قمة بغداد: هل يعود العراق فاعلًا له دور وموقع؟
بقلم| د. مثنى عبد الله
(عضو اللجنة العليا للميثاق الوطني العراقي)
واهم من يعتقد أن أدوار الدول تأتي بالدعم الخارجي كالهبات والمكرمات والمساعدات إنها استثمار للجغرافيا والموارد المادية والبشرية واستحضار للتاريخ. وقبل هذا وذاك هي تأتي وفق مقدار الشرعية التي تتمتع بها السلطات والقدرة على الإقناع الداخلي، فالدول الفاشلة ليس لها أدوار ودائما موقعها في المحيط وما بعد المحيط مفعول به لا فاعل. كذلك مخطئ ذلك الذي يظن أن عورة الحكومات تغطيها المؤتمرات الدولية والإقليمية المقامة على أراضيها، والزيارات المتبادلة بين المسؤولين فيها وزعماء الدول الأخرى. ففي العرف الدبلوماسي غالبا ما تكون هذه مسارات علاقات عامة ولا أثر حاسم لها في صنع سياسات حقيقية تترك شواهد على أرض الواقع. ومن هذا المنطلق ووفق هذا الفهم كان مؤتمر بغداد للتعاون والشراكة الذي عُقد وانفض في نفس اليوم 28 أغسطس – آب، بمشاركة 9 دول عربية وأجنبية ومنظمات عربية ودولية. قيل إن الغاية منه كانت مناقشة ملفات تتعلق بتوسيع الشراكة الاقتصادية ودعم مشاريع إعادة الإعمار، ومحاربة الإرهاب وتوسيع التعاون بين العراق ودول الجوار. وهو ليس مبادرة عراقية بل مقترح فرنسي، قدمه الرئيس مانويل ماكرون عندما زار العراق بأجندة دعم السيادة العراقية. فهل يتحول العراق من موقع المفعول به إلى فاعل بمجرد انعقاد مؤتمر إقليمي على أرضه بمشاركة دولية؟ وهل أن الدول المشاركة جاءت لتبني على ما قدمته في مؤتمرات عربية ودولية عُقدت فيه وفي أماكن أخرى ومن أجله أيضا؟
إن قراءة ما حدث في المؤتمر ومخرجاته وبيانه الختامي، توضح لنا أنه تظاهرة إعلامية وحفلة علاقات عامة، تم تصميمها لتحقيق هدفين رئيسيين. أولهما تسويق فكرة أن استمرار رئيس الوزراء الحالي في منصبه بعد الانتخابات القادمة ضرورة ملحة، وأن إخراج العراق من العباءة الإيرانية منوط به. يدعم هذا الاتجاه كل من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا. وقد تم التعرف عليه بشكل مباشر من خلال غرفة العمليات الاستخباراتية المشتركة، التي تشكلت في موضوعة التحالف الدولي في الحرب ضد تنظيم الدولة في العراق وسوريا، وكان حينها يعمل بصفة رئيس للمخابرات العراقية. وبات معروفا أكثر في الأوساط السياسية والأمنية لهذه الدول، بعد الاتفاق الذي قبل بموجبه العراق استلام عناصر تنظيم الدولة، ممن يحملون جنسيات هذه الدول في سجونه مقابل مساعدات مالية. وكانت العلاقة الأكثر قربا هي مع الرئيس الفرنسي ماكرون، الذي كان عودة عناصر تنظيم الدولة من الفرنسيين إلى بلادهم قد أثارت زوبعة سياسية كبرى، فقدم رئيس الوزراء إليه خدمة كبرى في الاحتفاظ بهم في السجون العراقية.
أما الهدف الثاني للمؤتمر فهو لا يتعلق بالعراق أصلا، وهو تقديم الدور الفرنسي في المنطقة على أنه البديل عن الدور الأمريكي أو الوكيل الشرعي له. فالرئيس مانويل ماكرون يسعى ومنذ فترة لأن يمارس سياسة فرنسية في المنطقة، على غرار سياسة الرئيس الأسبق جاك شيراك في سبعينيات القرن المنصرم. كما يحاول أيضا ملء الفراغ الاقتصادي الذي تركه انسحاب الشركات الكبرى الأمريكية والبريطانية من العراق بسبب المخاوف الأمنية وتعزيز هذا الدور، خاصة بعد حصول شركة توتال على عقود كبيرة، وكذلك حصول شركة فرنسية على عقد تطوير مطار الموصل. وبالتالي هو يريد أن يكون العراق انطلاقة سياسية واقتصادية لفرنسا، وإشعاع على الدول الأخرى في المحيط، خاصة وهو يعرف جيدا إمكانيات هذا البلد.
أما الأطراف الأخرى التي شاركت في المؤتمر فكل منها جاء مطالبا العراق بما يعزز به أمنه القومي، ويحقق من خلاله أجندته السياسية في المحيط. فقد جاءت طهران للمؤتمر وبيدها سلاح الميليشيات كي تعزز استمرارية العراق طرفا في ما يسمى "محور المقاومة" وسوقا تجاريا تسند به اقتصادها، وساحة مفتوحة للصراع مع منافسيها الدوليين والإقليميين. وجاءت أنقرة بيدها ملف المياه ضاغطة باتجاه أن يكون العراق معها في مواجهة حزب العمال الكردستاني. أما العرب فبعضهم جاءوا مدفوعين بحسابات دولية للوقوف مع العراق والمشاركة في المؤتمر، وليس بحسابات ما يتطلبه تعزيز منظومة الأمن القومي العربي. وآخرين كانت مشاركتهم من أجل منافع اقتصادية لشركات ومقاولين ولتعزيز دخول الأيدي العاملة من بلادهم إلى العراق.
أما متابعة كلمات الوفود المشاركة فتشير حقا إلى أن البعض ليس لديه أيّ فكرة عما يجري في العراق إلى حد الجهل. فكلمة مصر كانت تشيد بتمكن حكومة مصطفى الكاظمي من القضاء على تنظيم الدولة، في حين إن إعلان القضاء على تنظيم الدولة تم في عهد رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي. كما أن الكلمة أشادت بما أنجزته حكومة رئيس الوزراء الحالي فيما سمته "الازدهار الاقتصادي" ولا أعرف عن أي ازدهار يتحدث والشعب العراقي يسير يوميا نحو الهاوية الاقتصادية. كما ثمنت كلمة الوفد السعودي جهود الحكومة العراقية في السيطرة على السلاح المنفلت، في حين أن الميليشيات المسلحة تتحدى وتهدد السلطات يوميا، وتقصف القواعد العراقية التي تتواجد فيها قوات التحالف، وتغتال الناشطين المدنيين والمواطنين الأبرياء. وكل هذا يعطي انطباعا راسخا بأن هنالك إرادة من بعض القوى الدولية تضغط لدعم رئيس الوزراء الحالي.
كما أن مفارقة كبرى كانت في كلمات الوفدين الإيراني والتركي. فكلاهما دعوا المشاركين إلى عدم التدخل في الشؤون الداخلية العراقية، وعدم استخدام أراضيه لتنفيذ أجندات معينه، في حين أن كلا الدولتين تمارسان ذلك علنا وسرا.
لكن المزيد من المفارقات كانت في خطاب رئيس الوزراء العراقي أيضا. هو يقول "إن العراق يرفض استخدام أراضيه منطلقا للصراعات الإقليمية والدولية". ومع أن هذا واقع بالفعل لكنه لم يقل لنا ماذا فعل هو بهذا الاتجاه وكيف سيمنعه. كما يقول العراق يسعى لـ "عدم التدخل بالشؤون الداخلية للدول أو منطلقا للاعتداء على الآخرين" لكنه لم يقل لنا ماذا فعل هو للحد من تصدير الميليشيات العراقية إلى سوريا واليمن، وإطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة على دول الجوار العربي. وإذا كان كما يقول إن جعل المشاركين يجلسون حول طاولة واحدة إنجازا تاريخيا، فلماذا لا يقول لنا من هم هؤلاء. لقد رفض الرئيس التركي الحضور بسبب وجود الرئيس الفرنسي. ورفضت السعودية وإيران المشاركة بمستوى رفيع تجنبا للقاء بينهما. أما لقاء زعماء قطر والإمارات ومصر فلقد تم تطبيع العلاقات بينهم قبل المؤتمر.
إن المؤتمرات التي يُنتظر منها نتائج لا يمكن أن يُعد مؤتمر بغداد أحداها. إنه حفل بشعارات براقه وأجندات مموهة وكلمات إنشائية ونوايا ومبادئ عامه تفتقر إلى المحتوى الحقيقي.