بقلم| ثائرة أكرم العكيدي (كاتبة وباحثة)
من المعروف أن اللصوص لدينا دائما يرتدون أثواب حراس الشرف والفضيلة ويدعون القيم والمثل والمواطنة الصالحة والحرص على دوام الولاء والانتماء حتى وأيديهم تمتد إلى خزائن الوطن ومدخراته فهم لا يترددون في خيانته وطعنه وتدنيس كرامته والمتاجرة به ونهب لحمه ومص دمائه بعدما وجدوا أنفسهم في مأمن بعيداً عن المساءلة والمحاسبة .
ما الذي جعل الفساد يصل إلى هذا الحد!؟
في تسعينيات القرن الماضي، دمر حصار الأمم المتحدة المجتمع العراقي، وفي عام 2003 جاء الأمريكان فاحتلوا العراق وأسقطوا الدولة، وسلموا بقاياها إلى حفنة من الأفاقين واللصوص والعملاء الذين جاؤوا بهم على دباباتهم وهذا ما جعل الفساد يضرب أطنابه ويمتد إلى كل زاوية وموقع، ليصبح اليوم اجتثاثه مستحيلاً، ما لم يجتث اللصوص المحترفون المنظمون الغارقون في الفساد أنفسهم.
أضحى كل شيء في العراق المحرر كما يزعمون.. قابلاً للبيع، إلى درجة أن بعض الناس العاديين، أو الموظفين الصغار، تحولوا إلى سراق للمال العام، بحكم الواقع المحيط بهم، وابتدعوا أساليب ابتزازٍ لم تعرف في عهود سابقة، سجين كان عليه أن يدفع مائة دولار إلى سجانه، ليسمح له بالاغتسال في حمام السجن، ومقاول شيّد داره عند أنبوب بترول مدفون في الأرض، وشرع في استخراج النفط وشحنه، وبيعه لحسابه الخاص، وخريج لكي يتعين عليه دفع ثلاث دفاتر، وأرملة شهيد كي تستطيع الحصول على راتب زوجها الشهيد عليها بيع شرفها.. الابتزاز استفحل في جميع أركان ومؤسسات الدولة هؤلاء هم نتاج الحكومات الفاسدة ؛ فعلى مر سنوات طويلة كان الحكومات ومنذ سنة ٢٠٠٣ يضعون خططهم الترويجية لعرض الوطن وما فيه للبيع وتسليع الولاء والانتماء وجر شعب بأكمله إلى مجتمع الاستهلاك المفرط ومنعهم من الإنتاجية الأساسية لأبسط سلعهم ناهيك عما اقترفت أيديهم وأرجلهم القذرة من موبقات وكبائر ومؤامرات سياسية واقتصادية واجتماعية وإعلامية كاذبة لوت أعناق الحقائق وزرعت بذور الفرقة والتشكيك بين مختلف أوساط المجتمع العراقي.
منذ الاحتلال وليومنا هذا استطاعت هذه النخب الفاسدة بالاستمرارية في توليها نصاب الحكم والاستيلاء على مفاصل الدولة رغم ثوران الشعب ضدها من فترة وأخرى ولقد استطاعت أن تمتص من دماء الشعب وتحاربه في لقمة عيشه وسكنه وأمنه واستقراره وكرامته، كان ولازال على رأس هذه النخب الفاسدة المجرمة رئيس الوزراء السابق لدورتين نوري المالكي الذي يشبه في مسلكه، إدغار هوفر مدير مكتب التحقيق الفيدرالي الأميركي الراحل، الذي بقي في منصبه نحو نصف قرن، وكان الشخصية الأقوى في البلاد، وعرف باستخدامه الملفات وسيلة ابتزاز وتهديد، ليس لمناوئيه فقط، وإنما أيضاً لمسانديه الذين قد يخرجون على طاعته. كل المسؤولين في السلطة يفعلون ما فعله المالك، لأنه قدوتهم في الفساد والإجرام ويتبادلون التهم بينهم، لكنهم يتوحّدون عند شعورهم بالخطر. هنا تذهب كل وعود القضاء على الفساد في مهب الريح، وتصبح إعادة تشكيل نظام الحكم أمراً أقرب إلى المستحيل، خصوصاً وأن الهيئات المكلفة قانوناً بمواجهة الفساد أزيلت أنيابها أو همشت أو أرهبت والكثير منه هؤلاء التابعين لأحزاب دينية ولائية تحل القتل، كانوا قد بدؤوا حياتهم سراق للدجاج ثم انتحلوا لحية وبشت وعقيدة تكفيرية وانتحلوا معها مسؤوليات رجال الدين كانوا في العلن ضد فكرة البرلمان والديمقراطية من الأساس ومع فكرة الاستبداد المطلق ومع ذلك سرقوا لاحقا كراسي في البرلمان وانتحلوا مطلب الإصلاح.
وقبل وبعد انتحالهم لصفة نواب عن الشعب انتحلوا الوطنية والانتماء الوطني وأصبحوا يوزعونها على من يشاؤون ويسلبونها ممن يشاؤون ومعها كانوا يوزعون الدين والجنة على أناس ويضعون آخرين مع المشركين والكفار وفي النار .
وها هي الأيام تبدي ما أخفوه خلال سنوات عجاف، وهو الفساد الذي اكتنزته مكاتبهم ومناصبهم ومواقعهم تفوح رائحته وتُزكم الأنوف وتصيبنا بالاختناق والضيق مما سمعنا وقرأنا وشاهدنا؛ لم يُبق المسئولون في وطننا شيء للبسطاء والمعوزين، ولم يورثوا لنا غير الجوع والفقر والحاجة والتسول على أبواب الجوامع لمن بلغت فاقته مبلغها، وطن فيه يضيق صدر المواطن العادي ويشتم وينتقد لأنه مسلوب الإرادة وقليل الحيلة والحقوق، كل من توحد معهم فقدوا الثقة بهؤلاء المخادعين الذين يجلسون على مقاعدهم الوثيرة، حتى أصبح المواطن المسكين لن يستعيد ثقته بدولته وبمسؤوليه إلا إذا حورب الفساد محاربة حقيقية وليست محاربة مسرحية خادعة.
هؤلاء الذين قاموا وطوال تلك السنوات من اغتال و خطف أبناء الوطن وزجهم في السجون والمعتقلات، ومنهم من يدعم الإرهاب بشتى السبل المخفية والعلنية ومنهم من لا يزال يمارس كل تلك الآثام إلى يومنا هذا. مجموعة غريبة عجيبة مِن الناس يتظاهرون بالانتماء إلى الوطن وإلى الدين الإسلامي الحنيف وهم في حقيقتهم حزب الشيطان.
قتلوا الرجال والنساء و الأطفال وألقوا بجثثهم في مكبات القمامة أو على قارعة الطريق دون أن يردعهم عن ذلك واعز من الدين أو الضمير أو الأخلاق. حدث ذلك في الكراده ومدينة الصدر والزعفرانية والغزالية الحرية المغلقة و في الفلوجة المخطوفة و في الموصل المنكوبة وفي كل مدن الوطن .
كل شيء نهبوه من خلال مناصبهم وكراسيهم ومواقعهم وعلاقاتهم وقوة أكتافهم وتحت مسمى الدولة التي يتغنون بها ليل نهار كذباً وزيفاً وزوراً؛ وبسبب الفساد المستشري في قمة هرم الدولة تدرجت حتى جذر القاعدة وأصبحت عرفاً وشطارة، ولا تكاد تخلو أي مؤسسة حكومية وقطاع خاص وحتى بائع الخضرة إلا ويمارسها.
وما بين وطني واللصوص طابور طويل وعريض من الأتباع خليط من المجنسين والعبيد يسرقون الانتماء لهذا الوطن من أهله كل يوم ويبيعون ويشترون في الوطنية ويستثمرون في التطبيل ليسدوا بأثمانها حاجات بطونهم .
وبين كل هؤلاء اللصوص والمنتحلين والسراق والمدعين، يعيش المواطن النابع من جذور هذه الأرض غريبا على أرضه أو مسجونا أو نازحا مهجراً مسلوبة ابسط حقوقه مسلوب أمنه وهويته وتاريخه وانتمائه.
فمهنة السرقة لم تعد في نظرهم عيباً يتحرجون منه كونها إثماً وحراماً وهم يمارسونها في جميع المجالات.
أصبحنا نشاهد كل يوم تقارير إخبارية تعنى بسرقة المال العام إبطالها بعض الوزراء والنواب ورئيس الوزراء.
جزء بسيط من الفساد غرق الوطن فيه من أخمص قدميه حتى قمة رأسه ونهب بالمليارات لحقوق البسطاء دون أدنى حق أو مخافة من الله، أظهروه حينما اختلفوا على قسمته وفوائده وما خفي أعظم وأدهى.
لقد أسست لكل هذا الخراب أنظمة فاسدة من مسؤولين ونواب في الدولة فأفسدوا المجتمع ومزقوه وجعلوا من مهنة السرقة أفضل مهنة استحلها الكثير ويبررون لها وهي مهنة لا تحتاج لكثير من المهارات لا إلى شهادة رصينة ولا لخبرة ممتدة سنوات.
هؤلاء لصوص آخر الزمان يسرقون مع سبق الإصرار والترصد لا حساب ولا كتاب
نقول لكل لصوص بلدنا الجريح غير الشرفاء بالطبع أنتم آثمون وتباً لكم ما أنتنكم ولن تطهركم أموالكم المغصوبة وستزدانون عفونه وقبح ولن تنفعكم الملاذات الآمنة للمال الحرام وسيأتي اليوم الذي يحاسبكم فيه الشعب المكلوم مهما طال الزمن أو قصر واختم قولي بما قاله الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو : (أعطني قليلا من الشرفاء وأنا أحطم لك جيشا من اللصوص والمفسدين والخونة والعملاء)