بقلم| عمر الخليفة
تسلسل (2): مخاطر اعتماد الاقتصاد على النفط
يشهد سوق النفط العالمي تقلبات سعرية كبيرة منذ أن أصبح المستهلك هو من يتحكم بأسعار النفط وفقاً لما يحقق له مكاسب على حساب المُنتج الذي أصبح أداة طيعة بيد من يتحكم بسوق النفط الذي يمر بموجات من التقلبات السعرية والتي اشتدت ذروتها منذ جائحة كورونا التي عصفت بالأسواق كلها، لكن النفط كان السوق الأكثر تراجعا بسبب الإغلاق العالمي الذي تسبب بهبوط النفط إلى أسعار متدنية مكنت المستهلك من تعويض النقص بمخزونه الاستراتيجي النفطي، ثم بعد انتهاء أزمة كورونا عادت أسعار النفط لترتفع مع بداية عودة عمل المصانع لكنها بقيت عرضة للتقلبات السعرية التي تفرضها القوى الكبرى التي تتحكم بالاقتصاد العالمي، حتى بدأ الغزو الروسي لأوكرانيا الذي تسبب برفع أسعار النفط إلى مستويات كبيرة جداً بسبب العقوبات التي فرضت على النفط الروسي وقبله النفط الإيراني وهو ما عجزت عن تعويضه الدول المنتجة للنفط رغم مطالبة الرئيس الأمريكي جو بايدن لمنتجي النفط بزيادة الإنتاج اليومي.
إذ رغم النقص المتنامي في إنتاج النفط إلا أن أسعاره كانت مثل أمواج البحر ما إن ترتفع حتى تنخفض، ولكن أسعار النفط الحالية هي ليست حقيقية، وإنما تسبب الغزو الروسي لأوكرانيا برفع سعر برميل النفط من (35$- 45$) إلى أن يتجاوز حاجز ال (100$) وهو يجعل أسعار النفط غير موثوق فيها خصوصاً أن كل ارتفاع حر يعقبه سقوط حر تكون تأثيراته ممتدة لفترات زمنية ليست بقليلة في الدول الريعية التي تعتمد على النفط، التي على الرغم من تحقيقها للوفرة النقدية من جراء ارتفاع أسعار النفط عالمياً، لكنها لم تحسن استغلال هذه الوفرة النقدية بتأسيس صناديق سيادية أو تنمية القطاع الصناعي والزراعي، والعراق نموذج للدول التي أغراها ارتفاع أسعار النفط ولم تحسن استغلال هذه الفرصة؛ فواردات العراق اليومية من النفط لا تقل عن (11 ترليون دينار) ولم يسدد العراق ديونه التي ستبقى ترهق كاهله بسبب الفائدة المترتبة عليها.
وقد شهد النفط تقلبات في أسعاره خلال الشهرين الأخيرين، لذلك فإن الاعتماد على النفط يعد خطأ إستراتيجي كون قوى المستهلكين الكبرى هي من تتحكم بالأسعار وفقا لمصالحها والتي في غالب الأحيان تكون الأسعار المرتفعة هي خدعة من اللاعبين الكبار لغرض دفع المنتجين إلى زيادة الإنتاج وهو ما قد يتسبب في حدوث إغراق مفاجئ للسوق النفطي مما يؤدي إلى انخفاض حاد في أسعار النفط بشكل مفاجئ ودائماً ما تستغله الدول المستهلكة في زيادة مخزونها النفطي الاستراتيجي.
فيوم أمس انخفضت أسعار النفط مسجلة خسارة تقريبا (10$) للبرميل الواحد فبعد إن كان سعر البرميل ب(113$) عند منتصف النهار بتوقيت مكة المكرمة؛ انخفض إلى (102$) للبرميل، والانخفاض هو بسبب الخوف من الركود الاقتصادي الذي بدأ يضرب بعض الاقتصادات العالمية وفي طليعتها اقتصاد الولايات المتحدة الأمريكية وبعض دول أوروبا، فضلا عن إضراب العمال في عدد من القطاعات الاقتصادية التي تسببت في تعطيل عجلة العمل وهو ما ينعكس سلبا على أسعار النفط التي لا يمكن الوثوق فيها، كما أن لخطوة الصين والهند بشراء النفط الروسي بأسعار مخفضة ساهم في انخفاض أسعار النفط العالمية، ولكن الأكثر خطورة هو أن الولايات المتحدة الأمريكية تحاول إضعاف أو إسقاط بعض الاقتصادات في العالم، كلما تعرض اقتصادها إلى انتكاسة؛ لإضعاف القدرات الاقتصادية للدول الأخرى، لأن الحرب المستعرة اليوم هي حرب اقتصادية الفائز فيها هو من سيقود النظام العالمي الجديد الذي يروج له بكثافة.
ولذلك يمكن القول بأن الاعتماد الكامل على النفط كعمود رئيسي أحادي لدعم واردات الدولة هو تدمير للبلاد؛ خصوصا أن العالم يعيش أزمات متداخلة في مجالات الغذاء والتكنولوجيا والنقص الحاد في سلاسل التوريد التي تضعف كثيراً الدول أحادية المورد الاقتصادي وجعلها عرضة للانهيارات الداخلية التي ستؤدي لحدوث مجاعة كبيرة أصبحت تهدد العالم بشكل فعلي مع ارتفاع التضخم والتحول نحو الركود الذي سيزيد من تعقد مشكلات الدول وتداخلها، فضلا عن سيناريوهات الصراعات الدموية التي قد تستعر بالدول الريعية وذلك بسبب عدم قدرة دول العالم على سد المجاعة في هذه الدول التي تشهد نقصا كبيراً في المنتجات الغذائية وغياب الدعم الحكومي للشعب.
وما حدث أمس من انخفاض حاد في أسعار النفط لن يكون الانخفاض الأخير، بل يتوقع أن يواصل انخفاضه حتى يصل سعره بنهاية هذا العام إلى ما بين (45$_$65) للبرميل؛ وهو بذلك يوجه إنذارا شديد للدول الريعية بضرورة التوجه إلى دعم القطاع الزراعي والصناعي لتحسين ميزانها التجاري وتوفير فرص العمل وتحقيق الأمن الغذائي والصناعي قبل الدخول في دوامة السقوط الحر الذي تتجلى معالمه بوضوح في آفاق العالم بعد سلسلة من الأخطاء التراكمية في القرارات السياسية والاقتصادية التي صعدت من حدة تفاقم التضخم الركودي، وعلى الرغم من التعافي البسيط في أسعار النفط لهذا اليوم، لكنه ليس كافٍ للاعتماد عليه ولا يمكن الوثوق بسوق يتحكم فيه المستهلك، فقد أصبح الخناق يحكم قبضته على الاقتصاد العالمي والذي يسير بسرعة متنامية نحو السقوط الحتمي.