في ذكرى حارث الضاري: الموصوف الأكبر من صفاته
بقلم| د. مثنى عبد الله
ترجّل الشيخ حارث الضاري من ست سنين وما انطوى فبعض الراحلين يطويهم النسيان، لكن من حمل همَّ وطن وأمة يبقى عصيا على النسيان.
مسافة قصيرة يراها البعض بين الموقف واللاموقف، لكن حقائق التاريخ تقول بأن هنالك سنينا ضوئية بين الصورتين.
فالموقف مجالدة للنفس وصراع مع الحياة وصهر للتاريخ في بوتقة الذات، عناء وغربة وفراق أهل وأحبة وأوطان. واللاموقف رقص على حبال الحياة وشراء وجوه تلائم كل حال، طمعا بمغنم أو بضعة أيام تضاف على عُمر خلوده مُحال.
ويأبى التاريخ إلا أن يشهد بأن الشيخ الجليل ما وهن يوما أمام نوائب الأيام والسنين العجاف، وما هادن كي يرضي أحدا على حساب الحق. كان يعلم بأن النفوس أنواع بعضها بلا مصدات وحين تهب عليها رياح الشرق تُشرّق، وإن هبّت عليها رياح الغرب تُغرّب فلا يقر لها قرار، وبعضها تولي هاربة تتخفى وتنسل من المواجهة دون وعي تاركة الريح تقتحم حصون الوطن وتقتلع الشبابيك والأبواب. وفي خضم كل هذا الكابوس واضطراب النفوس والعقول لم يدع الشيخ مجالا لأحد كي يطرح سؤالا ويمضي، ما العمل؟ كان المشهد أمامه واضحا لا يحتاج إلى تفكير وانتظار، فالموقف يحتاج إلى نموذج يملأ العقول ويهدي النفوس، كي لا يهرب الآخرون إلى مجاهل أصحاب النفوس الضعيفة، ويستسلمون للريح القادمة من وراء البحار والحدود. كان يعلم أن قتلى السكينة، ومقولة الأمر الواقع، والانحناء للريح حتى تمر، والانتظار لرؤية المآل، أكثر من قتلى الحروب. فقرر أن يرفع راية الموقف البديل مكتوب عليها قيم الدين وتاريخ الأمة ومواقف الرجال في أيام المحن. وعلى الرغم من أن المهمة شاقة، وتحصين النفوس حفر في الصخور، وتأسيس مصدات الريح مقاومة للتيار، وتثبيت الخيمة الوطنية في وجه العاصفة يمكن أن يكون انتحارا، لكن الشيخ الجليل كان يعرف أنها مهمة تاريخية وحضارية كبرى تستحق الإصرار. كان يعرف جيدا ما سيواجهه ليس من الناس الذين اختاروا الانتظار وحسب، بل من أولئك الذين تسرب اليأس إلى نفوسهم واحتل عقولهم وقلوبهم فقبلوا الحال. فكان أن انطلقت كل السهام دفعة واحدة ومن كل حدب وصوب، لكنه آثر أن يبقى يضرب أوتاد خيمته في وجه الريح، ويرفع سارية رايته في وسط كل ذلك الجحيم المتجه اليه. كان مصرا أن يكون موقفه خيمة من لا خيمة له، وملاذ كل مشرد وأمان كل خائف وخيار كل محتار، وأن تمتد رايته في كل زاوية من العراق وتحمي رؤوسا كُثرا دون تمييز. فلقد كان واثقا من أن هذا الطريق هو الوحيد الذي يمنح موقفه حرية الحركة على امتداد الزمن الحاضر ويتلمس بثقة الطريق إلى المستقبل.
سلام عليك أيها الشيخ الجليل فكل إيماءة منك كانت استحضارا للتاريخ في ساعة عسرة، ومهجة طاهرة تسيل أملا على أرض الوطن الطاهر، فتنقل كل جغرافيته المستباحة إلى كل مكان حل فيه العراقيون. سلام على رايتك التي لا تشيخ وتتسع وتلد قيمها ومبادئها في كل زمن وحين، فتصبح راية كل الذين احتلت أوطانهم وتشردوا من ديارهم وعُذبوا وقُتلوا، وسيفا إضافيا يقاتل به الرجال المؤمنون في كل الساحات ضد الظلم والتجبر. سلام على روحك الاقتحامية بالحق كي تعطي دروسا للآخرين وإيمانا أضافيا كي لا تخفت أنفاس الوطن في العقول والصدور. لذلك رفضت كل الدعوات التي طلبت منك ما يسمونه تعديل المنهج، في حين كنت تعلم أن رفضك يعني مزيدا من الأعداء لك. وعلى الرغم من أنك تعرف بأن لكل شيء ثمن لكنك كنت تثقف الجميع بأن الوطن أغلى من كل ثمن، حتى عندما كانوا يقارنون أمامك جبروت الطرف الآخر كان الموقف الكمي لا يعني لك شيئا، لأنك كنت تراهن على أن القيم التي آمنت بها قادرة على تحويل الحسابات المعروفة إلى حسابات غير تقليدية. كما كنت تعرف بأن الصراع التاريخي هو دائما بين الحق والباطل. وأن المقاومة على مدى الزمن بدأت بفئة قليلة، عارضت مجرى الأفكار المعطوبة واستلاب الأوطان وتغريب الشعوب. ولم تتوانى سيدي الشيخ الجليل عن الإيمان بأن الاختلاف من أجل الحق أفضل من الاتفاق على الباطل، لذلك لم تأخذك في قول الحق لومة لائم وأنت ترى العراق أمامك مستباح على الصورة التي آل إليها. فكنت لا ترضى ولا تكتفي بعدم الرضا، بل كنت تسعى إلى خلق موقف يرقى إلى مستوى التصدي لانتشار الأهداف، أهداف العدو على كل شبر من أرض الوطن.
سيدي الشيخ الجليل، لقد غرست في كل النفوس الشريفة والضمائر الحية شيئا من قيمك، فكانت قوة روحية أبدعت فينا مواقف، ورفعت عن عيوننا وحشة سلوك طريق الحق، وأطلّت بأنوارها في حاضرنا الملبد بالغيوم فبعثت فينا الرجاء لاستعادة الوطن والحقوق. كانت قيمك جلاءً لصدأ النفوس، ودفعا للباطل من أن يلوث الضمائر، ونجاة لنا من عثرات الطريق. كنت سكنا للكثيرين وحصانة من معترك الأفكار الغريبة وانزلاق الأدمغة وظلالة القلوب. وها هو التاريخ يحتفي بك ويفرد لك صفحات ناصعة البياض بعد أن كان يلهث خلفك كي يفخر بخلودك.