رجل دين محدود الأفق ومتقلب يتوهم العبقرية ويتطفل على عالم السياسة.
المواقف الصريحة والواضحة التي عبّر عنها الشارع العراقي خلال انتفاضته الأخيرة من زعيم التيار الصدري ومختلف قادة ورموز العملية السياسية العرجاء التي أفضت بالعراق إلى ما هو عليه من ضعف وتراجع في مختلف المجالات، ليست كافية لإزالة أوهام العبقرية من مخيلة رجل الدين محدود الأفق والحدّ من طموحه لتحقيق حلمه القديم بحكم العراق، وهو يستعدّ لأجل ذلك لخوض الانتخابات القادمة محاولا الإيهام بأنّ مشاركته فيها هي من قبيل “التضحية” والنزول عند رغبة العراقيين، وذلك على الرغم من أنّ أحدا لم يطلب منه ذلك، بل إنّ الغالبية العظمى تطلب العكس تماما بحسب ما رفع من شعارات مناوئة للصدر وأمثاله خلال الانتفاضة.
وأضاف الصدر موقفا جديدا لمواقفه المتقلّبة حدّ التناقض، وذلك بقراره خوض الانتخابات البرلمانية المبكرة المقرّرة لصيف العام القادم، رغم قَسَمه في وقت سابق على عدم المشاركة في ذلك الاستحقاق الانتخابي ووصفه المشاركة فيه بأنّها بمثابة تجرّع للسمّ.
وأعلى من سقف طموحه من المشاركة في الانتخابات معلنا سعيه للحصول على أغلبية في مجلس النواب حتّى يتمكّن تياره من الحصول على منصب رئيس الحكومة ليقوم من خلال هذا الموقع بتخليص العراق من “الفساد والتبعية والانحراف على حد قوله”.
ويحاول الصدر الساعي منذ سنة 2003 إلى الحصول على موقع قيادي في تجربة الحكم التي تقودها الأحزاب الدينية، فرض نوع من الوصاية على العراقيين عارضا نفسه كزعيم إصلاحي.
ورغم مشاركة تياره في تجربة الحكم الفاشلة والمتميّزة بقدر كبير من الفساد، فإن مقتدى الصدر شخصيا عانى نوعا من التهميش من قبل كبار قادة ورموز البيت السياسي الشيعي الموالين لإيران والمدعومين من قبلها، فلم يحصل على الموقع القيادي الذي ظل يحلم به معتبرا أنّه استحقاق له ولأسرته.
ل
كثيرا ما لجأ الصدر إلى الإبهار بالمواقف الصادمة والقرارات المفاجئة للحفاظ على موقع بارز في المشهد العراقي المزدحم بالمتنافسين على السلطة والطامعين في مغانمها، لكن ذلك الأسلوب غالبا ما كلّفه الوقوع في التناقض، وتسبب بتراجع مصداقيته وانحسار جماهيريته بدل توسّعها.
وعلى سبيل المثال فإنّ الرجل من المفروض ألا يكون اليوم موجودا على الساحة السياسية بعد أن أعلن في وقت سابق، وبصريح العبارة، وفي مناسبتين مختلفتين، عن اعتزاله العمل السياسي وحلّ تياره وعدم المشاركة في أي انتخابات، وهو ما لم يتحقّق بالفعل حيث ظل التيار الصدري يتقدّم لكل استحقاق انتخابي، وهو ينوي تجديد المشاركة في انتخابات الصيف القادم.
وقال الصدر في تغريدة على تويتر “إن بقيتُ وبقيت الحياة سأتابع الأحداث عن كثب وبدقة، فإن وجدت أن الانتخابات ستسفر عن أغلبية صدرية في مجلس النواب وأنهم (أعضاء تياره) سيحصلون على رئاسة الوزراء، وبالتالي سأتمكن بمعونتهم وكما تعاهدنا سوية، من إكمال مشروع الإصلاح من الداخل، سأقرر خَوْضَكُمْ للانتخابات”.
ونقل حساب فيسبوك التابع لصالح محمد العراقي، الذي يُرجّح أنّه اسم مستعار للصدر نفسه، “حوارا” بدا مفبركا بطريقة سطحية ومرتجلة هدفها الوحيد تبرير تراجع زعيم التيار الصدري عن قراره بشأن الانتخابات المبكّرة، وقال الصدر خلاله “إنني أتجرع السمّ حينما أفكر في دخول الانتخابات المقبلة.. وأتجرع الويلات فيما إذا قررت عدم دخولها علنا”.
وأضاف “سيقولون إنني متذبذب القرار في الدخول بالانتخابات، فقد صرّحت بعدم دخولها واليوم قد غيرت رأيي”، مستدركا بالقول “إنني إلى الآن لم أقرّر الدخول. بل وإن قررت عدم الدخول والخوض فيها، لكن على جميع المحبين التهيؤ لها على كل حال”.
لكن العراقي كشف من جهة مقابلة أن زعيم التيار الصدري لا يعتزم فقط المشاركة في الانتخابات بل يريد من خلال خوضها الفوز بامتياز تشكيل الحكومة، معتبرا أنّه يتوفّر على الشروط التي تؤهله لذلك.
وفسّرت مصادر عراقية ما أقدم عليه بسعيه إلى تسلّم زعامة العراق بتقديم نفسه لإيران المعنية بتواصل حكم أتباعها في البلاد باعتباره الأقدر على إنقاذ النظام من ورطته وحمايته من خطر السقوط عبر إنهاء الانتفاضة الشعبية.
لكن تبيّن للصدر خطأه الفادح الذي كلّفه خسارة الشارع دون أن يتمكّن من إنهاء الانتفاضة. وأصبح رجل الدين الذي كان يعرض نفسه “نصيرا للفقراء والمظلومين” هدفا لشعارات المتظاهرين المرفوعة ضدّه والمتهمة له بالخيانة.
الصدر نموذج عن رجال الدين والسياسيين غير المؤهلين الذين صعدوا إلى واجهة العملية السياسية المنفلتة من ضوابط العقل والمنطق
ولم يعد أغلب العراقيين يحملون على محمل الجدّ قرارات الصدر وخصوصا إذا تعلّق الأمر بـ”انسحاباته” من الحياة السياسية “وحل” الميليشيا التابعة له، دون أن يطبّق ذلك على أرض الواقع.
وبالنسبة لغالبية العراقيين فإنّ الصدر ليس سوى نموذج عن جملة من رجال الدين والسياسيين الذين أتيح لهم، رغم محدودية آفاقهم وافتقادهم للمؤهلات، أن يتقدّموا إلى واجهة العمل السياسي في بلد بحجم العراق وقيمته، وذلك بفعل التداخل الشديد في العملية السياسية وانفلاتها من ضوابط المنطق والعقل.