الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

مقالات العرس من دون الصدر.. مصيره العزاء..

بقلم| ثائرة أكرم العكيدي (كاتبة وباحثة عراقية)

على الرغم من مرور ثمانية أشهر تقريبا على إجراء الانتخابات في العراق إلا أن المشهد السياسي يزداد تعقيدا في ظل إخفاق الكتل السياسية في التوصل إلى تفاهمات حول تشكيل الحكومة القادمة...

لقد خابت آمال العراقيين مرة أخرى عندما اعتقدوا أن الانتخابات التشريعية التي جرت في أكتوبر العام الماضي، بداية النهاية للأزمة السياسية التي شهدها العراق بعد الاحتجاجات الشعبية الواسعة التي اجتاحت العديد من المدن العراقية، بما فيها المدن الكبرى مثل بغداد والبصرة، والتي أدت إلى سقوط أعداد كبيرة من الشهداء والجرحى، إن كان بسبب الصدامات مع قوات الأمن أو أولئك الذين ذهبوا ضحايا عمليات اغتيال وتصفية من قبل الميليشيات "وعناصر مجهولة" التفاؤل الذي وضعه البعض على هذه الانتخابات سرعان ما تلاشى وتبخر بعد أن دخلت القوى السياسية في صراعات حول أحقية هذا التكتل أو ذاك في تشكيل الحكومة، وظل السجال والمشاحنات وتبادل الاتهامات مسيطرا على المشهد السياسي على مدى الأشهر الثمانية الماضية، وترجم ذلك بفشل هذه القوى في إيجاد صيغة تمكنهم من تشكيل الحكومة، إلى أن جاء التيار الصدري ليفجر قنبلته السياسية في هذا المشهد

مازال الموقف في العراق غامضاً تتقاذفه المواقف المضطربة والاحتمالات القلقة عقب تقديم الاستقالة الجماعية لنواب التيار الصدري من البرلمان والخروج من الباب الخلفي للأزمة الدائرة منذ شهور؛ وقد دفع قرار رئيس التيار الصدري بتنحية نوابه من قبة البرلمان وانسحابه من العملية السياسية برمتها إلى فتح المشهد السياسي نحو تراكيب ومعادلات جديدة تغلفها المحاذير والمقادير الجديدة التي خلفها ذلك الانسحاب. وبانسحاب الصدر بوصفه الضلع الأكبر في ذلك المشروع يكون الشارع العراقي أمام نسخة حكومية جديدة مكررة وهو ما قد يعيد البلاد إلى المربع الأول وبما يحرك الجماهير الاحتجاجية للنزول مرة أخرى إلى منصات التظاهر؛ وتعد هذه المرة الأولى في تاريخ العراق السياسي ما بعد 2003، أن تقدم الكتلة البرلمانية الأكبر استقالة جماعية وتختار الخروج بدلاً من تسلم رأس السلطة ومفاصل الدولة الرئيسة.

قوى الإطار التنسيقي تلاقفت قرار انسحاب خصمها الأكبر داخل البيت الشيعي مقتدى الصدر، بالترحيب والإشادة في وقت بدت تحصي عديد مرشحيها من أعلى الخاسرين للزج بهم كبدلاء للنواب المستقلين مما قد يدفع الدماء بحظوظهم الانتخابية التي تراجعت في أكتوبر 2021.

انسحاب التيار الصدري من العملية السياسية لا يعني نهاية الانسداد بقدر نهاية المعالجات والآمال المنشودة في تحقيق دولة مؤسساتية قوامها القانون والكفاءة والتخطيط السليم. وقرار رئيس التيار الصدري يعد بمثابة نزع الشرعية عن النظام السياسي القائم، وأن العملية السياسية باتت برمتها على المحك وخصوصاً أن العراقيين قدموا الكثير حتى يدفعوا ببذور التغيير وبالتالي فإن الأزمة في طريقها للتحول من الطاولات السياسية إلى الشارع الاحتجاجي مجدداً.

الإطار قد يخفق في تشكيل الحكومة لأن هناك الكثير من الأحزاب ترفض الانضمام إليه، وبالتالي سيجد نفسه في ورطة لا يحسد عليها، فهو لم يستطع تشكيل الحكومة ورفض منحها للصدر. لذا هم في مأزق صعب جدا لأنهم لا يستطيعون مطلقا تشكيل أي حكومة لا يشارك فيها التيار، فالعرس من دون الصدر مصيره العزاء ولذلك نرى الوفود متحركة بشكل يومي إلى الحنّانة في النجف لبيت الصدر؛ ومن المتوقع أن يدفع الصدر بمظاهرات عارمة من خلال جمهوره، للضغط على خصومه للخروج من الانسداد السياسي الذي افتعلوه.

وإذا ما نجحت قوى الإطار التنسيقي في تشكيل الحكومة بعيدا عن التيار الصدري، فسنكون أمام أضعف النسخ الوزارية التي حكمت العراق منذ 2006، كونها فاقدة الانتماء لأحداث تشرين 2019 الاحتجاجية. وأن من بين الخطط المرصودة كما يشير البعض هو حل البرلمان والذهاب إلى انتخابات تشريعية جديدة، لكن هذه الخطة باتت الآن محل إعادة نظر حيث إن زعيم تحالف السيادة لن يكون متحمسا للسير بها في غياب ضمانات بتعزيز مكاسبه أو الحفاظ على النتائج التي حققها في انتخابات أكتوبر الأخيرة

وإعلان انسحاب مقتدى الصدر وتياره جاء بعد رفضه التعاون مع الإطار التنسيقي المظلة السياسية للقوى الموالية لإيران والتوصل إلى تسوية توافقية للأزمة السياسية في العراق.

وفي ما يتعلق بإمكانية أن تصدّر طهران رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي كواجهة جديدة لنفوذها في العراق، فهناك من يعتقد أن إيران كانت تساند الدفع باسم المالكي قبيل الانتخابات، وتصدّره كبديل عن قادة الأطراف السياسية ذات الأجنحة المسلحة كهادي العامري وقيس الخزعلي بعد خسارة اسهمهم بشكل كبير بعد حكومتي عبد المهدي والكاظمي، والمجازر التي حصلت بحق المحتجين والناشطين العراقيين، وعلى الرغم من استبعاد إمكانية وصول المالكي إلى رئاسة الوزراء من جديد، إلا أن الأخير يمثّل ورقة ضغط يمكن لطهران أن تلعبها في وجه التيار الصدري والقوى الجديدة. ثم إن التحولات الكبيرة التي طرأت على البيئة العراقية والفاعلين الخارجيين صعبت احتمال العودة للاحتكام إلى السلاح لحسم المشهد السياسي في العراق.

ولا يتوقف فقدان الميليشيات قوتها في البلاد عند حدود تغيير الاستراتيجية الإيرانية، إذ يبدو أن المتغيرات الداخلية التي حدثت خلال السنة الماضية أثرت بشكل كبير على قوة الفصائل الولائية داخل هيئة الحشد الشعبي وأبرزها انسحاب ألوية المرجعية الدينية من الهيئة، ما مثّل ضربة قوّضت القوة العسكرية للولائيين في العراق.

ويبدو أن تهديدات القوى المسلحة الموالية لإيران تندرج ضمن محاولات إحداث انسداد سياسي كبير والتلويح بتهديد السلم الأهلي إلا أن كل هذه التحركات تهدف إلى تصفير معادلة الأرقام والعودة إلى سيناريو التوافق والبيوتات الطائفية.

مقتدى الصدر أكثر من يجيد إدارة التوتر مع الإيرانيين، يرفعه بمنسوب نحسب أنه ذروة القطيعة، ثم يعود ويخفض هذا المنسوب تبعاً لحسابات أخرى؛ لذا ترى الرجل قد ابتعد خطوات كبيرة عن طهران بانسحابه؛ وهو اختار شعاراً لمسعاه شديد الدلالة على هذا الصعيد، حيث أصر على عدم شركاته في حكومة مرتبطة بأطراف غير عراقية، وعبارة أطراف غير عراقية لا تصيب إلا إيران طبعاً.

والحقيقة أن الخلافات والانقسامات القائمة هي شكل من أشكال تفكيك القومية الشيعية، وسينتج عنه صراع شيعي، بما أنها تشكيك أو رفض لفكرة المصير المشترك، أو رفض للانضواء تحت الراية الإيرانية، أو اعتقاد بأن وضع الشيعة، ومن ثم مصيرهم

هذا وقد أربك مقتدى الصدر حسابات منافسيه في القوى الشيعية المنضوية تحت ما يعرف بالإطار التنسيقي وحلفائها لتشكيل الحكومة الجديدة، بعدما نشر قيادي مقرب منه خطابا من شأنه تحريك الشارع، بحسب مراقبين، بالتزامن مع دعوة الصدر أتباعه إلى إقامة صلاة جمعة موحدة في مدينة الصدر.

والقاعدة الجماهيرية الصدرية تعني أن الصدر يستطيع أن يتجاوز المعارضة السياسية التي تحكمها العملية السياسية إلى المعارضة الشعبية. وتلك حقيقة لا تستطيع قوى المعارضة الأخرى تجاوزَها. بل وتعد قدرة الصدر على تحريك أنصاره هي المعارضة الأقوى والأخطر، إذ بإمكانها خلقَ حالة من عدم الاستقرار السياسي والأمني

والأخير إذا بقي الوضع على ما هو عليه فإن الصدر سيقود تياره الشعبي لتظاهرات عارمة تحرق الكل، والنتيجة انتخابات مبكرة جديدة، ولكن وفق مقاسات الصدر، فلا أحد يستطيع شرب القهوة راكدة وصافية غيره.

مقالات متعلقة