لقاء العدد (13) مع الباحث والسياسي ومدير المركز السومري للإعلام الدكتور "فارس المهداوي":
الميثاق/ كيف تقرأ مسار العملية السياسية بعد 18 عاما من الفشل والصراع على السلطة بين أطرافها؟
المهداوي/ - العملية السياسية في العراق قدمت أسوأ نماذج الأنظمة السياسية في العالم منذ قرون، فهذه العملية حطمت بشكل ممنهج كل معاني الدولة والحوكمة الرشيدة وبناء الإنسان إنطلاقاً من تسميم المناهج التعليمية لكل المراحل وتعميم الممارسات الظلامية ذات الصبغة الطائفية وتكريسها كواقع ثقافي واجتماعي للشعب العراقي وخاصة أبناء الطائفة الشيعية منهم، كما أفرزت هذه العملية عِبر سنيها الثمانية عشر كل مدارس الإرهاب لتسيح في أرض وادي الرافدين حاملة رايات شتى لغرض زيادة الشحن الطائفي والعقائدي بين مكونات هذا الشعب الذي جُبِل عبر تاريخه على التسامح والعيش بوئام.
إن العملية السياسية التي تم هندستها في الولايات المتحدة وإيران نفذت بحرفية مطلقة لتدمير الذات العراقية ومسخ هوية شباب العراق جيلا بعد جيل، وكان لابد من قتل الآلاف وتشريد الملايين وتغييب الكثير من أبناء هذا الشعب تخلصاً من جيلٍ يحمل عبق الماضي والحاضر قبل احتلال العراق، كما أدخلوا شعب العراق في فقر مدقع ونشروا بين صفوفه المخدرات وعمموا الفساد في كل شؤون الحياة، حتى أمسى العراق في ذيل كل قوائم الشفافية وحقوق الإنسان والتغييب القسري ومعدلات الفقر والأمية والأمراض المتوطنة. نعم لقد كانت سني عصيبة وهي الآن تشهد ذروة الصراع بين أطراف العملية السياسية خاصة بعد أن فقدت هذه الأطراف الشخص الضابط لها والمهيمن على قراراتها وهو الجنرال الإيراني قاسم سليماني.
الميثاق/ هناك من يراهن على الانتخابات المقبلة رغم أن أحزاب السلطة وميليشياتها هي من تقرر نتائجها بالتزوير؟ كيف تفسر ذلك؟
المهداوي/ لابد من الإشارة إلى أن الانتخابات المقبلة مهمة جداً؛ ليس لإنها "انتخابات" ستكون نزيهة وشفافة وبإشراف دولي، كما يروج لها، بل لإنها تستهدف تغيير وتعديل المزاج الشعبي العراقي الرافض للعملية السياسية والنظام المتشكل بإرادة خارجية بعد 2003م، وهذا أيضاً أعد بشكل منظم ولكن هذه المرة بتركيز أمريكي أكبر على مشاركة الأطراف الموالية لواشنطن في الحصول على فرص أعلى من الأصوات فيها، كما تستهدف في الصميم، تعطيل المد الثوري للشباب العراقي الرافض لكل أشكال وأنماط الأحزاب والكتل والكيانات التي أنتجتها مكاتب المخابرات الأمريكية والإيرانية، وذلك من خلال تكليف رئيس الوزراء العراقي الحالي، مصطفى الكاظمي، بتحييد بعض شباب انتفاضة تشرين المباركة وإقناعهم بتشكيل كيانات سياسية سيساعده هو شخصيا على تسجيلها رسميا بوزارة الداخلية ثم خوض الانتخابات بها بدل الخروج لتظاهرات تزهق فيها أرواحهم ودمائهم، وفي هذا مكيدة كبيرة ربما مضت على بعض الشباب فسار في طريقها لكنهم في حقيقة الأمر سيجدون أنفسهم في نهاية المطاف ضمن دائرة العملية السياسية التي استشهد رفاقهم بسببها.
الميثاق/ وكيف تفسر استباق بعض أطراف العملية السياسيىة لنتائج الانتخابات المقبلة؟
المهداوي/ إن عملية استباق النتائج للانتخابات المقبلة هي جزء أساسي من عمليات التأثير النفسي على الناخبين ودفعهم لاختيار هذا الفصيل أو ذاك المكون تبعًا لحجم الترويج والدعاية التي يتمكن من نشرها بين أبناء طائفته أو الجماعات القريبة منها، كما يشير هذا الأمر إلى حجم الصراعات بين أطراف العملية السياسية، وحجم التوتر القائم ذاتيا خوفا من فقدان مراكز القوة والرشوة والجريمة المنظمة التي منحتهم إياها مواقعهم في الحكومات المتتالية عبر 18 عاما، لذلك أنا شخصيا لا أستبعد أن تتحول العلاقات بين بعض الكتل الكبيرة في العملية السياسية إلى مواجهات مسلحة في أنطقة معينة خاصة وأن هذه الكتل تؤمن بأن هناك مسعىً غربيا بشكل عام لتعديل العملية السياسية قبل فوات الأوان بعد تجربة انتفاضة تشرين المباركة وحجم التأييد الشعبي العراقي والدولي لها.
الميثاق/ ماهي السبل الكفيلة لبلورة قاعدة للعمل الوطني المشترك لمواجهة ظلم السلطة الغاشمة ومشروع الاحتلال وعمليته السياسية؟
المهداوي/ لا يجب أن يكتفي الجميع بالتعليق عما يجري أو جرى في العراق منذ عام 2003 حتى الآن، رغم أهمية أرشفة وتثبيت هذا الأمر، كون كل جرائمه لم ولن تسقط بالتقادم الزمني، لكننا وبخاصة التنظيمات والتجمعات والقوى الوطنية على اختلاف مشاربها وتوجهاتها، مطالبون بموقف يجعل العالم يميز بين الأبيض والأسود بوضوح، موقف تنظيمي وليس خطابي فقط، يتحرك باتجاه كل دول العالم دون استثناء ليقدم نفسه كبديلٍ للعملية السياسية في العراق بشكل سلمي ولكن بوسائل قوية تقنع الآخرين بامتدادات هذا التنظيم وجذوره الشعبية داخل العراق ولكافة طوائف وقوميات وأديان العراقيين.
الميثاق/ منذ تشكيله وانطلاقه قبل سنتين والميثاق الوطني العراقي يعمل بجد لبلورة اصطفاف وطني عابر للطائفة والعرق ؟ كيف ترى هذا المسعى؟
المهداوي/ من حسن حظي أني كنت أحد الحاضرين في حفل إعلان الميثاف الوطني العراقي، ومن الذين أقسموا عليه ضمن الكثير من الحاضرين الأفاضل من كل منابع العمل السياسي الوطني العراقي، والميثاق كبنود ومن قبل البنود، كنوايا للمتوافقين عليه، يمثل دستور عملٍ يمكن أن يشكل طوق نجاةٍ للحالة السياسية والأمنية والاقتصادية في العراق، خاصة وأن من بين الموقعين على هذا الميثاق هيئة علماء المسلمين، والهيئة التي لم تتزحزح يوما عن مواقفها المبدئية والحقوقية للمطالبة بتحرير العراق من الاحتلال الأمريكي- البريطاني أولاً، ثم الاحتلال الإيراني البغيض، ولإنها كانت دائماً تمثل غُصةً في حلق الذين تواطئوا مع أطراف الاحتلال كافة، فإنها بتقديري تبقى الجهة الوحيدة المؤهلة لحمل راية تحرير العراق وقيادة مسيرة التحول التاريخي فيه.
الميثاق/ كيف تقرأ سعي بعض القوى المرتبطة بالمشروع الإيراني إلى تحويل العراق إلى ساحة للصراع الدولي على النفوذ والهيمنة؟
المهداوي/ لابد أن نعرف حقيقة لا ترتبط بالعراقيين فقط، وإنما يمكن اعتبارها حالة عامة، فاستقرار الحال في العراق، يعني أن يتفكر العراقيون في أحوالهم، وأن يستعرضوا المصائب التي مرت بهم، ويتذكروا من فقدوهم موتاً أو سجناً أو تهجيراً، ومن هنا يكون الشعب جاهز لأي حراك يعيد له كرامته واعتباراته الأخلاقية والقيمية وسواها، لذلك فإن الجانبان، الأمريكي والإيراني، يتناوبون على جعل الحالة في العراق غير آمنة، وربما لا أبالغ إذا ما قلت أن كل من يظن أن هناك صراع بين الدولتين على أرض العراق فهو ربما يكون واهماً، قد تكون هناك بالونات اختبار بين الفترة والأخرى، لكن لا يمكن لأمريكا أن تسيطر على العراق وتأمن البقاء فيه دون إيران، كما لا تستطيع إيران فرض نفوذها على مناطق شاسعة من أرض العراق دون أن يكون هذا الوجود مؤمنٌ من قبل القوات الأمريكية.
الميثاق/ ماهي مخاطر إبعاد العراق عن محيطه العربي لصالح المشروع الإيراني الهادف إلى تغييب هوية العراق العربية وسلخه عن محيطه العربي؟
المهداوي/ مخاطر إبعاد العراق عن محيطه العربي باتت واضحة لكل أبناء الأمة العربية، فالانسياح الإيراني في بلاد الشام واليمن، وتهديد أمن دول الخليج العربي وبخاصة المملكة العربية السعودية والبحرين، وقد قامت الجماعات الموالية لإيران التي هيمنت على غالبية المفاصل الاقتصادية والسياسية للعراق، على جعل العراق معزولاً عن محيطه الإقليمي والعربي خصوصاً. ولابد من القول إن واحدة من أهم وسائل العزل كانت تحويل خطاب العراق (الرسمي) إلى خطاب طائفي محدد ومتعارض بشكل متشنج ووقح للخطاب العربي البعيد عن الطائفية، ثم عمد الموالون لإيران في العملية السياسة العراقية إلى تأزيم المشهد الأمني داخل العراق وعلى بعض المناطق المحيطة به وترويج أفكار باتت شعارات للمليشيات الولائية لاحقاً توسم المملكة العربية السعودية وقطر والإمارات بالإرهاب وتصدير الإرهابيين، وهو ما جعل أي محاولات للتقارب بين العراق والمحيط العربي يواجه بهجمات إعلامية شرسة، تتزامن مع عمليات إرهابية داخل العراق تهيأ لإجهاض محاولات التقارب هذه.