بقلم| أحمد صبري (كاتب وصحفي عراقي)
وضع الموقع الاستراتيجي للعراق من حيث عمقه بالتاريخ ودوره كلاعب مهم ومؤثر في مسار الأحداث بالإقليم الذي يحيط به من جهاته الست في قلب دائرة الصراع على المنطقة، ودفع من أجل ذلك الكثير ليتجنب ارتدادات هذا الصراع وتأثيراته على كيانه ووحدته.
وما أضاف إلى هذا الدور والموقع الذي يتمتع به العراق أهميةً وتأثيرًا، ثروته وحضارته وعقوله النيرة. إلا أن العراق ظل يعاني من انكفائه على اليابسة من دون إطلالة على البحر مثل دول الجوار المنفتحة على البحار والخلجان.
وبسبب هذا الانكفاء خسر العراق نافذة الانفتاح على العالم، وأصبح ذلك هاجس ساسته منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 وحتى الآن. وأصبحت دول الجوار العراقي كمصدات الرياح تحول دون إطلالته على البحار إلا من خلالها بحسب قوانين الجغرافيا والتاريخ.
ودفع العراق جراء غبن الجغرافيا الكثير من دون تصحيح هذه المعادلة رغم أنه يطل على الخليج بأفق محدود؛ إلا أن هذا الأفق ظل على مدى التاريخ مثار خلاف مع جيرانه، وبسبب هذا الخلاف خاض العراق حربا دفاعية مع إيران دامت ثماني سنوات، وكلفت البلدين خسائر جسيمة بالأرواح والأموال من دون حل لهذه المعضلة رغم تبدل الأنظمة والحكام.
وبفعل الإحساس بغبن الجغرافيا التي حرمت العراق من منفذ على البحر، وتدني معدلات المياه التي تصب في أراضيه عبر نهري دجلة والفرات، فإن واقع الحال يشير إلى أن العراق مقبل على أزمة مائية ربما ستحوله إلى بلد يعاني من التصحر والجفاف ويشكو الظمأ.
هذه التحديات التي تواجه العراق، يضاف إليها تحديات الأمن والأزمة المالية، والنازحون والانقسام السياسي بين أطراف العملية السياسية الحالية؛ وضعت العراق على طريق المجهول بعد أن أخفقت الطبقة السياسية التي ورثت مرحلة الاحتلال في التصدي لهذه التحديات، وتلبية حاجات العراقيين بوطن آمن وموحد، تسوده العدالة والعيش المشترك، غير أن هذه الطبقة نهجت طريق الإقصاء وكرست خطاب الكراهية بين المكونات العراقية، الأمر الذي فتح الأبواب مشرعة أمام دعوات التقسيم واللجوء إلى خيارات وضعت العراق على طريق المجهول.
ومهما كانت الظروف والتحديات لاسيما غبن الجغرافيا التي يواجهها العراق، فإن قدره هو في وحدته وعمق ارتباطه بمحيطه العربي وأمنه القومي؛ رغم دعوات تغييبه والقفز عليه من قبل بعض الأطراف التي تروج للمشروع الإيراني، إلا أن الخيار العربي يُبقي العراق قريبًا من نافذة إطلاله على البحار والخلجان عندما يتوحد مع أقطار أمته، ويصبح جزءًا من الأمن القومي وهدفًا لجميع أقطاره.