خبراء الأمن المائي يدقون ناقوس الخطر، العراق بلا أنهر عام 2040 وملامح جفاف أراضيه تظهر 2025
- بلاد ما بين النهرين شبه قاحلة يضربها التصحر وتشكو الظمأ جراء تدني مياه نهري دجلة والفرات
- ارتفاع نسبة الأملاح في شط العرب سببه قطع إيران مصب نهري الكارون والكرخا وإغلاقها 45 نهرا وجدولا مشتركة مع العراق
- حكومات الاحتلال المتعاقبة فشلت بالحفاظ على حصة العراق من مياه نهري دجلة والفرات
- الحرب التي ستلوح بالأفق ستكون المياه مصدرها ومحركها خلال العقد المقبل
الميثاق|تقرير: أحمد صبري
لم يضرب الكاتب والصحفي العربي الراحل محمد حسنين هيكل بالغيب عندما توقع أن تكون أزمة المياه هي التحدي الأكبر لدول المنطقة العربية وجوارها في معرض أجابته على سؤال حول التحديات المتوقعة بعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية
وفي حوار مع هيكل حول توقعاته واستشرافه لمستقبل الصراع في المنطقة والتحديات التي تواجه دوله قال هيكل "أن الحرب التي ستلوح بالأفق هي ليست مثل الحروب التقليدية وإنما المياه ستكون مصدرها ومحركها خلال العقد المقبل وهي برأيه ستكون أخطر تأثيرا على مستقبل حياة الملايين من البشر
والحوار مع هيكل كان مع مجموعة من الصحفيين العراقيين جرى في القاهرة عام 1989 كنت من بين أعضاءه، وكان سؤالي حول رؤيته لقوة الرياح التي ستضرب المنطقة واتجاهاتها بعد انتصار العراق في حربه مع إيران عام 1988 حيث استرسل في استشرافه لمستقبل المنطقة التي قال أن المياه دخلت كعامل مؤثر في رسم اتجاهاتها منبها إلى مخاطر غياب القسمة العادلة في توزيع المياه بين دول المصب والدول المتشاطئة كما هو الحال بين تركيا وإيران من جهة والعراق وسوريا من جهة أخرى حول نهري دجلة والفرات ومخاطر بناء السدود على مجرى النهرين من قبل تركيا وإيران وسوريا كما برز مؤخرا أزمة سد النهضة بين اثيوبيا من جهة ومصر والسودان من جهة أخرى.
وخلاصة حوار الصحفيين العراقيين مع هيكل أن الرجل يخشى أن تهدد أزمة المياه ملايين البشر وقد تقودهم إلى صراع مرير لا يقل خطورة من الحروب التقليدية
(ونظرة حول مسار النهرين: ينبع “الفرات” من تركيا ويعبر الأراضي السورية ليجري في الأراضي العراقية حيث يلتقي في جنوبها مع نهر دجلة، ليشكلا شط العرب)
تحولت بلاد ما بين النهرين إلى أرض شبه قاحلة يضربها التصحر بسبب انخفاض مناسيب النهرين، وأصبح العراق يشكو الظمأ.
لم يغبن بلد من الدول المتشاطئة على نهري دجلة والفرات مثل العراق بفعل التجاوز على حقوقه ما ألحق أضرارا جسيمة بالأرض والإنسان منذ عقود وحتى الآن، لا سيما وأن شرعة الأمم المتحدة وقوانين البحار والأنهر والخلجان تضمن حقوق الدول المتشاطئة وتنظمها بشكل يتم بموجبها التقاسم العادل للمياه من المنبع، مرورا بالدول التي تمر بها الأنهر أو التي تقع بمحاذاة البحار والخلجان، ورغم هذه الضمانات إلا أن العراق لم يتمتع بحقوق الدول المتشاطئة؛ فحصته المقررة من مناسيب نهري دجلة والفرات في تناقص.
ولم تكتف هذه الدول بالتجاوز على حقوق العراق المائية، وإنما راحت إلى إقامة مشاريع على الأنهر وتخزين المياه في خزانات كبيرة لحجبها عن العراق خصوصا تركيا وسوريا، حيث عمدت إيران إلى إغلاق نحو 45 نهرا وجدولا مشتركا مع العراق، وكُشف عن قيامها بتحويل بعض الروافد إلى داخل إيران منها نهر سيروان وبعض من مياه رافد ديالى، وأصبح نهر ديالى الأكثر تضررا بسبب تلك التحويلات التي تسببت بانخفاض كبير في منسوبه، وتجدر الإشارة إلى وجود "اتفاقية الجزائر" الموقعة بين البلدين 1975 والتي تعطلت منذ عام 1980 بداية حرب العراق وإيران ونصت على أن يحدد كيفية التصرف بـ 42 نهرا ووادي.
أما بالنسبة لتركيا فقد أقامت 5 سدود عملاقة على نهر الفرات في إطار مشروع الغاب الذي بدأت العمل فيه في سبعينيات القرن الماضي وما زال العمل جار في سدين أخرين، ولا تزال تركيا ماضية في بناء المزيد من السدود على نهري دجلة والفرات اللذين يمثلان شريان الحياة لسوريا والعراق، وأدت المشاريع التركية إلى تراجع حصة العراق من النهرين بنسبة 80%، وحسب القانون الدولي فإن نهر الفرات هو نهر دولي لأنه يعبر عدة دول.
ونقلت وسائل إعلام عراقية عن خبير مائي القول إن الواردات المائية القادمة من تركيا لنهري دجلة والفرات انخفضت بمقدار 50%، وروافد سد دربندخان وصلت واردتها إلى صفر، كما انخفضت واردات الزاب الأسفل (شمال شرق كركوك) بنسبة 70%.
وأسفرت تلك التجاوزات من قبل دولتي المنبع والروافد في تقلص الأراضي الزراعية واتساع دائرة التصحر، فضلاً عن التغييرات البيئة جراء ذلك الأمر، فيما توقع مختصون أن تظهر ملامح الجفاف في العراق عام 2025 ويدخل العراق عام 2040 بلا رافدين.
ولن تتخذ الحكومات المتعاقبة أي إجراءات لضمان حصة العراق من المياه كبناء سدود لتخزين المياه ولم يفلح العراق على مدى العقود الماضية في توقيع اتفاق ملزم مع إيران وتركيا يضمن حقوق بلاد ما بين النهرين بشكل دائم، حيث يبلغ إجمالي معدل الاستهلاك لكافة الاحتياجات في العراق نحو 53 مليار متر مكعب سنويا وهو معدل يتناقص سنويا بفعل الاطلاقات المحدودة التي تصل الى العراق.
ووفقا لتوقعات مؤشر الإجهاد المائي فإن العراق سيكون أرضا بلا أنهار بحلول عام 2040، ولن يصل النهران العظيمان إلى المصب النهائي في الخليج العربي، وطبقا لذات المؤشر في عام 2025 ستظهر ملامح الجفاف الشديد واضحة جدا في عموم العراق مع جفاف شبه كلي لنهر الفرات باتجاه الجنوب، وتحول نهر دجلة إلى مجرى مائي محدود الموارد.
إن واقع الحال يشير إلى أن العراق يعيش أزمة مائية ربما ستحوله إلى بلد يضربه التصحر ويشكو الظمأ، ويتوقع خبير مائي جراء ذلك ازدياد عمليات التصحر وتغيير المناخ، بالإضافة إلى انحدار الثروة السمكية وقلة الإنتاج الزراعي وزيادة في حجم الواردات وارتفاع معدلات الهجرة من الريف إلى المدينة وهذا ما حذرت من تداعياته على حياة العراقيين منظمات دولية معنية بالأمن المائي، ويتوقع متابعون بأن الحرب التي ستلوح بالأفق ستكون المياه مصدرها ومحركها خلال العقد المقبل.
خبراء المياه بالعراق يدقون ناقوس الخطر من مغبة عدم توقيع العراق اتفاقية تضمن حصته المائية من الدول المتشاطئة لانعكاسه على الاقتصاد العراقي والأمن الغذائي، وفشلت حكومات الاحتلال المتعاقبة بالحفاظ على حصة العراق من مياه نهري دجلة والفرات التي تتطلب تحركا جديا باتجاه دول المنبع لضمان ديمومة تدفق المياه في نهري دجلة والفرات ودرء مخاطر تراجع مناسيب النهرين على الإنسان.