الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

مقالات الرعاع لا تفقه إلا بثقافة نبش القبور

الرعاع لا تفقه إلا بثقافة نبش القبور

بقلم| صباح الناصري (أستاذ الاقتصاد السياسي)

لو مات منّا امــرؤٌ في الأرض ندفنُــه

لو ماتت الأرضُ قُلْ لي أين ندفنُهــا؟

(وليد الصراف، ديوان رسالة من قابيل)

هناك أعذار بحماقة الأفعال إن لم تكن بقذارتها. في ١٤ تموز، ٢٠٢٣، قام محافظ البصرة أسعد العيداني بهدم أحد المعالم الأثرية والروحية في البصرة، جامع السراجي في قضاء (أبو الخصيب) المبني في القرن الثامن عشر، ١٧٢٧. و كأن الفعل الهمجي لم يكن كافيا؛ برر العيداني فعل الهدم "بتبليط شارع للمسلمين": هدم بيوت الله من أجل عربات عباد الله، مغالطات خبث الحاكمين بأمر الإمام أقل ما يقال عنها استهزاء و استخفاف بعقول البشر.

في بغداد نشاهد إهمال المتعمد لمسجد مرجان التأريخي، من أهم معالم بغداد الأثرية التأريخية، وتحويله إلى أرضية مياه آسنة طاردة لكل ما هو إنساني وروحي، إهمال متعمد وبمنهجية من أجل هدمه مستقبلا بأعذار أقبح من الأفعال- هدم مسجد السراجي بحجة التبليط مثلا -، و تدمير البيئة الحاضنة للإنسان العراقي بمنهجية عدمية.

إن الطريقة الوحشية لتدمير المعالم التأريخية والروحية تعكس جوهر هذا النظام الولائي الفاشي: محو الهوية الموحدة للشعب وكيانه الحضاري.

الغريب في الكارثة ليس فقط هدم المساجد لأسباب ضحلة بضحالة عقولهم، الغريب عدم انتفاضة شرائح الشعب ضد هذا الفعل البربري!

وفي نينوى، هدم منارة الحدباء التأريخية هناك ليس ببعيد، ينقلب النظام الميليشياوي ورئيسه رشيد في سابقة هزلية - إعفاء البطريرك ساكو من منصبه غير قانوني إذ لا يحق لأحد إعفاءه من صلاحياته إلا بابا الفاتيكان - على الكاردينال لويس ساكو للاستيلاء على الكنيسة الكلدانية وممتلكاتها من خلال تنصيب الميليشياوي القاتل، ريان الإيراني، المسمى خبثا الكلداني.

المعممون، الولائيون، والميليشياويون يستطيعون النجاة من أي خطأ أو تناقض أو فعل خبيث عن طريق الحيل والبدع الميتافيزيقية كالمنجمين، لأن أكثر أتباعهم المخلصين لا ينظرون إليهم من أجل تقييم الوقائع، وإنما من أجل تحفيز الولاءات (اورويل بتصرف بعض الشيء)

الوقائع؟ تصنيفات بحسب ذهنية المرء الأيديولوجية: حدث طائفي، هدم مسجد السراجي يمررك تبليط؛ التفسيرات كثيرة بحسب الولاءات!

كيف نفهم هذه الأفعال التدميرية لكل ما هو جميل و عقلاني وعمراني في عراق الحضارات؟

الطبيعة الميتة، التأريخ المشحون، والحقوق المفقودة؛ هي إشكالية جوهرية تتعلق بمفهوم المجتمع للطبيعة وللقيمة العمرانية للبلد.

الطبيعة الخلابة، الاهتمام بجمالها ونظافتها، والمعمار التاريخي الجميل والحفاظ على قيمته المعنوية، هو انعكاس لمفهوم محدد للطبيعة وجماليتها ومفهوم محدد للتأريخ. هذا المفهوم لا يتجسد فقط بالعناية بالبيئة والحفاظ على ديمومتها، بالحفاظ على المعالم التأريخية، إنما يتجسد أيضا كقوانين طبيعية تترجم إلى حقوق طبيعية للفرد: ثقافة حياة.

ما يهمين في عراق "المكونات" هي ثقافة الموت التي تتجسد ليس فقط في طقوس ومراسيم وممارسات عدائية، ليس فقط في تدمير البيئة الطبيعية وجعلها غير صالحة للعيش، ليس فقط في انعدام القيمة الجمالية للموروث العمراني والتأريخي، إنما وقبل كل شيء بانعدام الحقوق الطبيعية للفرد، أي بهيمنة قوانين لاهوتية ميتافيزيقية انتهازية تسحق الذات البشرية وتقلل من كيانها وترفض التعامل مع التأريخ البشري كتأريخ بشري (ماعدا طبعا الذوات البشرية المقدسة زيفا). هذه الذوات المقدسة تحتكر في ذاتها كل الحقوق وكل التأريخ اللابشري وبذلك تنسف وجود وحق الذوات الأخرى بالعيش في جمالية تتناسب مع قوانين الطبيعة والتأريخ والعمران.

لا حفاظ على البيئة والمعالم الأثرية لا حل و لا تغيير واستحالة تقنين حقوق الأفراد الجوهرية والحفاظ على الموروث الحضاري بظل هيمنة ثقافة الجهل والفساد والموت.

مقالات متعلقة