بقلم| صباح الناصري (خبير اقتصاد سياسي)
تحدثت في مقال على قناتي في التيليكرام قبل حدوث الاحتجاجات الحالية عن لحظة استنفار في إيران وبوادر حرب أهلية لأسباب لا يمكنني التطرق إليها هنا. عوضا عن ذلك، سأوضح الحجة التي تكمن خلف هكذا تشخيص لحالة الاستنفار.
الاحتجاجات العفوية (سنقوم بتوضيح هذا المصطلح أدناه) كرد فعل على مقتل الشابة الكردية مهسى اميني في إيران تختلف كماً ونوعاً عن جميع الاحتجاجات السابقة في البلاد. الاحتجاجات الحالية تكثف لحظات ١٩٧٩، ضعف هيكلي للنظام أدى إلى الثورة حينها؛ ١٩٨٩، صراع على القيادة بعد الفراغ السياسي الذي تركه موت خميني، الآن على خلافة خامنئي؛ ٢٠٠٩، قيادة النساء للاحتجاجات أثناء تزوير الانتخابات؛ وأخيرًا ٢٠١٩، اليأس المجتمعي بسبب تضخم الأزمة الاقتصادية وانعدام الحلول، خصوصًا بعد فشل المفاوضات النووية والأمل المعلق عليها برفع الحصار الاقتصادي.
إن سياق موجات الاحتجاج الحالية، التي تستحوذ على جميع المناطق والمدن تقريبًا وتشمل جميع المجتمعات العرقية، يختلف بشكل حاسم عن ذي قبل.
ثلاث إزاحات على المستويات العالمية والإقليمية والمحلية تجسد الاختلاف. على الصعيد العالمي، أصبحت إيران الحلقة الأضعف في المثلث الآسيوي، الصين، وروسيا، وإيران. مع الحرب في أوكرانيا والتصعيد في تايوان، أصبحت إيران هدفًا للضغوط العالمية لإضعاف المثلث، والمؤشرات الواضحة هنا العقوبات الاقتصادية المكثفة وفشل الاتفاق النووي مع الغرب. إقليمياً، فقدت إيران الكثير من نفوذها في العراق وسوريا ولبنان واليمن، وهو النفوذ الذي أعطى إيران مساحة هائلة من المناورة والموارد. خاصة أن هذا الضعف له تأثير هيكلي على النظام في إيران حيث كان استقراره منذ البداية معتمداً على التوسع الخارجي وخلق عدم الاستقرار في البيئة المحيطة، الذي يعبر عنه دستوريًا بمفهوم تصدير الثورة الإسلامية. الضعف يجبر إيران على الانسحاب إلى فضائها الداخلي مما يجعلها في مواجهة النزاعات الداخلية وجها لوجه. هنا يدخل العنصر المحلي، لأن الانكسار الخارجي يعني فقدان الموارد التي مكنت النظام من الاستقرار محليًا. هذا الضعف أدى إلى اشتداد الأزمة داخليا، وكل ما كان ينقص الانفجار هو زناد لإشعال النظام: قتل مهسى اميني هو الذي أشعل الفتيلة!
عفوية الاحتجاجات: ثورة؟
لتجنب نظريات المؤامرة التي تقلل من شأن إرادة الشعوب في التغيير والإفراط والمبالغة في تأكيد التأثير الخارجي، يحتاج المرء إلى فهم ردود الفعل العفوية بشكل آخر.
العفوية هي ارتداد مؤجل بسبب الإزاحات المتعددة (أنظر أعلاه): فشل المحاولات السابقة للتغيير، الدروس المستفادة من ذلك الفشل، تراكم الصراعات غير المحسومة والمطالب غير المرضية. إنها أداة قوية في تعبئة الجماهير ضد الأنظمة القمعية.
ومع ذلك، فإن قوتها تكمن في ضعفها (أنظر إلى ثورات الربيع العربي في ٢٠١١ وثورة تشرين في العراق ولبنان في ٢٠١٩)، خصوصًا إذا لم تستطع تقديم بديل حقيقي للوضع الراهن.
كي نتحدث عن ثورة، يجب أن تحدث قطيعتان مع النظام الحالي: مع الطبيعة الإمبريالية الطائفية والعرقية للنظام، أي لا بد من بديل ديموقراطي يمكن جميع المجتمعات من إعادة بناء البلاد على أساس جديد، المواطنة!
فقط في حضور هذا البديل على المشهد السياسي للاحتجاجات يمكننا الحديث عن ثورة.
هذا البديل يمكن أن يحدث في المستقبل، لكن هناك شيء واحد مؤكد الآن: ضعف النظام بشكل كبير وسقوطه مجرد مسألة وقت!