الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

مقالات بعد 19عشرة عاما الخضراء.. يحكمها الفقراء..

بعد 19عشرة عاما الخضراء.. يحكمها الفقراء..

ثائرة أكرم العكيدي

صحفية وكاتبة وباحثة

ما كان يخشاه الجميع قد حدث، انفتحت الهوة وابتلعت الجميع، فلا حكومة (حكومة الفاسدين) والخضراء أصبحت جرداء، والمواطن العراقي الفقير الذي كان يحلم بدخولها أصبح أصغر طفل يبيع فيها الداطلي.

دخول المتظاهرين المنطقة الخضراء بالنسبة لهم كانت لحظة اكتشاف حقيقة حياة الساكنين فيها؛ وهو ما أثار غضب العراقيين عندما رأو مستوى معيشة السياسيين، والأحزاب التي تدعي الدينية التي صدعت رؤوس الشعب بعبارات الزهد والتقوى وشعارات بناء الوطن والتضحية بالدم من أجله، الوضع بعد اقتحام الخضراء لن يكون مثل قبله بالتأكيد، فالمنطقة الأكثر مهابة بالعراق بعد الاحتلال صارت مهانة ومكشوفة، وبات من الطبيعي أن ينام أو يستيقظ العراقيون على أخبار انتشار الفوضى؛ من اقتحم الخضراء يريد المساواة في عدم احترام الدولة لا في احترامها. وعقدة عدم احترام الدولة عند العراقي قديمه؛ لأنهم يشعرون أن من يسكن القصور الرئاسية والوزارية هم عراقيون مثلهم. ولكن الدولة صارت رمزاً للسيد والإقطاعي والسركال والبورجوازي وصاحب السلطة بدلاً من أن تكون رمزاً للخدمة والسيادة والفخر. ولا توجد فوضى أكثر من فقدان البوصلة في تحديد المعايير بشأن المواقف الوطنيّة .

من دخن الأرگيلة في البرلمان لم يكن يقصد التباهي بإهانة الدولة، بل كان يقصد التساوي في عدم احترامها، فالخضراء باتت رمزاً لعدم المساواة والتمييز السلطوي والطبقي؛ فبتنا بعد سقوط النظام السابق واحتلال العراق 2003 كما يقول صاحب المثل (لاطاح بلح الشام ولاعنب اليمن)؛ فلا يوجد نظام يخاف الشعب قمعه والحمد لله على هذه النعمة، ولا هناك نظام ودولة يحترمها الناس، وكيف يحترم الشعب دولة يقتحم برلمانه ومؤسساته أكثر من مرة! كيف تحترم دولة لا تحترم هي دستورها ويتم خرقه من قبل السلطات وزعماء الأحزاب السياسية، الجميع ينتهك الدستور المرقع أصلا حتى السلطات القضائية! كيف يحترم الشعب دولة يعتدى على موظفيها ومنتسبيها وقواته الأمنية يوميا من قبل ميليشيات مسلحة أو متنفذين لا يمكن لأحد محاسبتهم! كيف يمكن احترام دولة تستعرض فيها الميليشيات بعجلاتها المسلحة دون رادع؟! كيف تحترم الدولة والسيادة خالية من قاموسها؟! كيف تُحترم دولة والميليشيات تجاهر بقصفها سفارات الدول والمدن العراقية؟! كيف تُحترم دولة ترفع فيها أعلام ورموز وشعارات دول أخرى بدلاً من علمها! كيف تحترمها والفساد ينخر مؤسساتها! كيف يطالب الشعب باحترام النظام والمتنفذون لا ينتهكونه؟! شرطي المرور والموظف والمعلم …الخ يتم تجاهلهم بل حتى إهانتهم من قبل المتنفذين والتيجان دون أي حساب.. الدولة لا يتم احترامها من قبل ساكني الخضراء أنفسهم، فكيف تحترم من قبل غير الساكنين فيها.! الدولة لا تُحترم من قبل من زودتهم بالسلاح والمال والسيارات فكيف بالذين سرقتهم ولم تعطِهم شيئا.. الدولة لا تحترم ممن سرقوا خيراتها وأرسلوا عائلتهم خارج البلاد ليعيشوا برفاهية ويتعلموا بأرقى الجامعات العالمية، بينما يتعرض الشعب لحملة تجهيل وفقر مدقع.

كيف لا تكون الفوضى متسيّدة في المجال السياسي، عندما يستعرض مَن يهمين على مؤسسات الدولة بمعارضته لِقرار الحكومة أو استصغارها أو إهانتها بسلوكيات فوضويّة يتمّ تكرارها بمناسبة أو بدونها. قوى اللادولة هي التي أسست لواقع فوضوي، عندما قدّمت نفسها على أنها أعلى من الدولة ومؤسساتها.

عندما يتم احتكار القرارات والمواقف المصيرية بالبلاد بإرادة زعماء كتل سياسية تعلن ولاءها لتبعية خارجية، تُركَن إرادة المواطنين وآرائهم، ويتحوّل البرلمان إلى مؤسسة لتمرير صفقات واتفاقات سياسية لمنح الثقة للحكومات التي تخضع لرغبات هذه الأحزاب والكتل الفاسدة، وهذا يستلزم غياب المؤسساتية، وحضور الشخصنة في صنع واتخاذ القرار السياسي، وبالتأكيد فلن يؤسس هذا الواقع إلا لترسيخ الأعراف السياسية التي تشرعن الفوضى وتضعّف دور المؤسسات السياسية.

منذ اللحظة التي دخلت فيها الأحزاب بمعية المحتل الأميركي الذي وهبها ما لم تكن تحلم به حين فتح أمامها خزائن العراق؛ أدركت أن بقاءها مرتبط بخضوعها لمشروع الاحتلال ومقتلها مرتبط بعودة القرار والإرادة للشعب العراقي. وهو ما لا يسمح به حتى في أسوأ لحظات صدامها مع الشعب حين كان النظام السياسي مهددا بالسقوط.

التبعية للخارج أصبحت هي طوق النجاة للأحزاب والحكومات في العراق ولا يمكن التخلي عنها بغض النظر عما يمثله ذلك الخارج من خطر على السيادة العراقية وكرامة الشعب ووحدة الأراضي العراقية؛ فضلا عن القيم الوطنية التي أزيحت عن مكانها في الحسابات السياسية.

مقالات متعلقة