لقاء العدد (18) لصحيفة الميثاق مع الدكتور علي الجابري
"رئيس تحرير صحيفة يورو تايمز السويدية ورئيس اتحاد الصحفيين العرب في السويد"
الميثاق| تنهضون بدور إعلامي خارج الوطن، كيف تتعاملون مع الحملة الدولية لمكافحة إفلات المجرمين من العقاب؟
الجابري| نحن نعتقد أن ما يمر به العراق منذ ١٨ عاماً من قتل وتهجير وانتهاك لحقوق الإنسان وفساد مالي وإداري، هو نتاج طبيعي لإفلات المجرمين من العقاب؛ ما أدى إلى سيطرتهم على مفاصل القرار في الدولة، وتهديد القضاء الذي يفترض أن يكون الحامي للدستور ولحقوق الإنسان وثرواته في العراق، لذلك كان لا بد من أن ينتخي أبناء العراق في هذه الحملة التي تسعى لإقرار قيم العدالة وإنهاء الجرائم المستمرة بحق الشعب العراقي، وإجبار المجتمع الدولي على عدم دعم الحكومات العراقية المتعاقبة بشكل غير مشروط، حيث ثبت ارتكابها جرائم بحق الإنسانية، لذلك فالحملة موجهة في الأساس إلى المجتمع الدولي ومؤسسات حقوق الإنسان الدولية لممارسة دورها بشكل واضح في العراق بعيدا عن النفاق والشعارات.
الميثاق| لاسيما وأن الكثير من رموز العملية السياسية وأذرعها متورطون في التستر على المجرمين وحمايتهم، كيف؟
الجابري| جميع رموز العملية السياسية في العراق ساهموا بشكل أو بآخر في التستر على المجرمين وحمايتهم، بل إننا نضع الكثير منهم في خانة المجرمين وليس المتسترين، حيث لعبوا دوراً كبيرا في تشكيل فرق الموت والميليشيات التي تقتل وتهجر أبناء الشعب العراقي، كما ساهموا بقتل العراقيين من خلال سرقة ثرواتهم وتجويعهم، وبعضهم يُتـّهم بالخيانة العظمي والتخابر مع دول أجنبية، وبعضهم الآخر يساهم في تدمير الاقتصاد والزراعة في البلاد من أجل أن يبقى العراق رهينة الاستيراد من إيران على سبيل المثال. وانطلاقا من ذلك فأنا اعتقد أن أغلب رموز العملية السياسية متورطون بالجرائم المرتكبة بحق الشعب العراقي، ولا نستثن احداً منهم، بما فيها حكومة الكاظمي التي أخلت بوعودها في ملاحقة قتلة المتظاهرين، وكانت امتداداً للحكومات السابقة في حماية القتلة والخضوع للميليشيات العميلة التي ترتكب يوميا جرائم يندى لها الجبين بحق الشعب العراقي.
الميثاق| كيف تقرأ قرار مقتدى الصدر بمقاطعة الانتخابات المقبلة، ما هي الأبعاد السياسية لهذه المسرحية؟ وهي ليست المرة الأولى؟
الجابري| بغض النظر عن الأبعاد السياسية لقرار الصدر بالانسحاب من الانتخابات المقبلة، وأهدافها المعلنة والخفية، أجد أن محاولات بعض القوى السياسية التي رسخت بقاء العملية السياسية الفاسدة طيلة السنوات الماضية، الانسحاب من الانتخابات ما هو إلا دليل على صحة نهجنا وقرارنا في مقاطعة الانتخابات الوهمية، التي غالبا ما تأتينا بذات الأحزاب والكتل المتورطة بقتل ونهب ثروات العراقيين، هذه الأحزاب تحالفت على تزوير إرادة العراقيين طيلة الدورات الانتخابية السابقة، استخدمت نفوذ السلاح الميليشياوي، والمال السياسي المنهوب من العراقيين للبقاء على رأس السلطة، من أجل مواصلة خدمة المشاريع الخارجية التدميرية، ومواصلة نهب ثروات العراقيين وإذلالهم.
لذا فإنني لا أقيم وزنا لأي انسحاب من الانتخابات البرلمانية المقبلة من قبل أي من الأحزاب المشاركة بتدمير العراق ونهب ثرواته، وما تلك الخطوات، إلا محاولات لذر الرماد في العيون والتبرؤ من الجرائم والانتهاكات بحق العراقيين. لكن ما يجري يوصل رسالة واضحة للمجتمع الدولي بصحة موقفنا من مقاطعة مسرحية انتخاباتهم الهزلية التي تشارك في بطولتها ممثلة الأمم المتحدة في العراق جينين بلاسخارت.
الميثاق| أين تضع مسرحية الإعلان من قاتل هشام الهاشمي في تضليل الرأى العام والتستر على الجهة التي أوعزت للقاتل بتنفيذ جريمته؟
الجابري| أنت اسميتها مسرحية، وأنا اعتقد أنها مسرحية فاشلة، تزامنت مع حملة العراقيين في كل دول العالم للمطالبة بإنهاء الإفلات من العقاب.. ما تقوم به هذه الحكومة هو دور متخاذل وجبان، وهي تتخلى حتى عن أقرب المقربين إليها، بخضوعها التام للميليشيات الإيرانية الإجرامية التي تورطت باغتيال الكثير من الناشطين والصحفيين العراقيين، وما قصة الهاشمي إلا دليل صارخ على تخاذل الدولة وخضوعها للقتلة.. فَمنْ لا يعرف من هي الجهة التي هددت باغتياله، وهل ننسى أن المجرم والعميل الإيراني المدعو أبو علي العسكري هدد نهارا جهارا باغتيال الهاشمي، كما هدد بقطع أذن رئيس الوزراء؟! لكن الكاظمي أضعف من أن يقف بوجه ميليشيات كتائب حزب الله وغيرها من ميليشيات خامنئي في العراق.
أنا أقول إن قتلة العراقيين ثلاثة (المفتي بالقتل، والمحرض، والمنفذ) وهؤلاء نعرفهم جميعا، وستصل إليهم يد العدالة يوما مهما طغوا وتجبروا، ومهما تخاذلت الحكومات العميلة وتسترت عنهم، كما إننا نقوم بخطوات قانونية لملاحقتهم في الخارج، عبر إجراءات ستعلن تباعا.
الميثاق| كيف تفسر تردد القوات الأمريكية بالرد على استفزازات الميليشيات المرتبطة بإيران؟
الجابري| القوات الأمريكية لا يمكنها السكوت عن التهديدات الحقيقة لوجودها في المنطقة، لكنها تتغاضى عن الجعجعات و"البروباغاندا" الإعلامية التي تقوم بها ميليشيات خامنئي في العراق، لأنها لا تشكل تهديداً حقيقاً لها!! لأن الوضع الحالي الذي يقوم على خلق صراع وهمي بين الطرفين يضمن لكل منهما تحقيق أهدافه الخفية، وتعزيز وجوده في المنطقة.. وكلاهما لا ينظر إلى مصلحة الشعب العراقي، وإنما إلى تعزيز نفوذه في المنطقة، وهذا لن يحصل ما لم يستمر "صراع الديكة" الوهمي بينهما، فكلاهما مستفيد من الوضع الحالي.
الميثاق| وهل تعتقد أن إدارة الرئيس بايدن استدارت عن الملف العراقي، وما هي مخاطر استثمار إيران لهذه الاستدارة؟
الجابري| كما ذكرت سابقاً، الإدارة الأمريكية لا تنظر إلى مصلحة الشعب العراقي، وإنما إلى مصالحها في المنطقة.. ما نعتبره تهديداً للعراق ومستقبله، لا يعد تهديداً للولايات المتحدة ومصالحها في المنطقة، لذا علينا التعامل بواقعية مع طبيعة الصراع الأمريكي الإيراني، وأن لا نراهن على الموقف الأمريكي الذي يبنى أساساً على مصالحها في المنطقة لا مصالحنا.. ولدينا شواهد كثيرة على تحالف بين الولايات المتحدة وإيران وأحزابها العميلة وميليشياتها الإجرامية في العراق.
أما الفرق بين إدارة بايدن عن الإدارة السابقة، فإنه نهج ليس بجديد على الولايات المتحدة التي تختلف تكتيكاتها بحسب قيادة أحد الحزبين الرئيسيين في البلاد، لكن المصالح الاستراتيجية لا تتغير مع تغير وجه الرئيس الأمريكي مطلقاً.
الميثاق| ما هي مخاطر التغول الإيراني في العراق عبر عسكرة أذرعها للمجتمع وهيمنتها على القرار العراقي؟
الجابري| خطر النفوذ الإيراني في العراق لا يمكن مقارنته بأي خطر آخر، فلو تحدثنا عن النفوذ الأمريكي، فإنه غالباً ما يرتبط باتفاق مع الحكومة أو بعض الأحزاب القريبة منها، كذلك الحال مع أي نفوذ أجنبي في العراق.. لكن النفوذ الإيراني يشكل خطراً حقيقاً لأنه يُبنى على أساس استغلال الطائفة والمذهب، وعلى أساس خداع العراقيين بدورها في محاربة الإرهاب في العراق، وتغولها يمتد إلى المجتمع العراقي وعشائره ومؤسساته الإعلامية والاجتماعية والإنسانية ولا يقتصر على الدور السياسي والنفوذ الميليشيوي فقط!! التغول الإيراني نجح إلى درجة أنه يقوم باستثمار ثروات العراق وميزانية وزارته لخدمة المشروع الإيراني في العراق، من خلال ترشيح وزراء وحكومات تنقاد تماما لأوامر أي مسؤول إيراني يعنى بالملف العراقي.. والخطر الأكبر أن الكثير من السياسيين العراقيين "سنة وشيعة" باتوا على قناعة تامة أن الحصول على المناصب أو البقاء على رأسها، مرهون برضا إيران عن هذا أو ذاك، وللأسف نجد أن أغلب السياسيين العراقيين يهرولون إلى طهران لإعلان الولاء والطاعة لنظام خامنئي من أجل الحصول على منصب معين.
وهذا النفوذ لا يمكن مقارنته بأي نفوذ أجنبي أخر في العراق، وهنا تكمن خطورته.
الميثاق| كإعلامي يتابع باهتمام بالغ القضية العراقية ويحللها؛ كيف تقرأ مسار الأحداث بالعراق ودور القوى الوطنية المناهضة للاحتلال وعمليته السياسية؟
الجابري| اعتقد أن القوى الوطنية المناهضة للاحتلال والعملية السياسية هي أقوى وأقدر من أحزاب السلطة العميلة، لكن ينقصها الكثير من الخطوات لتحقق أهدافها، أولها أن تتوحد فيما بينها وتوحد خطابها الوطني وتترك الخلافات الجانبية، فهي إن تختلف في طريق الوصول إلى الهدف، عليها أن تتفق على الهدف نفسه وتوجه طاقاتها وإمكاناتها لذلك بعيدا عن الصراعات الجانبية.. كما أن على بعض القوى الوطنية المعارضة أن تدقق جيدا في بعض دعاة الوطنية الذين سبق أن تورطوا في مشاريع مشبوهة ضمن أحزاب السلطة العميلة، فليس كل من اختلف مع أحزاب السلطة أو النظام السياسي الحالي يعد معارضا حقيقياً، فهناك منهم من تضررت مصالحه، ويحاول أن يصفي حساباته مع تلك الأحزاب عن طريق وضع نفسه في خانة المعارضة! لذا لا يمكن مجاملة هؤلاء والسكوت عنهم ولا بد من فرز الصفوف وعدم منح فرصة للمتسلقين والانتهازيين من ركوب موجة المعارضة.. فهؤلاء يسيئون للخط الوطني ولقدرته على إنهاء هذه الأحزاب العميلة والفاسدة.
الميثاق| مسلسل الحرائق وانفلات الأمن وتغول الميليشيات وموجة الغلاء والفقر وضعت العراق على اعتاب الانهيار الشامل؟ إلى أين يتجه العراق؟
الجابري| العراق يسير في الاتجاه الخاطئ منذ عام ٢٠٠٣ حتى الآن، وما يحصل الآن هو نتاج لسنوات من التجهيل والنهب والسرقة والقتل والتخوين والتهجير .. هناك طبقة منتفعة لديها مصالح مع أعداء العراق تحالفت معهم في اتفاقية "ثروات العراق وإرادته السياسية مقابل البقاء في السلطة"، وهناك شعب يتعرض لشتى أنواع القمع والاضطهاد والنهب المستمر لثرواته وخيراته وإرادته السياسية!! هذه المعادلة التي يقوم عليها العراق منذ عام ٢٠٠٣ يجب أن تتغير، ويجب أن يكون للعراقيين موقفاً موحداً صلباً، وإلا فإننا نسير إلى الهاوية والتقسيم وتدمير البلد.. استمرار هذه المعادلة يصعب المهمة يوماً بعد آخر، والتعويل على الدور الخارجي في التغيير ضرب من الخيال، فلا أحد يبحث عن مصالحك مثلك.. هذا ما يجب أن يعمل عليه الشعب العراقي إن أراد أن يكون هناك عراقا في المستقبل.
الميثاق| هناك من قارن بين أهداف ثورة العشرين وأهداف ثورة تشرين وعدها تجسيدا لوحدة العراقيين ومقاومتهم للمحتل أيًا كان لونه؟
الجابري| كل ثورات الشعوب تتشابه في قيمتها الوطنية والأخلاقية والإنسانية، ورغم أنني اعتز بثورة العشرين ودورها في رسم مسار العراق السياسي، إلا إنني أسجل لثورة تشرين أنها جاءت بعد سنوات من محاولات زرع الفتنة الطائفية والإرهاب الذي فتك بجميع العراقيين، وميليشيات إجرامية قذرة تأتمر بأوامر أعداء العراق وتمول نفسها من ثروات العراق، وسلطة مجرمة لا تراعي أبسط حقوق الإنسان!! ثورة ولدت من رحم المعاناة واليأس والحرمان وربما حتى فقدان الأمل بغد مشرق لعراق واحد.. وكانت ثورة شبابية واعية رفعت شعار السلمية وبقيت عليها رغم آلة القمع والقتل التي واجهتها.. ثورة جاءت امتدادا لأولئك الأجداد الذين خرجوا في ثورة العشرين واستعادوا وطنهم، لكنها أثبتت أن العراق يمرض ولا يموت، وأن الأعداء مهما حاولوا تدمير وطنية العراقيين، فإن جيلاً سيخرج من تحت الرماد حاملاً بذور الحرية والاستقلال.