الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

مقالات الاحتلال الأمريكي وانعكاساته على الاقتصاد العراقي

بقلم| عمر الحلبوسي (باحث اقتصادي)

لم يعد يخفى على أحد أن أكبر دافع لاحتلال العراق كان اقتصاديا وأن شركات النفط الاحتكارية كانت من المحرضين الرئيسيين على احتلال العراق الذي ترى فيه المستقبل والنفوذ على قطاع الطاقة المهيمن على القطاعات الأخرى، فضلا عن مجالات حيوية أخرى وهو ما أدى بالتالي إلى تفاقم الاحتلال المركب للعراق خصوصا الاحتلال الاقتصادي الذي بنى الاقتصاد الأسود في العراق على أنقاض الاقتصاد الوطني العراقي الذي تم تدميره بفعل الاحتلال وتحويل العراق إلى سوق استهلاكي تعتاش عليه دول فضلا عن تحويل الاقتصاد العراقي إلى اقتصاد ريعي يعتمد على النفط كمصدر رئيسي في ظل تقلبات كبيرة تشهدها أسعار النفط مع تعالي الأصوات المحذرة من إبقاء العراق معتمدا على النفط دون تنشيط القطاعات الأخرى.

فقد أجهز الاحتلال على القطاع الصناعي العراقي الذي كان يظم (25 الف) مصنعا ومعملا إلا أن المتوقف منها أكثر من (20 ألف) وهو ما يعكس حالة الاحتلال الاقتصادي الذي تعرض له العراق من قبل أمريكا وإيران وغيرهم من الذين تقاسموا السوق العراقي حتى أصبحت مساهمة القطاع الصناعي في العراق لا تتجاوز (3%) من الناتج المحلي الإجمالي, إذ يأتي تدمير القطاع الصناعي بفعل القرارات الخارجية التي تملى على حكومة الاحتلال بضرورة عدم تفعيل القطاع الصناعي وإجهاض المشاريع الصناعية الاستثمارية لكي يبقى العراق سوقا لهذه الدول التي تعتاش على العراق في ظل انعدام السيادة الصناعية رغم امتلاك العراق كل مقومات الدولة الصناعية المتميزة والتي يمكنها أن تنقل العراق ليكون من بين ودل العشرين الاقتصادية, لكن الاحتلال الأمريكي وما تبعه من احتلالات أخرى دمرت كل شيء في العراق وأعادته إلى عصور ما قبل الصناعة.

لم يكن القطاع الزراعي بحال خير من القطاع الصناعي, بل تعرض إلى نفس التدمير الممنهج بعد عام 2003 من خلال إيقاف دعم الفلاحين وفتح السوق العراقي لتصريف البضائع الزراعية الإيرانية والتركية رغم وفرت الإنتاج الزراعي المحلي العراقي, إذ تقوم حكومة الاحتلال كل عام وخصوصا في موسم الحصاد لأي منتج زراعي بفتح الحدود وتخفيض التعرفة الكمركية لصالح المنتجات الزراعية الإيرانية والتركية وتغرق السوق العراقي بمنتجات هذه الدول مسببةً بخسائر فادحة للفلاحين فضلا عن إجبار إيقاف مضخات الماء الاروائية الحكومية عن العمل وحتى المضخات الأهلية من قبل الوزارات المعنية وهو ما تسبب بتدمير كامل للقطاع الزراعي العراقي رغم أن العراق كان قد حقق الاكتفاء الذاتي من القمح والشعير ولكن الميليشيات الإيرانية قامت بحرق المحاصيل الزراعية، يضاف لذلك حرق حقول الدواجن وتسميم أحواض الأسماك لمنع العراق من تحقيق الاكتفاء الذاتي من المحاصيل الزراعية والدواجن لصالح بقاء العراق السوق الاستهلاكي للدول المحتلة له حتى أصبحت مساهمة القطاع الزراعي لا تتجاوز (2%) بالناتج المحلي الإجمالي.

لقد شهد القطاع الخاص والاستثماري عملية احتلال وتدمير متعدد الأوجه أسهم في إخراج هذا القطاع الحيوي عن الخدمة, بل أصبح قطاعا محتكرا من قبل الطبقة الحزبية التي تستخدمه كواجهة لغسيل الأموال التي تسرق من أموال الشعب فضلا عن صراع بارونات الأحزاب التي تمنع دخول الأموال الوطنية والأجنبية للاستثمار في العراق مما حول العراق إلى بيئة طاردة للاستثمار وهو ما أكدته المؤسسة العربية لضمان الاستثمارات وائتمان الصادرات التي صنفت العراق بالمرتبة الأخيرة من بين الدول العربية وهو ما يؤشر بأن العراق بيئة طاردة للاستثمار

وما عزز ذلك البنك الدولي الذي صنف العراق بمؤشر سهولة أداء الأعمال بالمرتبة (172) من أصل (190) دولة شملها التصنيف والذي يؤكد وجود عراقيل متعمدة بوجه المستثمرين أدت إلى هجرة رؤوس الأموال الوطنية ومنع رؤوس الأموال الأجنبية من الدخول الى العراق مما أسهم بحرمان العراق من تحقيق نهضة اقتصادية وجعل القطاع الخاص متدني المساهمة في الناتج المحلي الإجمالي فضلا عن عدم قدرته على استيعاب العاملين.

إن الاحتلال الأمريكي للعراق تسبب بتدمير اقتصادي كبير وأعاد الشركات الاحتكارية للهيمنة على العراق خصوصا في القطاع النفطي فضلا عن الغزو الذي تعرض له القطاع المصرفي من قبل دول أجنبية وعربية والتي رأت بأن العراق فرصة لغسيل الأموال والقيام بالجرائم المالية دون رادع لتحقيق المكاسب المالية الكبيرة لها على حساب تضرر العراق وشعبه, وأن انعكاسات الاحتلال على القطاعات الاقتصادية المتنوعة سوف يبقى يعاني العراق منها حتى جلاء الاحتلال وإعادة بناء الاقتصاد وفق رؤية وطنية تحقق سيادة العراق الصناعية واستثمار كافة موارده في تحقيق النهضة الشاملة والتي ستجعل من العراق من بين كبار الاقتصادات العالمية.

مقالات متعلقة