يُنذرُ الخلاف الشيعي ـ الشيعي، على الأسماء المرشحة لشغل الحقائب الوزارية، في حكومة رئيس الوزراء المكلّف مصطفى الكاظمي، بـ»فشل» مهمة الأخير في تأليف حكومته، والالتحاق بمصير سلفيه؛ محمد توفيق علاوي، وعدنان الزرفي، الأمر الذي يُعقّد المشهد السياسي أكثر، في ظل سلّسلة أزمات صحية واقتصادية ومالية تعصف بهذا البلد المُثقل بالصراعات.
إصرار الكتل السياسية الشيعية والسنّية والكردية، على عدم التفريط باستحقاقاتها الانتخابية، وحصصها في المناصب التنفيذية، يضع المكلُف الجديد بين طريقين لا ثالث لهما، إما الرضوخ لرغبات الكتل، وهذا يعني تمرير حكومته بسلاسة في البرلمان، أو التمسك بالشرطين اللذين وضعهما في آلية اختيار مرشحي كابينته (الكفاءة والنزاهة)، ليلتحق بمصير علاوي والزرفي.
السؤال الأكثر طرحاً في هذه المرحلة، يدور حول ماذا بعد اعتذار الكاظمي عن المضي بمهمته؟ ومن ستولى اختيار مرشحٍ جديد؟ أم أن البلد قد يواجه خيار «حكومة الطوارئ» وحلّ البرلمان على يد رئيس الجمهورية برهم صالح؟
الخبير القانوني العراقي الدكتور، حسين الأسدي، قال لـ«القدس العربي»، «إن فشل المكلف بات محتملاً، أثير تساؤل مشروع وهو ماذا بعد ذلك؟ فهل أن الخيار في الترشيح يبقى بيد الكتلة الأكثر عدداً؟ وهل أن المكون الشيعي سيبقى مستمراً بالمسؤولية عن ذلك؟ أم أن الحق سينتقل إلى رئيس الجمهورية؟ فيكون حق التكليف والترشيح بيده، بالتأكيد احتمال حل مجلس النواب ليس من صلاحيات رئيس الجمهورية».
وأضاف: «حق الترشيح يبقى للكتلة الأكثر عدداً»، مستنداً بذلك على المادة الدستورية 76، التي قال أنها «رسمت طريقة ترشيح رئيس مجلس الوزراء، فكانت الفقرة الأولى من المادة أعلاه تنص (أولا: يكلف رئيس الجمهورية مرشح الكتلة النيابية الأكثر عددا بتشكيل مجلس الوزراء خلال خمسة عشر يوما من تاريخ انتخاب رئيس الجمهورية)، وهي المرحلة الأولى من آلية الترشيح حيث ترشح الكتلة الاكثر عدداً رئيس مجلس الوزراء الى رئيس الجمهورية».
ويعزز الخبير القانوني رأيه بـ«الفقرة الخامسة من المادة 76 (خامسا: يتولى رئيس الجمهورية تكليف مرشح آخر بتشكيل الوزارة خلال خمسة عشر يوما في حالة عدم نيل الوزارة الثقة) وهي المرحلة الثانية حيث قد أخفق رئيس مجلس الوزراء المكلف في تشكيل الوزارة».
وحسب الأسدي، فإن هناك «فهمين للترشيح»، يستند الأول على أن «رئيس الجمهورية يقوم بعملية الترشيح بغض النظر عن رأي الكتلة النيابية الأكثر عدداً بدلالة المادة 76 أولا حيث ان المشرع الدستوري لم يقيد الفقرة هنا كما فعل هناك ولذا فهي مطلقة بيد رئيس الجمهورية».
في حين يقول الرأي الثاني: «إننا نعود مرة أخرى إلى الكتلة الأكثر عدداً ـ هذا ما نعتقده، حيث أن المادة 76 خامسا جاءت في سياق المادة 76 أولاً، ولذا فهي تبقي الحق للكتلة الأكثر عدداً وهو من العهد السياقي».
تعدّد المكلّفين
وأتم قائلاً: «الفقرة بذاتها أشارت إلى حق الكتلة الأكثر عدداً في الترشيح، فبينت أن رئيس الجمهورية يتولى تكليف مرشح آخر ولم تعطِ الحق له في الترشيح، مع أن كل عملية ترشيح تحتاج إلى جهة مرشحة، وحيث أن لم ينص على جهة بعينها فيبقى الحق للجهة المنصوص عليها في الفقرة أولاً، وهو من إبقاء ما كان على ما كان ما لم ينص على تغييره بنص جديد، وهذا الحق يبقى حقاً للكتلة الأكثر عددا مهما طال الزمن أو تعدد عدد المكلفين وليس لأحد أن يسلبها هذا الحق، فلا يجتمع حق الترشيح والتكليف في جهة واحدة وإلا وبينها المشرع بوضوح».
وبشأن الحالة القانونية التي تُجيّز حلّ مجلس النواب أشار إلى أن: يحق لمجلس النواب أن يدعو إلى انتخابات مبكرة ويحل نفسه على هذا الأساس»، موضّحاً أن «لا صلاحية لرئيسي الجمهورية والحكومة، لحلّ مجلس النواب».
الأكراد ينتظرون نتائج المفاوضات في بغداد… والتركمان ينضمّون لدعاة المحاصصة
ووفق المعلومات، فإن الكاظمي يواجه اعتراضاً شيعياً شديداً على «إزدواجية» تعامله مع الكتل السياسية في اختيار مرشحي كابينته، ففيما يرى الشيعة أن المكلّف أبدى «مرونة» في منح الحريّة للكتل السياسية الكردية والسنّية باختيار المرشحين لـ»مناصبهم المستحقّة»، فرض هو أسماءً لحقائب وزارية من حصّة الشيعة، من الدون الرجوع لهم.
وبما يُعزّز تلك المعلومات، مهاجمة رئيس كتلة «الفتح» البرلمانية، محمد الغبان، لـ»آلية» ترشيح الكابينة الوزارية، واصفا تعامل الكاظمي بالـ»ازدواجي».
وقال في «تغريدة» على موقعه في «تويتر»، إن «كتلة شيعية محددة (لمّ يسمّها) أصرت على تفويض الرئيس المكلف في اختيار الكابينة، لغاية في نفسها، والكتل الشيعية الأخرى وافقت بشرط أن يطبق هذا المبدأ على الجميع دون استثناء».
وأضاف أن «الرئيس المكلف خلافا لذلك المبدأ قبل مرشحي الكتل الكردية والسنية وتعامل بإزدواجية»، مؤكدا أن «هذا الأمر مرفوض ويعقد تمرير الكابينة».
و يعدّ تيار «الحكمة الوطني»، بزعامة عمار الحكيم، الكتلة السياسية الوحيدة التي أعلنت عدم الاشتراك في مفاوضات تشكيل الحكومة المرتقبة، ومنح الحرية للمكلّف في اختيار المرشحين.
لكن أول أمس، أعلن حزب «الحل» السنّي بزعامة رجل الأعمال، جمال الكربولي، عدم مشاركته في حكومة الكاظمي، مؤكداً أنه لن يكون «شاهد زور» على ما يحدث.
وقال الحزب في بيان صحافي، «لن نشارك في حكومة رئيس الوزراء المكلف مصطفى الكاظمي، ولن نكون شاهد زور على ما يحدث من توزيع للوزارات كأنها غنائم وادعاءات البعض زوراً بتمثيلهم المكون (السنّة) لاحتكار استحقاقاته والحصول على المكتسبات على حساب الآخرين».
وأضاف أنه سيكون «خارج حكومة رئيس الوزراء المكلف الكاظمي لعدم قناعتنا بإمكانيته من أحداث تغيير على الواقع المرير للشعب الذي يعاني من تهجير وفقر وفساد وسرقة أموال»، مؤكداً أنه سيكون «مع الشعب الى حين استعاده حقوقه المسلوبة وانصاف عوائل الشهداء وفي مقدمتهم شهداء ثورة تشرين والكشف عن مصير المغيبين والمختفين والمفقودين».
في الجانب الآخر، لم يتغير موقف الأكراد من مفاوضات تشكيل الحكومة، إذا لا تزال القوى السياسية الكردستانية، تنتظر نتائج ما يتوصل إليه الكاظمي مع الشيعة والسنّة في بغداد، قبل أن يبدأ مفاوضاته «الرسمية» مع القادة الأكراد.
النائب عن الاتحاد الوطني الكردستاني، سيروان ميرزا، قال لإعلام حزبه، إن «هناك ملاحظات لدى بعض الأطراف السياسية حول تشكيل الحكومة الاتحادية الجديدة برئاسة مصطفى الكاظمي».
مشاورات رسمية
وأضاف: «الكتل الشيعية والسنية لديها ملاحظات حول تشكيلة الحكومة الجديدة، كما أن المكلف مصطفى الكاظمي لم يبدأ مشاوراته الرسمية مع إقليم كردستان لحد الآن»، مستبعداً «التصويت على الحكومة من قبل مجلس النواب خلال الأسبوع الجاري».
ومن بين التسريبات الصحافية بشأن كابينة الكاظمي، فإن الأخير يعتزم إيكال وزارة المرأة (غير المسمّاة) إلى المكوّن التركماني، الأمر الذي وضع عقبة جديدة في طريق المكلّف، تتمثل برفض التركمان للمنصب، والمطالبة باختيار أحد مرشحيهم لحقيبة المخصصة لهم في كابينة الكاظمي.
ووجه القيادي التركماني ومقرر مجلس النواب السابق نيازي معمار أوغلو، رسالة إلى الكاظمي، طالبه من خلالها باختيار وزير التركمان من خلال نواب المكون أسوة بالمكونات الأخرى.
وقال في رسالته: «حالنا حال الشيعة والسنة والكرد، ولن نقبل بالإطلاق ترشيح أحد لإشغال المقعد التركماني في حكومة الكاظمي إلا بالعودة إلى نواب التركمان التسعة، ولن نقبل أن تتكرر حالة المرشحة إلى مجلس الحكم آنذاك فهو مخطط يحاك بحق التركمان».
وتساءل، أن «يقوم أحدهم وهو مرجع حكومي يرشح سيدة لا تنطق بالتركمانية ويترك عشرات الخيارات من نواب التركمان، أليس هذا استخفافاً بحق مكون ثالث في العراق بقوام ثلاثة ملايين مواطن عراقي تركماني، فضلاً عن تغيير الوزارة إلى وزارة أخرى»، لافتا إلى أن «هذه شروط التركمان، وليعلم الجميع أن التركمان وعوا ومطالبين بحقهم الدستوري وليس في الحقيبة الوزارية فحسب بل في الوكلاء والدرجات الخاصة والسفراء والهيئات، فكفانا ظلماً وجراحاً وألماً».
وتابع: «ليعلم الجميع أن التركمان في العراق ليسوا بقايا الامبراطورية العثمانية، مع اعتزازنا الشديد بالخلافة العثمانية، بل هم أسسوا ست دول في العراق قبل مجيء العثمانيين، فنتمنى أن تتغير المعادلة وفق الدستور العراقي الذي تم صياغته لمآرب خاصة معروفة وخصوصاً المادة الموقوتة والقاتلة 140 وجعل التركمان في زاوية محصورة وبطرق مختلفة، ظناً منهم أن التركمان يسكتون ولن يطالبوا فنحن ندين الحكومة من فمها الناطق الدستور العراقي وخصوصاً في المادة 9 في التوازن الوظيفي»