بقلم| ثائرة أكرم العكيدي (باحثة بالشأن العراقي)
لا أظن بأن هنالك حالاً أسوأ مِن حالنا اليوم ولا شك أننا في وطن شعبه يعاني الأمرين في هذا التاريخ الأسود الذي لطخته عقول خفيفة لا تدرك أنها تحفر بيدها كهفًا مظلمًا عميقًا لا تعرف نهايته وتهد بنيان السلام، صرح من حضارة عريقة لطالما تعب أسلافنا وقدموا الغالي والنفيس لحمايته من الزوال عبر عصور وأجيال سابقة.
في بلادي شعب يعيش بين (قهرين) كل قائد حزبي مهما انحطت قيمته يصبح قدوة ويحمل كثيرًا من المثقفين والسياسيين الفاشلين، ليتربعوا على تلك الأرض المباركة ويعبثوا فيها فسادًا وخرابا ويكتبوا تاريخًا مؤلمًا ملطخًا بالدماء والكوارث. حتى أصبحنا كلما نظرنا إلى هذا الوطن المليء بخيرات لا تعد ولا تحصى ارتد إلينا البصر حسيرًا من هول ما يكنزه هذا الواقع من مفارقات وتناقضات يستحيل العيش فيها أو التعايش معها ويصبح التفاؤل معها ضربا من الجنون، ويمسي الحلم بينها كابوسًا يقض مضاجع الفارين من عالم الحقيقة والمكتوين بنيرانها، ويؤرق بال الباحثين وهم يبحثون عن لحظة راحة.
أصبحنا نرى الغيور على وطنه وشعبه يحاسب على قول الحقيقة، ويُفرض عليه الصمت ويُمنع من المطالبة بالإصلاح، حتى على مستوى تغريدة على الفيس أو توتر، بل أصبح من يطالب بالإصلاح وفضح الفساد منبوذًا بسبب المفسدين والمتسلطين على رقاب العراقيين.
عام بعد آخر يغرق العراقيون في جحيم الفساد والظلم والتجهيل، لقد جعل ساسة العراق الطارئون من العراق سجنًا كبيرًا لشعبه يعرفون أوقات الطعام وزيارات الجلادين له، سنة بعد أخرى يُطفئ ملايين العراقيين شمعات أعيادهم دون أن يحلموا بغد أفضل وأيامًا أجمل.
لماذا الحاضر في عراقنا ماض يملأه رصاص يقتل مستقبل أبنائه، ولماذا العصور والعهود والأزمنة والأيام عندنا بصرية أو فقيرية تنسخ نفسها بيننا ولا تختار من أقمشة الديموقراطية والحرية والحداثة والكرامة والحق والقانون وغير ذلك من أنواع وفنون اللباس العصري ما يناسب مقاسها ويستر عورتها ويرد عنها هجاء الناقدين وذم الباحثين.
لماذا يخلو العراق من حكومة السيادة؟، وللساسة والسياسيين أحزاب ولدت أحزابا وانقسمت على نفسها بين عشية وضحاها، لتكون لنا خريطة سياسية فيها اليمين يقسم بكل يمين بمناسبة وبغير مناسبة، وفيها اليسار يسير في مسار منحرف، وفيها الكتلة تكتلت حول جبل من جمود، وعن كل هذا غابت خلف كواليس الهدوء والسكون معارضة وافقت الأغلبية في صمتها ورضت بما لذ وطاب من رقع خريطة اتفق الكل على تسميتها (لعبة سياسية) لا غالب فيها ولا مغلوب، ولا قرار تصنعه بعيدًا عما يوافق أهواء وفصول دستور يجعل من يد واحدة تصفق رغم أنف الجميع؟.
لماذا في عراق الخير، الاقتصاد غارق بالفساد يمور ويموج، عليه القوم تجمعوا، وبالنسب واللقب والكنية فوقه تربعوا، وعلى نهش ما تبقى من جسده العليل أجمعوا، وفقراء العراق لم ينالوا سوى شيئا من الفتات المتساقط من على موائد الأحزاب والسادة.
حتى غدت رتبه بين البلدان بسبب تفشي الفساد؛ أسفل سافلين تلتصق بالتقدم نحو الوراء يسيرون به، وبالتقهقر للخلف يُسيّرون وجهته فلا الرياضة تستقيم لتشفي بعضا من غليل هذا الشعب الحزين، ولا الأمن فيه بالذي تطيب له الأنفس وتقر له العيون، ولا التعليم فيه ينور العقول أو ينجب النبغاء أو يخرج عن قدر البطالة المكتوب على طلابه، ولا الصحة بين يديه بخير، ولا مستوى المعيشة فوق ترابه ترقى لإسكات أنين المعوزين وآهات المحتاجين وطلبات المساكين وغيرهم ممن لا ينتمون لزمرة لا خوف عليهم ولا هم يحزنـون.
لقد أمسى العدل في وطني جور ينطق وقضاؤه بالتمييز يدون، وعدالته لمن له صلة وصل بالفوق تنحاز، والإنصاف للضحايا معدوم، يسرق الفقراء رغيف خبز فيؤخذ بالنواصي والأقدام، ويسرق خيرات العراق الجلاد والعميل والمرتزق مع سبق الإصرار والترصد فيكرم أمام العالم أجمع.
وها نحن اليوم نبحث فيه وبين أراضيه عن سكة الصواب فلا نجد إلا سككًا معوجة خطيرة وطرقًا محرفة قاتلة وسبلا مسيجة بأشواك مسمومة تنذر من اقترب من حدودها بسوء العاقبة وتتوعد من همّ بتجاوزها الويل وبؤس المصير.
أسئلة تدور في أعماق قلوب غيورة على هذا الوطن المقهور، تطرح كل صباح ومساء لتبحث عن جواب مسؤول من مسؤول يقدر معنى المسؤولية، ويضع النقط على الحروف من غير نسج لخطابات تسويفية أو نهج لسياسة تذر الرماد في العيون أو تتبع لزلات قلم بغية وأده في مهده. فما أحوجنا لأجوبة تزيل القناع عن ترقيع ما لا يرقع، وتميط اللثام عن واقع تبث بالواضح الملموس أن الخطاب العدمي هو الخطاب الوحيد القادر على وصفه، وأن الحل العملي للخروج من تجلياته السوداء ومشاكله المتعددة وعُقَدِه التي لا تنتهي، لن يتأتى لا بانتخابات عبثية ولا بمشاريع حكومية صورية، ولا بمبادرات فردية ولا بمهرجانات هنا أو هناك؛ وإنما يأتي باحترام الوطن ومواطنيه.
ويا حسرتي على عراق كان هو الصقر الذي يحوم بالعلالي يهابه الصديق والعدو ويحسبون له ألف حساب، واليوم كسروا جناحه لكي يهوي ويعيش ويذل ويهان من خفافيش الظلام، لكنه أبى السقوط ومازال صامدا صابرا رافضا حياة الذل والعار...