الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

مقالات أول شاعرة وأول صاحبة توقيع وحدت حضارة سومر وامبراطورية أكد

بقلم| ياسر التركي (كاتب وباحث بالحضارة العراقية)

إن أردنا أن نجيب على التساؤل التالي "أيهما أقوى: كلام الشعراء أم رجال الدين أم الحكّام؟" فالإجابة الأكثر إنصافاً هي أن لكل منهم قوته الخاصة وتأثيره المختلف

فقد حركت كلمات الشعراء على مر العصور القلوب وتسببت بالخلافات بين القبائل والعشائر وكذلك كلام رجال الدين الذي يستطيع أن يوحّد أمماً متفرقة ويجمع حضارات مختلفة أما كلام الحكّام فله تأثير أكبر عندما تدعمه كلمات الشعراء ورجال الدين على حدٍ سواء

لن نتحدث في هذه المادة عن شاعر اعتيادي ولا رجل دين كرَّس حياته للعبادة ولا حاكم سعى لإرضاء كليهما واكتساب قوته منهما

ولكننا سنروي في هذا التقرير قصة امرأة جمعت المناصب الثلاثة، فكانت شاعرةً تخاطب القلوب وكبيرة كاهنات الآلهة والأميرة التي وحَّدت الحضارات

إنها إنخيدوانا الأميرة الأكدية من بلاد الرافدين، وأقدم شاعرة عرفها التاريخ والكاهنة العليا التي وحَّدت الحضارتين الأكدية والسومرية باستخدام الدين

من أب أكدي وأم سومرية ولدت إنخيدوانا أو إن-هيدو-انا والتي تعني "الكاهنة العليا زينة السماء" في عام 2285 ق.م في بلاد الرافدين بين نهري دجلة والفرات، في العراق اليوم

أمها كانت الملكة السومرية "تاشلولتوم" من جنوب العراق، وقد كانت أيضاً كاهنة عالية المقام من كاهنات إله القمر نانا (سين)

أما والدها فقد كان الملك سرجون العظيم مؤسس إمبراطورية أكاد العظيمة التي وحَّد فيها مدن وولايات شمال بلاد الرافدين وجنوبه والأناضول تحت راية واحدة تحمل اسم "الإمبراطورية الأكدية" لكنه لم يقم بذلك بمفرده فقد لعبت ابنته الراهبة إنخيدوانا دوراً سياسياً مهماً في تأسيس هذه الإمبراطورية

رغم زواجه من ملكة سومرية إلا أن الملك سرجون كان ينتمي إلى الشمال من بلاد الرافدين ويتحدث الأكدية التي كانت أقدم اللغات السامية لذلك كان يراه الناس في المدن السومرية القديمة في الجنوب دخيلاً أجنبياً احتل مدنهم مما دفعهم للثورة عليهم مرات عديدة في محاولة لاستعادة استقلالهم وإسقاط حكمه عليهم

كان سرجون على دراية تامة وحكمة كافية بأن سبب الثورات عليه هو اختلاف الحضارتين السومرية والأكدية على الرغم من قرب جغرافيتهما وأن الحل هو وجود نسل ملكي سومري له سلطة ونفوذ في الجنوب

لتأمين قوته في الجنوب السومري قام سرجون بتعيين ابنته الوحيدة إنخيدوانا التي تحمل الأصل السومري من أمها كبيرة الكاهنات في أهم معبد في الإمبراطورية والذي كان يطلق عليه إسم "گيبارو" في مدينة أور السومرية لسد الفجوة بين الحضارتين ومساعدته على توطيد الإمبراطورية

كانت إحدى مسؤوليات إنخيدوانا في منطقة سومر هي إبقاء السكان تحت السيطرة من خلال الدين

وقد ترك الملك سرجون لابنته إنخيدوانا مهمة كبيرة تمثَّلت بدمج الآلهة السومرية مع الآلهة الأكدية لخلق الاستقرار الذي تحتاجه إمبراطوريته لتزدهر

لكن إنخيدوانا لم تقم بمزج الآلهة فحسب، بل غيّرت الثقافة بأكملها فمن خلال أعمالها المكتوبة وشعرها قامت بتغيير طبيعة آلهة بلاد ما بين النهرين والتصور الذي كان لدى الناس عن الآلهة

فقد قرّبت إنخيدوانا الآلهة من الناس وقامت بخلق تناغم جديد بين المعتقدات السومرية والأكدية لخلق فهم أكثر تقارباً مما كان عليه الحال من قبل

وفي حركة تنم عن فطنة وذكاء كبيرين قامت إنخيدوانا برفع شأن الآلهة السومرية مثل آلهة القمر نانا وجعلتها أكثر عمقاً وتعاطفاً تقام الصلوات والتضرعات لها في كل مطلب

ورفعت كذلك من شأن الإلهة إنانا التي كانت إلهة الزرع المحلي إلى مرتبة ملكة الجنة القوية التي تعتبر آلهةً يجب عبادتها ليس فقط عند السومريين بل الأكديين أيضاً فوحَّدت بذلك الآلهة التي يعبدها الجميع في إمبراطورية أبيها.

مقالات متعلقة