الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

مقالات ما يحدث اليوم هل هو ولادة عالم عربي جديد.. أم نهاية ما تبقى منه..

ما يحدث اليوم هل هو ولادة عالم عربي جديد.. أم نهاية ما تبقى منه..

بقلم| ثائرة أكرم العكيدي

(كاتبة وباحثة)

حينما بدأ الربيع العربي في تونس ثم مصر، كانت إيران مسرورة بما وصفته أنها ثورة إسلامية في تلك الدول، ولكن بمجرد وصول هذا الربيع إلى سوريا، سرعان ما اعتبرته طهران "مؤامرة دولية على المقاومة". لكن حركة حماس، بموروثها السنيّ والشعبيّ، لم تقبل الرواية الإيرانية أو السورية الرسمية، بل إنها استبقت رياح الربيع العربي بنصح القيادة السورية بإجراء إصلاحات استباقية، غير أن تلك النصيحة لم تجد آذانا مُصغية لها.

وبعد وصول رياح الربيع العربي إلى سوريا، التي كانت فيها مقرا لقيادة حماس، وعاصمة الحليف الإقليمي الأهم للقيادة الإيرانية، ومع تقدم مسار الثورة السورية، وشروع نظام الأسد في قصف معارضيه بالبراميل المتفجرة بدعم من طهران، وجدت حماس نفسها أمام الاختبار الأخلاقي الأهم في تاريخها، بوضع علاقتها مع طهران أمام تحد غير مسبوق.

ومن أجل ضبط وتيرة العلاقة وإبعاد نفسها عن الانجراف نحو مشروع طهران الطائفي والتوسعي، تضع حماس محددات صلبة لعلاقتها من إيران، إذ تسعى لإبقائها في حدود التعاون العسكري والسياسي المكرَّس لمواجهة الاحتلال؛ ولا علاقة ذات بُعد ثقافي كالتبادل التعليمي مثلا، ولا قبول للتشيع، ولا إسناد أو تأييد لسياسات إيران في المنطقة العربية، بل إن حماس احتفظت لنفسها -عمليا- بالحق في معارضة سياسات طهران الإقليمية كما حدث سلفا في الملف السوري.

وازدادت أهمية حماس ومركزيتها في نظر إيران عقب فوزها في الانتخابات التشريعية عام 2006، إذ انتقلت من كونها حركة مقاومة وفصيلا سياسيًا معارضًا إلى حكومة الفلسطينيين، ما دعا طهران إلى مضاعفة دعمها لها، فتعهدت بتقديم 50 مليون دولار شهريا لهذه الحكومة، وفي المقابل كان للمقاطعة الدولية والإقليمية لحكومة حماس دور أساسي في دفع الحركة باتجاه توثيق علاقتها مع إيران. يضاف إلى ذلك أن حماس قد استفادت من حالة الصراع بين إيران والكيان الصهيوني على النفوذ في المنطقة، ووجود توتر في العلاقات بين إيران والولايات المتحدة التي تصنف حركة المقاومة الإسلامية حماس بحركة إرهابية؛ لمقاوِمتها الاحتلال الإسرائيلي.

وكان الإعلام الإسرائيلي مع بداية أكتوبر تشرين الأول الحالي ومرور 50 عامًا على حرب السادس من أكتوبر 1973 منهمكا في تحليل لماذا فاجأت تلك الحرب إسرائيل وإذا بالسابع من أكتوبر يفاجئ الإسرائيليين بهجوم غير مسبوق، ليس من دولة بل من (حركة مقاومة) كان الهجوم الذي شنته حركة حماس على إسرائيل غير مسبوق من حيث الحجم والعنف، وجاء دون سابق إنذار، لكنه جاء نتيجة لعقود من الاضطهاد الإسرائيلي للشعب الفلسطيني صاحب الأرض والدولة. ولا أعلم هل سيشهد العالم سيناريو يشبه أبراج التجارة وما حصل بعدها من تغيير في ملامح القوى بدأ بالظهور .

الحقيقة المرة أن الداعم الأكبر لحركة حماس هي إيران ماليًا وعسكريًا ايران تفعل ذلك خدمةً لمشروعها الإمبراطوري في العالم الإسلامي وعينها على مكة والمدينة. وحماس تقبل ذلك الدعم وتوظفه خدمةً لمشروعها الفلسطيني ولا لوم ولا عتب عليها في ذلك. العالم ينظر للمشهد بالمقلوب، وهذا متوقع.

على المستوى السياسي كان لقادة الثورة الإيرانية مآرب أخرى للتحالف مع الثورة الفلسطينية، فمن شأن ذلك إكسابهم شعبية في العالم العربي والإسلامي الذي يَعتَبِر فلسطين قضيته الأولى، ومنح الثورة الإسلامية أداة فعّالة لبسط نفوذها الناعم، وبالفعل بمجرد إسقاط الشاه سحبت إيران اعترافها بإسرائيل وطردت بعثتها الدبلوماسية، واستبدلت بمكاتب التمثيل الدبلوماسي الإسرائيلي مكاتب لسفارة فلسطين، وقدمت الدعم لمنظمة التحرير.

في ظل الضغوط الإقليمية والغربية والأمريكية على إيران بسبب ملفها النووي وقضايا أخرى، فإنها تُجيد نقل الصراع وتشتيت الأنظار، وإظهار نفسها كمن يملك مفاتيح بعض الأزمات فلا تحل إلا بها. إن الإقليم المشتعل خارج حدود إيران يقلل من احتمالية المواجهة على الأراضي الإيرانية فإيران تعتبر سورية واجهة أمامية وكذلك اليمن، وبذلك تستنزف جهود خصومها، وتجعل من يُفكر بمواجهة إيران أن يضع في حسابه جبهات محتملة الانفجار، فاليمن وسورية والعراق ولبنان، وبدرجةٍ أقلّ في فلسطين. هذه الأزمات المُتجددة والمفتوحة وقضية فلسطين في مقدمتها تُشتت التركيز عن إيران وفي نفس الوقت تجعل من إيران لاعبا مؤثرا ومركزيا في المنطقة فلا يمكن تجاهله في أي صراع أو تسوية في المنطقة.

الذي يهمنا اليوم هو الموقف المصري الذي لا بد أن يكون حاسما في رفض مشروع التهجير الفلسطيني إلى الأراضي المصرية؛ لأن بعض الأصوات ممن تدعي الوطنية تروج لأفكار هدامة وهي أن إسرائيل لا تمثل خطرا على مصر بل هي من ساعدت في التصدي للخطر الإرهابي القادم من غزة.

إيران اليوم تستغل ابتعاد الأنظمة العربية عن دعم المقاومة الفلسطينية، وتنظر إلى دعمها لحماس بأنها الوسيلة الأبرز لتعزيز نفوذها الإقليمي، وتبرير سياساتها التوسعية المعروفة باسم تصدير الثورة، ولا أفضل من المقاومة الإسلامية حماس كحليف سني يزيد من قدرتها على العمل في محيطها العربي والإسلامي، ويكسر صبغة التعصب الطائفي في سياساتها الإقليمية، ويضمن لها موضع قدم صلب في القضية الفلسطينية لما تحمله من أهمية سياسية تكمن في القدرة على مناكفة واشنطن وتل أبيب. ولا يمكن تجاهل أيضا البُعد الأمني في نظرة طهران لقضية فلسطين، حيث إن خلق خط دفاع مُتقدِّم مع الاحتلال يعفي إيران من خوض حروب مباشرة مع إسرائيل أو الولايات المتحدة.

يستخدم النظام الإيرانيّ القضية الفلسطينية لتعزيز شرعيته الداخلية، ويُشكِّل دعم المقاومة مادة للتنافس والمزايدة السياسية بين المحافظين والإصلاحيين في سياق التنافس على السلطة والموارد المحلية. وعلى الجهة المقابلة تسعى حماس من خلال توثيق هذه العلاقة إلى تشكيل جبهة عمل سياسي وعسكري لإضعاف هيمنة إسرائيل ونفوذها الإقليمي، ولتعزيز الشرعية السياسية للحركة ومشروعها المقاوم، وتوفير الدعم المالي والعسكري كالتدريب والسلاح وتقنيات التصنيع العسكري.

لكن مثل خروج حماس من سوريا ومواقفها المؤيدة للثورة لاحقا صدمة لإيران، التي خفضت دعمها للحركة، وشن إعلامها وإعلام حلفائها هجومًا على حماس وصل إلى اتهامها بالخيانة، وبدا أن العلاقة بين الطرفين ذاهبة باتجاه القطيعة، لكن صمود الحركة في وجه العدوان الإسرائيلي على القطاع عام 2012 دفع إيران إلى استئناف الدعم العسكري للحركة، مع محاولة التمييز في التعامل بين الجناح العسكري في قطاع غزة وبين قيادة الحركة السياسية، وبالفعل فقد ظهر بعض التباين في الخطاب والمواقف بين الطرفين، إذ كان تقدير العسكريين لأهمية الدعم العسكري الإيراني يدفعهم إلى التعبير عن التقارب مع إيران، في حين كانت حساسية القيادة السياسية المقيمة في الخارج أكبر تجاه أي تعبيرات من هذا النوع؛ بفعل كثرة اختلاطها مع القوى الشعبية الإسلامية التي تعاني من السياسات الإيرانية الإقليمية.

والغير متوقع هو لماذا خامنئي إيران دس رأسه في الرمال عندما جد الجد بعد أن كان يروج بأنه الداعم الأول بل والراعي الرسمي لمحور المقاومة، ولن تتحرك حماس وفصائل المقاومة خطوة واحدة إلا بتوجيه منه ودعم لوجستي بل ووعود بحمايتها إذا لزم الأمر، لا تركهم في منتصف الطريق يواجهون مصيرهم بعد أن تكالب أعداء الأمة وحددوا وجهتم بل وباشروا فعليًا في قرارهم وهو المضي في تدمير قدرات حماس وتغيير وجه القطاع، بل وتمادوا أكثر ووجهوا صفعة شديدة لحزب الله بعد أن أعلن موقف الحياد .

ما يقع الآن في غزة ليس جنونا من حماس؛ لأن حماس كانت تدرك نوع الفاتورة وحجمها، وما كانت تقدم حماس على هذا إلا بشعورها بموافقة محيطها العربي والسعودي؛ لأن التوقيت هو 7 أكتوبر و6 أكتوبر 1973 يعني الانتصار العربي الأول ومعبر رفح مفتوح وسيارات الإسعاف على الأبواب والأطباء والمخابرات المصرية حاضرة في قلب الحدث.

وما يؤكد ذلك هو عدم وجود للذباب الإلكتروني العربي وعدم تحميله حركة حماس المسؤولية كالسابق. والصمت الخليجي الذي يكاد يشير إلى أن المنطقة ستشتعل والحرب ستكون خطيرة والتوقع لانفجار جماهيري في الشارع العربي قد يغير بعض الأنظمة وعلى رأسها مصر والسعودية وبكل الاحتمالات إما نهاية ما بقى من العالم العربي أو ولادة عالم عربي جديد.

صرحت إيران بعدم علمها وتنسيقها لمعركة طوفان القدس لكنها أشادت بالعملية.. النجاح الاستخباراتي لحماس كان واضحا بكل المقاييس عملية تطلبت أشهرا من التخطيط والتدريب، وهو أمر لا يمكن إنكاره، حزب الله حاول أن يغطي على فشله وخيبته بأنه داعم للمقاومة الإسلامية حماس وأنه سيفتح جبهة أخرى فأطلق بعض الصواريخ كي يلفت الأنظار إليه إعلاميا لكن محاولاته باءت بالفشل، ولكنه يعلم أن منطق القوة هو الذي يفرض نفسه، والمستقبل القادم لن يكون كما كان قبل معركة طوفان القدس

حركة حماس لن تتخلى عن دعم إيران، وإيران كذلك ولكن تحتاج حماس والمحللون معرفة دوافع إيران من دعمِ الحركة التي لا تتفق معها مذهبياً، ولا تَتماهى معها في كثيرٍ من القضايا الإقليمية وفي مقدمتها الثورة السورية مع ما يجلب لها من تضييق وضغوط من الأطراف الداعمة لإسرائيل وعلى رأسهم أمريكا. بنظرةٍ واقعية فإن الدول ليست جمعيات خيرية تهب أموالها دون مقابل، لذا فإن هذا المقال يسعى للوقوف على الخلفيات والمصالح الأصيلة، والتي تبْتغيها إيران من الدعم الذي تمنحه لحماس.

إيران التي تمتلك مشروعا توسعيا تحت مبدأ تصدير الثورة وتحت غطاء نصرة المُستضعفين ومن هذا المُنطلق يبرز أحد الأسباب في دعم حماس من سمات مشروع إيران أنه إقليمي وهذا يعني أنه يبغي تأثيرا في البلاد العربية والإسلامية، والطيف الأكبر من هذه الشعوب يؤيد المقاومة، ويُعادي إسرائيل، وهنا تظهر إيران على رأس تطلّعات شعوب المنطقة. فدعم حماس التي لها رصيد جماهيري داخلي وخارجي يُكسب إيران قوة ناعمة كنموذج يجذب إليه مُحبي حماس والقضية الفلسطينية، لذا فإنك تسمع من بعض النخب العربية وعوامهم من يمدح إيران، ويدعم مشروعها طواعية، والسبب المقاومة وفلسطين. إيران عبر دعمها لحماس تظهر نفسها كمشروعِ الأمة الإسلامية وليس لطائفة الشيعة فحسب، لأن حماس مقاومة سنية، ولا يوجد عندها مؤشرات ولا توجهات مذهبية للتقارب مع الشيعة.

إيران اليوم تدرك دور حماس المحوري في القضية الفلسطينية، ومع اندلاع الثورة السّورية، وعدم تأييد حماس لنظام بشّار؛ تراجعت علاقة الحركة بإيران، وانحسر الدّعم، ولكن دون حدّ القطيعة. أواخر 2017 مثّلت زيارة وفد من حماس لطهران إعلان تعافي العلاقة مما عكرها، وعودة الدعم الإيراني غير المشروط كما جاء على لسان أكثر من مسؤول حمساوي. وتحت التوصيف السابق، فإن إيران تدعم حماس عدو إسرائيل اللدود، حتى تظلّ إسرائيل منشغلة باحتلالها، لأن الأمور لو استقرت في فلسطين بما تشتهيه إسرائيل، فإن خطوات الهيمنة ستتوسع في المنطقة، وهذا قد يكون في بعضه على حساب التوسع الإيراني، فوجود الجبهات المفتوحة حول إسرائيل مثل غزة، أو تلك المحتملةِ في لبنان وسوريا؛ يُمثّل أحد وسائل إيران في تعديل ميزان القوى في صراع النفوذ مع إسرائيل. أما إسرائيل فاستغلت تدخلات إيران وجعلتها فزاعة لتحرف الأمة عن صراعها مع الاحتلال، وتجلّى ذلك في تخطّي ما كان محرّمًا بالسابق، عبر إعلان مؤشرات التطبيع مع بعض الأنظمة العربية.

طبيعة العلاقة التنافسية بين إسرائيل وإيران تقف في خلفيات دعم الأخيرة لحماس. يذهب البعض بعيداً في نظرية المؤامرة؛ بوصفه الصراع الإسرائيلي الإيراني بأنه خيوط مسرحية ليس إلا وما يجمعهم أكثر مما يفرقهم، ويغالي آخرون بجعل إيران عدو إسرائيل عقائديًا ووجوديًا وأن من غاياتها الكبرى تحرير فلسطين، إسرائيل كَكيان توسعي يسعى للهيمنة على المنطقة، وفي سبيل ذلك تبنت استراتيجية من مُفرداتها أن تُعيق صعودَ أيّ دولة مؤثرة حتى لا تتفوق عليها في الإقليم، وبهذا فالطّموح الإيراني التوسّعي يتعارضُ مع بعض مصالح إسرائيل، فالعلاقة للتنافس أقرب منها للعداء. ولوغُ إيران في الدم السوري، ودعم الانقلاب الحوثي من الأدلة التي تُثبت أنّ إيران ليست بوصلتها إلى نصرة المُستضعفين بل ما يمكن لتوسعها وطموحها.

عام 1992 قامت إسرائيل بإبعاد ما يَربو على 400 قائد وكادر فلسطيني إلى مرج الزهور في جنوب لبنان، وغالبيتهم من حماس. هذا الحدث في بعض أبعاده مكن لحماس انفتاحاً خارجيا وأكسبها تعاطفا تباين شعبيا ودوليا وجاءت وفود إيران وحزب الله لمخيم المُبعدين تقدم الدعم لهم، وعلى إثر ذلك زادت معرفة إيران بطبيعة الحركة، ونمت العلاقة بينهما نوعا ما 2006 فازت حماس بالانتخابات التشريعية وشكّلت الحكومة العاشرة، والتي حوصرت بشكل كبير. وهنا نستشهد خلفية المشهد اي انه لا يمكن إغفال دور كل من مصر ودول الخليج وعلى رأسها السعودية التي لم تأل جهدا لإبعاد حماس عن إيران، وذلك بتشجيعها على الخروج من سوريا، وعلى إجراء المصالحة الفلسطينية بهدف ضمها إلى اصطفاف سياسي سنّي في مواجهة إيران الشيعية، وهو ما حصل في اتفاق القاهرة عام 2011 واتفاق الدوحة عام 2012. لكن هذه الدول لم توفر بديلًا سياسيًا ولا ماليًا ولا عسكريًا يغني حماس عن علاقتها بإيران، بل كانت تدفعها باتجاه قبول حل الدولتين وقيادة عباس للنظام السياسي الفلسطيني، ولم يقتصر الأمر على ذلك، فبالتزامن مع الانقلاب العسكري على حكم الإخوان في مصر منتصف عام 2013، بدأت هذه القوى في ممارسة ضغوط غير مسبوقة على الحركة، وهو ما أضعف جدوى المراهنة على المعسكر السني لتحقيق هدف نشوء الحركة، وهو مقاومة الاحتلال إلى حين زواله عن فلسطين كاملة..

مقالات متعلقة