معضلة الانتخابات العراقية ووهم الديمقراطية
"لا تشاركوا بعرس عروسه أخذت فصليّة"
بقلم: فخر الحصيني
(كاتبة وباحثة عراقية من ذي قار)
نعود لذاكرتنا في هذه الفترة الحرجة من انتخابات العراق "الديمقراطية" كما يسميها البعض أو كما أسميها "انتهاكات العراق للديمقراطية" أول انتخابات حصلت في 30 يناير 2005م بعد احتلال العراق من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها، وكيف علت الأصوات الوطنية بالمقاطعة؛ وقد تم على مر السنين تسقيط هذه الأصوات الوطنية زعمًا بأنهم أساؤوا لمكون بعينه من المشاركة في العملية السياسية وحرمانه من الكعكة التي قسمت بليل بين أمراء الطوائف والحروب.
وها نحن نعود إلى النقطة صفر لنقاطع تلك العملية المقصوصة الأطراف، أتذكر أني كنت من المقاطعين وافتخر أني كنت من المقاطعين؛ لأن مقاطعة تلك الانتخابات كانت واجبًا وطنيًا وتاريخيًا على كل مواطن شريف يريد الخير لوطنه.
وترسخت تلك العملية المسخة على أنها عرس ديمقراطي يحسب في تأريخ العراق الحديث، فمرت السنون وتأصلت تلك العميلة وبات الشعب العراقي في سبات تطبيعي معها وتعايش مع السلالة المتحولة من تلك العملية، ولم يفكر قط أن ما بُني على باطل فهو باطل. إلى أن فاق الشعب العراقي على أكذوبة ديمقراطية المحتل التي جاءت مغلفة بورق السولفان الملون. وأن تلك الوجوه الفاسدة ما هم إلا الجيل المتسلسل من ذلك المجلس المقيت الذي حكم العراق على الأساس الطائفي والتحزبي. فلا يخفي عنا أن عدم المشاركة في الانتخابات في المجمل تتعلق بثلاثة عناصر رئيسة تشكل البيئة السياسية والعامة للانتخابات، وهي الحالة الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين، والقوانين المنظمة للانتخابات، والثقافة السياسية السائدة.
فنحن على علم بشراء الأصوات والذمم إما بالترغيب أو بالترهيب في بلد تحكمه مرجعية تتدخل في مفاصل الدولة السياسية، تارة تستخدم العاطفة الدينية والخوف من بعبع رسموه لبسطاء القوم من مظلومية كاذبة منذ آلاف السنين، وتارة تستخدم القوة المبطنة بأن تحرك ميليشياتها لدعم مرشحها الخفي.
انتخبنا أم لم ننتخب فستُزور الانتخابات لتعيد تدوير النفايات السياسية التي جلبها المحتل لتعيث بالبلد خرابا حتى لا تقوم له قائمة. ولكن مقاطعتها تكشف الغطاء الشرعي أمام العالم بعدم شرعيتها وستبقى هذه الحكومة مفروضة دون قبول الشعب بها.
لم انتخب ولن انتخب لأني وببساطة لن أشترك بجريمة سأخجل منها مستقبلا. العراق هان على سياسيه المرتزقة ولكنه لا يهون على أهله الأصلاء لذلك انتشار وسم (#لا_لن_انتخب) بين النشطاء هو ثورة فكرية أزاحت ورقة التوت عن شرعنة تلك العملية. فالدولة اللقيطة التي ولدت من رحم الاحتلال ومرتزقته ستبقى غير شرعية إلى أن نستطيع إزاحة تلك الوجوه الفاسدة المجرمة الجاثمة على بلدنا المحتل منذ 2003. إن الجيل الذي كان صغيرًا في ذلك الوقت كبر ونفض عن كاهله أكذوبة التحرر والديمقراطية التي سوقها رجال السياسة المزعومين وبمباركة دينية من حيتان السياسة والمال والمؤسسات الدينية التي أثبتت خيانتها وصمتِها حيال ما حصل ويحصل في العراق خلال هذه السنين منذ 2003 وحتى الآن.
شعارنا الآن وأزعم أن البعض سيعيبنا عليه بحجة أننا سنترك الساحة لهم؛ فأقول إن عدم المشاركة بهذه الجريمة هو أضعف الإيمان حتى لا نكون جزءا من هذه الأكذوبة. فمنذ 2003 أصرت حكومة المنطقة الخضراء على تطبيق قواعد ومظاهر الديمقراطية وممارستها إعلاميا فقط بعيدا عن الحقيقة؛ بل هم يحاولون بكل الوسائل إيهام الناس وخداعهم؛ لأن خلف الكواليس تم تقسيم نتائج الانتخابات وأُعطيت المقاعد البرلمانية مسبقًا لشخوص اتفق عليها الفرقاء من أجل تقسيم ما تبقى من خيرات العراق. فالوعي هو معركتنا ونحن مصرون على كسب تلك المعركة.
يجب أن تكون الانتخابات نزيهة وحرة وأن تجري دوريًا في إطار قوانين تضمن ممارسة حقوق الانتخاب ممارسة فعلية وبما أن حكومات العراق أثبتت فشلها المستمر بإجراء انتخابات نزيهة فعلينا بالمطالبة بمراقبة دولية لمصداقية رصد أصوات الناخب ومراقبة صناديق ومراكز الاقتراع.
على النشطاء أن يتحركوا لنشر الوعي الانتخابي بين الناس وتثقيف العامة بمدى أهمية وخطورة أصواتهم، والتأكيد على أن أصواتهم هي السبب في تحسين أو سوء الحالة الاجتماعية والاقتصادية التي هم بها. فثمن أصواتهم البخس الذي تدفعه لهم جيوش المرشحين الفاشلين أغلى من أن يباع ويشترى. علينا أن نشترك في هذا الوعي الشعبي حتى نغلق الباب أمام هذه الوجوه حتى لا تصعد على ظهورنا إلى السلطة من جديد، وعلينا ألا نخرج من بيوتنا في هذا اليوم حتى نبين للعالم أنها انتخابات غير شرعية ونتائجها مزورة؛ ونسقط عنها المصطلح الديمقراطي.
فقد أثبت المرشحون لحكم العراق على طوال هذه السنين العجاف ما هم إلا ذلك التمثال في مقدمة السفينة لا ينفع إلّا للزينة بل هم شر من ذلك لأنهم سعوا وبقوة إلى تدمير العراق وسرقة ثرواته. والحاكم الفعلي للعراق هو كل من ساوم على بيع شعبه وبلده للأجنبي سواء كان أمريكيًا أم إيرانيًا؛ لذلك لن نشترك بعرس عروسه فصليّة (دية).