الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

مقالات مرضى السرطان في العراق.. ضحايا اللامبالاة..

بقلم| زينب زكي (كاتبة عراقية)

في ظل الصراعات السياسية في العراق وبعد سقوط الحكم السابق، تعاقبت على العراق أحداث وأزمات أودت بالعراق إلى الهاوية بدلاً من الحرية والديمقراطية والسلام.

شهِد العراق الغزو الأمريكي الذي مازال مستمر في أذهان معظم العراقيين جرّاء تعرضهم للأضرار النفسية والمعنوية، وكما هو معلوم فإن أمريكا استخدمت في حربها ضد العراق الأسلحة الفتاكة والكيمياوية وكانت آثارها الخطيرة واضحة على العراقيين من خلال ارتفاع أعداد المصابين بالسرطان والتشوهات الخلقية والأمراض الأخرى، ولم تكن هذه الأمراض منتشرة قبل غزو واحتلال العراق؛ حتى بات يُشكل خطراً داهما على المجتمع العراقي. حتى أصبحت معظم البيوت العراقية لا تخلوا من مصاب بأمراض غريبة وفتاكة ومنها السرطان، والأعداد في ارتفاع ملحوظ بسبب تداعيات استخدام الأسلحة القذرة، واللامبالاة من الحكومات المتعاقبة بعد الاحتلال.

ورغم حجم الكارثة إلا أن أحزاب السلطة منشغلة في صراعاتها السياسية المستمرة التي تسدُل بستارها على المرضى ومعاناتهم وتتناسى هذه الأحزاب والحكومات أن المرضى يبحثون عن جرعة أمل تُداوي جراحهم، وتخفف معاناتهم وتحد من ارتفاع الإصابات التي تزداد يوماً بعد آخر، وتشير بعض الإحصاءات إلى أن أعداد الوفيات بمرضى السرطان بلغت 10% من مجموع الوفيات عام ٢٠١٥.

وبحسب منظمة الصحة العالمية فإن أعداد مرضى السرطان المسجلين لديها في العراق بلغ ٣٥ ألف مصاب وأن ٥٧٪ من النساء، وسرطان الثدي يحتل الصدارة ويليها سرطان الرئة، وقد سجلت وزارة الصحة في العراق ٣٩ ألف حالة مصابة بالسرطان خلال عام ٢٠٢٠. والحقيقة أن هذه الأرقام غير صحيحة وأن أعداد المصابين أضعاف ما ذكر، وأن وزارة الصحة بعيدة كل البعد عن واجبها تجاه مرضى السرطان وتوفير المستلزمات الطبية والعلاجات، إلا أنّ هذه التجاهل أصبح يؤرق العراقيين ويشعرهم بأن هذا التجاهل الحكومي متعمد لزيادة مأساتهم العراقيين والإيغال في معاناتهم.

فمحافظة البصرة مثلا احتلت الصدارة بنسبة أعداد مرضى السرطان ففي آخر إحصائية يوجد نحو 78 إصابة لكل ١٠٠ ألف شخص بحسب تصريح مدير مركز الأورام السرطانية في البصرة وهو مؤشر واضح على أن السرطان يفتك بالمجتمع البَصريْ؛ ولم يكن هذا بسبب الحروب فقط وإنما بسبب التلوث البيئي في المحافظة والانبعاثات التي تخرج مع النفط وحرق الغاز والإهمال الحكومي المتعمد.

وفي محافظة كركوك، بلغ عدد المصابين بالسرطان أكثر من ١٦٠٠ حالة وفي الوقت نفسه تشهد المدينة نقصاً حاداً في العلاجات والأدوية والمعدات الحديثة المتعلقة بأمراض السرطان، ولا يوجد إلا مركزاً واحداً للسرطان وهو ما زاد من معاناة المرضى. ولا تختلف المحافظات الأخرى عن البصرة وكركوك في نقص المستشفيات والمراكز السرطانية.

إن قلة المستشفيات وعدم جاهزيتها ونقص الأدوية فيها أو بالأحرى سرقتها والتجارة بها في ظل غياب المحاسبة وصفقات الفساد وحرق المستشفيات؛ تجعل المواطن العراقي بين خيارين أحلاهما مر إما الموت في مستشفيات العراق أو السفر خارجه في ظل عدم توفر الإمكانية المادية لذلك يجبر على بيع بيته إن كان يمتلكه ولا يعلم مصيره بعد ذلك

وهنا يتساءل العراقيون ما هو دور الحكومات ولماذا تتجاهل هذه الأفاة الخطيرة، وكيف للحكومة وأحزابها أن تتجاهل ارتفاع أسعار علاج مرضى السرطان الذي يعكس الواقع السلبي والسيء لوزارة الصحة التي لم تخرج حتى بتصريح ينفي ذلك أو يبرر هذا التجاهل المستمر، على الرغم من ارتفاع أصوات المرضى بارتفاع أسعار العلاجات، ونقص الأجهزة مثل جهاز الإشعاع، واليود المشعّ، التي تحتاج إلى بيئة مناسبة؛ وعلى الرغم من الإمكانات المادي الهائلة ووفرة السيولة إلا أن المستشفيات في العراق وضعها مزر ولم تتجه الحكومات بعد 2003 إلى تحديثها أو بناء مستشفيات جديدة تخفف من معاناة العراقيين وتداوي جراحاتهم. وهنا نتساءل ما الذي يمنع الحكومات من أداء واجبها تجاه مصابي مرضى السرطان! لماذا يدفعون بهم للعلاج خارج العراق.

شاشات التلفزيون أصبحت تعج بمعاناة العراقيين ونحيبهم على أحبابهم المصابين ومعاناتهم في المستشفيات العراقية التي شاهدناها وهي تحرق المرضى على أسرة الشفاء، لماذا تتعمد الحكومات على إهمال القطاع الصحي، وعدم إعطائه الأولوية مع التعليم والقطاعات الرئيسة الأخرى، لماذا تصرف المليارات على برلمان وأحزاب فاسدة ومشاريع وهمية، ويهمل القطاع الصحي مثلا؟! هل هو استمرار بمشروع تدمير العراق بالكامل!

كان العراق قبل غزوه واحتلاله من الدولة المُصنّعة للدواء، ولكن في ظل الفساد المستشري في مؤسسات الدولة ودوائرها وتوقف مصانع وشركات عراقية عن إنتاج الأدوية لصالح أحزاب متنفذة تستورد كل أنواع الأدوية من الخارج، يضاف لذلك تهريب الأدوية المغشوشة ومنتهية الصلاحية للعراق؛ كل ذلك ساهم في الإمعان في معاناة العراقيين من أصحاب الطبقة الفقيرة والمتوسطة وقتلهم وهم أحياء؛ مما جعل العراق يتراجع بشكل خطير عما كان عليه قبل الاحتلال.

وفي ظل تطور وتقدم الطب في جميع أنحاء العالم إلا أن العراق في تراجع مستمر في ظل فساد مستشري في جميع مؤسسات الدولة وغياب الرقابة وتسييس القضاء وانتهاك القوانين وإبعاد الكفاءات والاعتماد على المحسوبية في إدارة مؤسسات الدولة كل ذلك أدى إلى تدهور القطاع الصحي وزيادة معاناة العراقيين، وشعورهم بعدم مسؤولية السلطات في العراق بمعاناتهم، وعدم المبالاة لمصيرهم.

فياترى هل سنرى بصيص أمل لإنهاء آلام مرضى السرطان في العراق في ظل تدهور القطاع الصحي وتجاهل الحكومات وعدم مبالاتها؟

مقالات متعلقة