح ثورة العشرين وصدمت المحتل الذي يحمل الأفكار الخبيثة ومنها (فرق تسد).

ولم تكن ثورة العشرين من دون هدف سياسي بل كان الهدف واضحا وهو دحر المحتل البريطاني تأسيس الدولة العراقية الحديثة بمنهج وطني؛ ولذلك كان شعار الوطنية العراقية حاضرا في جميع الطروحات السياسية لقادة الثورة العراقية، وهذا ما أسهم في بناء مؤسسات الدولة الوطنية التي لم تتأثر بالرغم من مرور العراق بتحولات سياسية متعددة من النظام الملكي إلى الجمهوري وانتقال السلطة بثورات مسلحة وباتجاهات مختلفة إلا أن النظام المؤسسي الوطني كان أساسه متينا ولم يتأثر بهذه الانتقالات القاسية في تاريخ العراق إلى أن جاء الاحتلال الأمريكي البريطاني عام 2003 وهدم جميع المؤسسات الوطنية واستبدلها بنظام المحاصصة الطائفي والعرقي والاقصاء وأنهى وجود الدولة الوطنية بدولة المكونات التي أرادها أن تكون بداية التقسيم للعراق والمنطقة، والعراقيون بعد ثمانية عشر عاما يُفشلون مشاريع الاحتلال الأمريكي البريطاني الإيراني بالرغم من قساوة المشهد والضريبة الكبيرة التي تحملها الشعب العراقي من إراقة الدماء الزكية وعشرات الآلاف من المعتقلين والانهيار الاقتصادي وتهجير أبنائه ونزوحهم وتدمير مدنهم وانهيار الخدمات والفقر الذي أصاب شعبه، وتدمير النظام الصحي والتعليمي من قبل من باع نفسه وتاريخه للمحتل لإيذاء الشعب العراقي ممن عمل ونفذ مشاريع المحتل

ولذلك فإن من الواجب علينا وللأمانة التي تركها أجدادنا المؤسسون لثورة العشرين أن نستمر في النضال المقاوم لاستعادة العراق، فهناك صولة قادمة ستنتصر فيها إرادة الشعب العراقي على أعدائه بعد أن نتمسك بمنهج ثورة العشرين وفي مقدمتها العمل المشترك ووحدة الصف بمنهج وطني جامع لا يفرق بين أطياف ومكونات الشعب العراقي، بمنهج يكون فيه العراق أولا وهذا ما نلمسه الآن بعد ثورة تشرين والوعي الكبير الذي تحقق للشعب العراقي الذي غُيّب سنوات عن دوره الحقيقي لمحاولة إخراجه من المعادلة والواجب الوطني، إلا أن الأيام القادمة سترينا بإذن الله تعالى انتصار العراق أرضا وشعبا على المحتلين والدخلاء والطارئين على العراق وسيعود العراق لأهله ولا مكان فيه لمن شاركوا المحتل في تدميره ومحاولة إنهائه.

مقالات متعلقة