بقلم| د. صباح الناصري (أستاذ الاقتصاد السياسي)
لم يتركوا أي شيء يمكن استغلاله إلا واستغلوه. من حرب ساخنة بالوكالة أثناء الانتفاضة السورية ضد نظام الأسد إلى الحرب الباردة بالوكالة لمأساة الزلزال: استخدم وكلاء الحكومة العراقية الموالون لإيران المأساة لإعادة تأهيل نظام البعث القاتل (انظر إلى استغلال اجتماع ما تسمى البرلمانات العربية للدفع باتجاه إعادة سوريا البعث للجامعة العربية و"الحضن" العربي!)؛ البعض استخدم المأساة للتنميط الذاتي باعتباره حامي الإنسانية، وآخرون استخدموا المأساة كوسيلة غير مباشرة للمصالحة مع النظام الإيراني لتليين يده القاسية ضد مصالحهم إدراكا منهم ضعف النظام الإيراني واستعداده هذه المرة للسلم البارد: القوة الناعمة في أوقات عدم اليقين!.
في هذه الأثناء، انزلقت حكومة الإطار السوداني من فوضى إلى فوضى: إعادة تقييم الدينار الذي لم يغير أي شيء في سعر الصرف في الشارع والذي يكلف الميزانية مليارات الدنانير لصالح مصارف وبنوك ومضاربي الأحزاب المتسلطة، تقييم عبارة عن إعادة تدوير غسيل الأموال وتهريبها؛ إصلاح المعاش التقاعدي الذي ترك المتقاعد خارج المعادلة؛ الادعاءات بمحاربة الفساد انتهت بمهمة التستر على الفاسدين؛ التراجع عن شروط صفقة أمريكية مكنت من تشكيل الحكومة (مغسلة بالدولار لإيران)؛ دعوة رئيس الوزراء لواشنطن ليست في الأفق لدرجة أن إيران استضافت الكاظمي لاستجداء واشنطن بدعوة السوداني؛ الميزانية مازالت في غياهب ثقب الإطار الأسود حتى الآن...
مثال: سلة العلاق المهملة: اليوان واستنزاف الدولار
الهدف من إعلان البنك المركزي العراقي على استخدام اليوان الصيني كعملة لاستيراد منتجات من الصين هو "تعزيز حسابات البنوك العراقية التي لديها حسابات في البنوك الصينية باليوان." من هي البنوك العراقية التي تملك اليوان؟ احزر مرتين!
خلافا للسياسة النقدية واحتياطي البنك المركزي المتمثلة في الاستثمار بسلة عملات، تنويع الاحتياطي النقدي بالإضافة إلى الدولار، تجارة العراق مع الصين باليوان الصيني تصب في مصلحة البنوك والمصارف الخاصة التي تمتلك حسابات باليوان الصيني. وكون الحصول على اليوان يتم مقابل الدولار، من خلال هذه السياسة الحلزونية سيتم الالتفاف على الضغوطات الأمريكية وتستمر عملية استنزاف وتهريب الدولار، هذه المرة من خلال اليوان لأن الوثائق المطلوبة، خلاف الوثائق المطلوبة من الواجهة الإلكترونية للدولار، "للتقدم للتحويلات المالية الخارجية بالنسبة للمتعاملين الأفراد أو الشركات، ستكون قائمة (فاتورة) تجارية فقط، أو الاعتماد المستندي، إذ من المقرر أن يقدّم العميل للمصرف لاحقًا ما يثبت دخول البضائع التي استوردها، يعني قوائم وهمية دون تدقيق أولي والمراهنة على ثبات دخول البضائع من خلال منافذ حدودية لا تسيطر عليها الدولة...قائمة العار تطول!
سانت ليغو الإطاري
للخروج من مأزق الفشل الذريع وعدم الكفاءة المخجل، يعتزم مجلس الناهبين إعادة تقديم نفس الصيغة القديمة لانتخابات ما قبل عام 2021: سانت ليغو المعدل، وهي صيغة غير موجودة في أي انتخابات في ما يسمى بالأنظمة الديمقراطية. علما بأن الصدريين والشارع العراقي والمؤسسة الدينية يعترضون على هذه الصيغة. الهدف من الرجوع إلى نفس المعادلات الرقمية لسانت ليغو المعدل، والذي ضمن احتكارهم للسلطة إلى ما قبل الانتخابات الأخيرة، هو إشغال المجتمع في معارك جانبية لكسب المزيد من الوقت والحفاظ على حكومتهم لأطول فترة ممكنة، أي البقاء في السلطة على الرغم من افتقارها للمشروعية وكونها غير قانونية.
ومما زاد الطين بلة، أن سفيرة الولايات المتحدة تراقب وتتحكم وتتدخل في كل شأن صغير وكبير لهذه الحكومة، بما فيها مناقشة الميزانية وإجراء انتخابات مبكرة. مهزلة هذه الحكومة الكوميدية أن عناصرها التأسيسية هم الذين روجوا بلا نهاية لشعارات مناهضة لأمريكا واتهموا خصومهم بأنهم موالون لإسرائيل والشيطان الأكبر أمريكا، وبمجرد ما وافقت السفيرة الأمريكية على تشكيل حكومة الإطار، سارعوا بالجلوس بشكل مريح في حضن الشيطان الأكبر (يبدو أن حضن أمريكا أكثر دفئا لحلفاء إيران من الحضن العربي!) واستعدوا للتصالح عن طيب خاطر مع الصهيونية.
في غضون ذلك، إزاحة ديموغرافية في ديالى حصيلتها مجازر بحق العوائل واغتيال للأطباء، في النجف أيضا تم اغتيال أحد الأطباء، من قبل ميليشيات الحشد الولائي، وخصوصا منظمة بدر الإرهابية، لتجريف ديالى واحتكار حقول النفط والغاز الحدودية لصالح إيران (جولة التراخيص الأخيرة تضمنت حقل غاز ونفط في ديالى، يعني فساد واستنزاف لموارد الشعب واستمرار للمجازر بحق الأهالي)، وتحويل سلة غذاء العراق، ديالى، إلى سلة مهملات لتجارب الحرس الثوري الإرهابي على شاكلة جرف الصخر والقائم وصحراء النجف الخ.
الغباء السياسي يستلزم العمى تجاه الواقع السياسي، واقع من شأنه أن ينفجر في أي لحظة في وجه مهرجي السيرك السياسي.
تم تحديد عمر الحكومة الحالية من خلال الشروط الأمريكية المفروضة مسبقًا، وهي شروط لن يتمكنوا من الوفاء بها (انظر إلى الالتفاف على حضر الاحتياطي الفيدرالي ووزارة الخزانة الأمريكية أعلاه)، أي عمر حكومة السوداني أقصر من حبل كذبها.
الأشهر القليلة القادمة، من 3 إلى 4 أشهر، ستقرر مصير النظام المختل الذي من المفترض أن لا يدوم لأطول من عقدين من الزمان.