مزاعم "الإرهاب الفكري".. منحى جديد للطائفية في العراق
بقلم| جهاد بشير
بعض من يُصنّف نفسه مع طلبة علم، أو ضمن من يزعمون أنهم ذوو اتجاه وطني حريص على "الإصلاح"؛ يتهاوى وهو يرضخ لمفاهيم ومصطلحات يروِّج لها ويتبنى سياقاتها، حتى يجد نفسه متباريًا نشطًا في مشاريع لا مقصد لها سوى تدمير القيم وتشويه الثقافة الإسلامية، فضلاً عن تجريم ما له صلة بثوابت الدين أو مقتضياتها.
ولعل ما شهده العراق مؤخرًا من لقاء استعراضي بين "مصطفى الكاظمي" ومجموعة وصفهم إعلام الحكومة بأنهم "علماء" وما جرى من إعلان على خلفية مأدبة إفطار التهمها الجميع؛ دليل على أن مخطط الطائفية في البلاد أخذ منحى جديدًا، يُراد له التغوّل أكثر من أي وقت مضى، ولكن هذه المرة على أيدي شخصيات جرى انتقاؤها بعد سنوات من العمل الدؤوب على إعدادها وتهيئتها لتكون عامل إفساد وتشويه في المجتمع العراقي تحت عناوين يُفهم من ظاهرها الإصلاح، في نمط واضح وجليّ من النفاق بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
وعلى ما يبدو فإن ما ابتدعته إيران مؤخرًا بتنظيم ميليشيات بثوب جديد تحت مسمى "مكافحة الإرهاب الفكري"؛ هو المسلك الرئيس للمنحى الطائفي، لاسيما وأن خطاب الكاظمي لهؤلاء "العلماء" أصحاب الاتجاهات الفكرية المثيرة للجدل؛ واضح في كونه استعلائيًا موجِّهًا، وهو يُنظّر لدور "رجال الدين" ويعلمهم الطرق والوسائل الواجب عليهم اتخاذها لإدارة المجتمع وسوقه على الوجهة التي تريدها حكومته، ومن يقف خلفها من قوى وإرادات دولية وإقليمية.
إن مصطلح "الإرهاب الفكري" مظلة فضفاضة أخرى يُراد لها أن تكون مبررًا لمزيد من الإجراءات الطائفية ليست على مستوى الأشخاص وتصرفاتهم فقط كما هو حاصل في مصطلح "الإرهاب"؛ بل تمس المجتمع كلّه بدينه وقيمه وثقافته واتجاهاته الفكرية، علاوة على كونه وسيلة سلطوية لممارسة الديكتاتورية مرة أخرى بفرض مفاهيم دون أخرى، وتحقيق أغراض طائفية مقصودة، بتجريم المعتقدات ومصادرة حريّة الرأي وتقييد وسائل الإصلاح الحقيقية المنزهة عن التأثر بسطوة مشروع الاحتلال المزدوج بشقيه الأمني والثقافي.
والغريب في الأصل وغير المستغرب في عراق ما بعد الاحتلال؛ أن يكون من يتصف بالعلم أو يزعم ذلك تبعًا لرأي سياسي يُدار أصلاً من خارج منظومة الشريعة الإسلامية؛ في الوقت الذي تقتضي مقاصد الإسلام أن تكون السياسة الشرعية في ظل ثوابت الدين هي المهيمنة وذات السلطان التي يحفل تاريخ المسلمين بنماذج كثيرة وذات أثر لا يمكن أن تغطيه تشويهات المضللين، ولاسيما أولئك الراضخون للاتجاهات غير السوية أو العراة عقديًا وفكريًا ممن يبحثون عن تغطية سوآتهم في عباءة "ولاية الفقيه" المهترئة أساسًا.
لا يمكن لمن يزعم أنه طالب علم أن يكون أداة بيد حاكم حتى وإن كان شرعيًا، فكيف بمن يمسك مقاليد السلطة وهو لا يحظى بشرعية لا من حيث التأسيس والتسلّط ولا بالنظر إلى سلوكه وأنماطه في إدارة الحكم كما هو حاصل في العراق؟!