الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

مقالات الاقتصاد العالمي بين تخبط القرارات وحتمية السقوط، تسلسل (3): الركود الاقتصادي

تسلسل (3): الركود الاقتصادي

بقلم| عمر الخليفة

يمر الاقتصادي العالمي بمنعطف صعب جداً تشابكت فيه المشكلات الاقتصادية المعقدة التي فرضت على العالم واقعا مريرا؛ فما أن يخرج الاقتصاد العالمي من مشكلة إلا ودخل بأخرى أشد وقعا مما سبقتها، والأسوأ من ذلك أن يكون الحل الذي يروجه صنّاع القرار لمشكلة سابقة هو الممهد السريع لسقوط الاقتصاد العالمي بمشكلة جديدة، فقد أضحت مشكلة الركود الاقتصادي واقعا لا مفر منه بعد اشتداد الصراع الاقتصادي الذي فرض مجموعة من التقلبات التي ولدت مشكلات معقدة تواترت بشكلٍ مُثير انطلقت من الولايات المتحدة الأمريكية التي تصدر أزماتها للعالم للتخفيف عن نفسها أو لمحاولة وضع كافة الاقتصادات العالمية في سلة واحدة تعصف بها الأزمات والمشكلات التي سيكون وقعها مرعبا جداً على مدى سنوات قادمة.

الركود الاقتصادي هو مفهوم يشير إلى حالة تراجع الأنشطة الاقتصادية التي تؤدي لانخفاض الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي، ويكون ذلك ناتجاً عن عدم الملاءمة بين الإنتاج والاستهلاك، وهو أحد مراحل الدورة الاقتصادية التي عادةً ما تزداد فيها البطالة وتنخفض قيمة الاستثمارات وأرباح الشركات، ويمكن توضيح معنى الركود بأنه زيادة المعروض من المنتجات مع ضعف القدرة الشرائية؛ مما يؤدي إلى ارتفاع العرض مع انخفاض الطلب ومن ثم انخفاض إيرادات الصناعة والتجارة وبالتالي يؤدي إلى انخفاض قيمة الاستثمار وتزايد معدلات البطالة بالإضافة إلى آثار اجتماعية وسياسية وأمنية سلبية، ومن أبرز أسباب حدوث الركود الاقتصادي هي الظروف الاقتصادية الخارجية والتحولات الهيكلية في الاقتصاد، فضلاً عن زيادة الاقتراض بشكلٍ مبالغ به في فترات الانتعاش الاقتصادي، وكذلك المبالغة باستثمار رأس المال خلال فترات الانتعاش الاقتصادي، ورفع أسعار الفوائد، كما تبرز آثار الركود الاقتصادي بانخفاض في النشاط الاقتصادي وزيادة معدلات البطالة وانخفاض المبيعات واضطراب حاد في أسواق الأسهم.

فقد ارتفعت وتيرة الركود الاقتصادي بسبب قرار الفدرالي الأمريكي برفع أسعار الفائدة لمحاولة كبح جماح التضخم؛ وهو ما تسبب برفع نسبة الركود كون هذا القرار يعمل بشكلٍ عكسي، إذ كلما رفعت نسبة أسعار الفائدة و ازداد عدد الرفعات التي يقرها الفدرالي فإن ذلك يعني المزيد من الركود الاقتصادي، لقد أدرك العالم خطورة الركود الاقتصادي وقد حذرت منه "كريستالينا جورجيفا" مديرة صندوق النقد الدولي التي قالت إن توقعات الاقتصاد العالمي ساءت كثيراً منذ أبريل الماضي ولا نستبعد حدوث ركود اقتصادي عالمي مع مطلع العام المقبل، وقالت أيضا: إن الصندوق سوف يخفض في الأسابيع القادمة من توقعات النمو وبذلك يكون صندوق النقد الدولي قد خفض توقعات النمو في الاقتصاد العالمي لهذا العام حتى الآن ثلاث مرات.

ما نعيشه اليوم هو طلائع حدوث الركود الاقتصادي الذي بدأ ينعكس على الكثير من اقتصادات العالم وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية التي تزداد فيها المخاوف من حدوث الركود والذي قد يكون مؤلم جداً هذه المرة، وستأخذ نسبة الركود بالتصاعد حتى مطلع العام "2023" التي سوف يدخل العالم فيها رسمياً بأزمة الركود الاقتصادي وستضرب أغلب اقتصادات العالم مع توقع أن تنجو الصين منها فقط، كما أن الرئيس الأمريكي (جو بايدن) حمل الجمهوريين مسؤولية حدوث التضخم الذي مهد للركود.

والمخاوف من حدوث الركود الاقتصادي انعكست سلبا على الكثير من القطاعات؛ فقد خسر النفط أكثر من (15$) من سعره بعد ارتفاع مخاوف حدوث الركود وسيواصل الانخفاض حتى حدوث السقوط الحر بأسعار النفط، فضلا عن قطاع الصناعات الذي هو الآخر بدأ بالاهتزاز فعليا على وقع حدوث ممهدات الركود مما تسبب بانخفاض في كمية المبيعات وانخفاض الأرباح للشركات، كما أن العالم مقبل على موجة كبيرة لتسريح العاملين وارتفاع نسبة البطالة بسبب الركود الذي سوف يعقد كثيراً من الأزمة الاقتصادية وسيتسبب بإفلاس كثير من الشركات، فضلاً عن أن القطاع المالي والمصرفي هو الآخر يعيش وضعا مقلقا جداً جراء التقلبات الاقتصادية _التضخم، الركود_ وهو ما ينذر بخسائر هائلة للكثير من المصارف حول العالم وحدوث وباء الإفلاس في القطاع المالي والمصرفي.

والركود الاقتصادي سيكون أكثر وقعاً على الاقتصادات الريعية التي تعتمد على النفط الذي سينخفض كثيراً مما سيدخلها في الكثير من المشكلات الاقتصادية في كافة قطاعاتها التي هي بالأساس متهالكة كما هو حاصل في العراق؛ مما سيتسبب في ارتفاع نسبة الفقر وانتشار المجاعة التي ستؤدي إلى حدوث صراعات تنعكس سلباً على الوضع الأمني مع انتشار المافيات والميليشيات، ولذلك فشبح الركود الاقتصادي أضحى واقعا لا مفر منه مع استمرار غياب المعالجات الحقيقية للتضخم والركود؛ ولجوء الدول لاستخدام رفع أسعار الفائدة فقط في مواجهة التضخم التي لم تجد نفعا وتسببت بنفس الوقت بزيادة وتيرة الركود الاقتصادي الذي سيرتفع مع كل رفعة لأسعار الفائدة التي يقرها الفدرالي الذي بقي له خمس اجتماعات حتى نهاية العام الحالي وقد يتخذ في ثلاث منها قرارات برفع أسعار الفائدة مع إمكانية عقد اجتماعات استثنائية حال الضرورة مع حدوث العديد من التغييرات الديناميكية التي تسرع من السقوط الحتمي للاقتصاد العالمي مع المزيد من القرارات الخاطئة.

مقالات متعلقة