بقلم| أ.د. عبدالسلام سبع الطائي
أستاذ علم الاجتماع| ستوكهولم
تساؤلات ومحاكاة انتخابية "!
* هل في العراق "حياة سياسية مستقرة" أم "عملية سياسية" متعثرة؟
* أما للإكراه التشريعي بالتصويت على تعديل قانون الانتخابات باستدعاء "العسكر" انهيار للمناعة التشريعية للنظام القضائي في العراق أم لا ؟
* ألم تكف النتائج الصادمة للانتخابات لتبرهن بأن الأحزاب، أقلية سياسية شاذة في العراق؟
* أليس تعديل القانون يعني عودة للعمل بنظام "سانت ليغو" الانتخابي؟
* فلم التعديل يخلو من "العتبة الانتخابية" والقاسم الانتخابي للفوز بمجالس المحافظات؟!!
* ثم أليس التعديل تحدٍ لمطالب ثوار تشرين وشعب العراق الذي أسقط حكومة عادل عبد المهدي ورفض المشاركة بالانتخابات لما يزيد على 80%. ؟
* هل للتغيير الديموغرافي غرض "جيوسياسي" للتربع على مجالس المحافظات والبرلمان؟
* دراسة أمريكية: للتكوين الديموغرافي الانتخابي انعكاس على المشهد السياسي؟
هذه التساؤلات سنجيب عليها بهذه الورقة
مقدمة
تعد الفوضى إحدى نتائج الإكراه التشريعي، ولعل ما حصل أثناء التصويت على التعديل الثالث لقانون الانتخابات البرلمانية الخاص بمجالس المحافظات والأقضية رقم 12 لسنة 2018، مثالا واضحا على ذلك، مما أثارت غضب الأحزاب المستقلة والصغيرة، لكونها ترى أن هذا التعديل لا يخدم إلا مصالح الأحزاب الكبيرة. لقد بلغ هذا الإكراه التشريعي مداه بإجبار النواب المناهضين على مغادرة قبة البرلمان بالقوة المسلحة، إثر استدعاء حرس المجلس وقوات البيشمركة بالتدخل السريع لإخراج المستقلين؛ لطرد العشرات من النواب المستقلين وغيرهم من القاعة، بعد أن تعالت الهتافات بعبارة (كلا كلا سانت ليغو).
وحري بنا التطرق إلى الجانب الإجرائي لهذا الإكراه التشريعي الذي سيتشكل مستقبلا، بحسب استقرائنا المستقبلي المتواضع، جسر عبور لا نزال عبيد الغزاة والعسكريتاريا الميليشياوية إلى قبة البرلمان، من أجل احتلال مراكز صناعة القرار بغية الوصول بهم إلى سدة الحكم تحت أسنة الحراب. ولا نبالغ بالوصف إن قلنا: إن هذا الإكراه التشريعي بات يعد واحدا من أخطر أسلحة الدمار التشريعي، لأنه سيؤدي لا محال إلى انهيار المناعة التشريعية لنظام العدالة القضائي في العراق، وما له من تداعيات على تقرير مصير أبناء العراق ومستقبلهم .
إن هذه النكبة الفكرية التي تسللت إلى قبة البرلمان عبر المؤسسات الصفوية واليهودية العالمية والأمريكية والبريطانية إلى أروقة التشريع في العراق ستجعل الأحزاب الكبيرة بالبرلمان تمتلك سلطة استبدادية مطلقة في التحليل والتحريم والتبرئة والتجريم، عبر استصدارها مستقبلا سلسلة من القوانين والقرارات، سيكون فيها مصير النواب ذوي الكتل الصغيرة، الانقياد والإذعان والتسليم للأحزاب الكبيرة المزدوجة الولاء والانتماء.!
ولكن وعلى الرغم من هذا وذاك، كانت النتائج الميدانية للانتخابات الأخيرة صادمة للأحزاب المزدوجة الولاء- لكلا المذهبين- واللتان كان قادتها يعشعش في(عقولهم) خيال سياسي ديموغرافي بأنها أحزاب (كبيرة)، لكن صدمة المجتمع الانتخابي لهما، عسى أن يجعلها تستفيق وتستيقن بأنها صغيرة، وطنيا وديموغرافيا، ومنبوذة عربيا وإقليميا ودوليا. نظرا لما يعانيه قادتها وبعض كوادرها، من عقدة الشعور بالنقص الديموغرافي والسياسي، فكانت صدمة الانتخابات، صدمة ديموغرافية وسياسية لهم، أشعرتهم بأنهم، أقلية سياسية شاذة في المجتمع العراقي، العابر للمذهبية والعرقية.
محاكاة في قانون "سانت ليغو" ؟!
تسعى الدول الديمقراطية إلى توطين الحياة السياسية من أجل استقراها، ولا يتم ذلك إلا من خلال سن قوانين تتسم بالعدالة والثبات، وعدم التمايز بين مذاهب وديانات وقوميات المواطنين. ولا مناص من القول هنا، إن في العراق ما تزال هناك "عملية سياسية" متعثرة لم ترتق بعد إلى "حياة سياسية مستقرة"، ولذلك لا تزال تلك العملية السياسية الوافدة بالغزو الديني والعرقي والعسكري وبقوة السلاح، متناشزة مع المجتمع العراقي؛ وعليه فهي لم تستطيع إلى الآن الاندماج لا مع التقاليد ولا القيم والأعراف السياسية العراقية ولا الإسلامية الأصيلة السمحاء؛ لذلك بقيت هذه العملية السياسية، "السايكوباثية" المرضية، غير "ثابتة ومستقرة"، نظرا لما تعانيه من نقص في المناعة الوطنية الواضحة البيان في دستورها، ناهيكم عن هيمنة الفتاوى السياسية التكفيرية عليها، الداعية إلى تأسيس وتقنين الجماعات المسلحة التي تم تصنيفها بالإرهابية، لكونها قوانين "ديمقراطية" شاذة دوليا.
وقدر تعلق الموضوع بقانون سانت ليغو، لمؤسسه عالم الرياضيات الفرنسي، وهو أول من وضع قواعد اللعبة الانتخابية عام 1912، ذلك القانون الذي بناءً على قواعده جرى التعديل الثالث لقانون الانتخابات البرلمانية الخاص بمجالس المحافظات والأقضية، وجدير بالذكر أن لهذا القانون صلة بعودة العمل بنظام "سانت ليغو" الانتخابي المعدل، الذي تبنى قاسم انتخابي محدد، تتراوح نسبته ما بين 1.7و 1.9، وهو يعد تعديل كاريكاتوري للقاسم الانتخابي؛ لكونه يخلو من قاعدة "العتبة الانتخابية" ولاسيما أن تعديلاته قد حصلت ردا على ما حققه الثوار التشارنة الغيارى من إنجازات وطنية، تجسدت باستقالة حكومة عادل عبد المهدي.
وعليه فإن هذا التعديل القانوني يعد بمثابة تحديا وانتهاكا صارخا لمطالب ثوار تشرين وشعب العراق الذي رفض المشاركة بالانتخابات السابقة والحالية بما يزيد على 80% منهم. واستنادا إلى ما سبق، فإن نظام "سانت ليغو" سيكرس هيمنة القوى السياسية الولائية لدول الجوار، وستبقى الأحزاب التقليدية هي لا غيرها ذات النصيب الأكبر والأوفر لغزو قبة البرلمان بالإكراه التشريعي المقنن من قبل تلك الأحزاب، المتناشزة مع بعضها ومع تمثيلها الديموغرافي الشيعي والسني والمتفقة مع دول الجوار أكثر من اتفاقها مع بعضها البعض.
ولكن لا يفوتنا أن ننوه على الأسباب الموجبة للتعديل بأنه يعود إلى تراجع أداء الأحزاب التقليدية وعلى الأخص قوى الإطار التنسيقي لفقدان الثقة فيها. ناهيكم عن الخوف من فوز مستقلين وأحزاب تسللت وركبت موجة ثورة تشرين. واستنادا إلى ما سبق؛ فبعد إقرار مجلس النواب قانون "سانت ليغو" لن تبقى الخريطة السياسية للمجلس كما هي، بل سيعاد سيناريو انتخابات ما قبل 2021، والمتمثل بعودة القوى التقليدية وإدارتها وفقاً لصالحها ومصالحها.
قاعدة العتبة الانتخابية والتغيير الديموغرافي
تشكل العتبة الانتخابية والمفوضية العليا وتعديل قانون الانتخابات، فهي وإن اختلفت أسماؤها لكن هدفها واحد، ألا وهو تأمين الطرق اللامشروعة لضمان حصول أحزاب معينة على أعلى الأصوات للفوز بالانتخابات، بغية الوصول إلى السلطة وتشكيل الحكومة
ولذلك تضمن التعديل الثالث لقانون الانتخابات البرلمانية لمجالس المحافظات والأقضية رقم 12 لسنة 2018 إشارة واضحة وصريحة للتغيير الديموغرافي، نظرا لما له من علاقته في زيادة الأصوات لدعم فوز هذا الحزب أو ذاك. وذلك حسبما ورد في نص أحكام المادة (6) رابعا التي تنص على ما يلي: "يكون مرشح المحافظة من أبناء المحافظة أو من المقيمين فيها بشكل مستمر مدة لا تقل عن 10 سنوات على أن لا تكون إقامته لأغراض التغيير الديموغرافي", وهنا أشير بما تشير به وقائع وواقع عمليات تغيير الغلاف السكاني القسري التي تمت ومازالت تتم من قبل الحشد الشيعي والأحزاب الولائية لإيران، في المحافظات السنية والشيعية لتهجير السنة، هدفها ملئ الفراغ الديموغرافي لقلب الهرم السكاني لصالح الأحزاب الكبيرة وإيران.
ولهذا فإن الكثير من الدول العريقة بالديمقراطية تأخذ بقاعدة (العتبة انتخابية) وهي توجب على الحزب تجاوزها للحصول على مقعد في البرلمان، والعتبة الانتخابية أو ما يطلق عليها بنسبة الحسم، للحصول على: "الحد الأدنى من الأصوات التي ينبغي أن يحصل عليها الحزب ليتمكن من الفوز بمقعد في الانتخابات، أما الحزب الذي يحصل على أصوات أقل من العتبة الانتخابية لا يحق له نيل أي مقعد."
مثال: لو فرضنا أن عدد المصوتين في إحدى محافظات العراق هو مليون مواطن، والعتبة الانتخابية تبلغ (%5)، فإن الحزب الذي لا يحصل على (50) ألف صوت لا ينال مقعدا بالبرلمان. بلا أدنى شك، إن الدول الديموقراطية تختلف في تحديد نسب العتبة الانتخابية فأقل الدول نسبة هي هولندا حيث تبلغ (0.67%) وأكثرها في تركيا (%10)، في حين تبلغ في الدانمارك وقبرص (%2)، إسبانيا واليونان (%3)، إيطاليا، النمسا، السويد، بلغاريا، البانيا (%4)، المانيا، فرنسا، روسيا، بولندا، نيوزيلندا، ألمانيا، كرواتيا، التشيك، رومانيا، ليتوانيا، المجر، بولندا، تونس، استونيا، أوكرانيا، أرمينيا، (%5)، جورجيا (%7)"
في العراق يبدو أن المشرّع في التعديل الثالث لم يدون فيه أي فقرة ذات صلة ب(العتبة الانتخابية) بل قام فقط بتقليل عدد الأحزاب الناشئة المشاركة في انتخابات مجالس المحافظات للحد من فوز عدد منها!.
تداعيات التكوين الديموغرافي على تشكيل مجالس المحافظات
لابد من التأكيد بأن هناك متلازمة ما بين التكوين الديموغرافي الانتخابي وتداعياته على انتخاب وفوز المجتمع المحلي والنيابي لهذا الحزب أو ذاك. وبهذا الصدد، فإن روب كرفنRob Griffin مدير بحوث الديمقراطية في الولايات المتحدة, الأمريكية الذي بحث مع زملائه،Ruy Teixeira روي تيكسير الخبير بمركز التقدم الأمريكي إضافة إلى الخبير William H. Frey، حيث قاموا عام 2020 بدراسة تأثير التكوين الديموغرافي الانتخابي على المجتمع المحلي والنيابي وتداعياته على المشهد السياسي للحزبين الرئيسين الأميركيين، الديموقراطي والجمهوري، افترضوا في دراستهم عددا من سيناريوهات الانتخابات المستقبلية من خلال تتبع المسار المحتمل للتغيير الديموغرافي في جميع أنحاء البلاد للفترة من 2020 إلى 2036 - التي يتوقع أن تحصل فيها تلك المتغيرات بسبب تغير التركيبة السكانية لأمريكا وولاياتها الخمسين على مدى العقود العديدة القادمة. وكان من بين تلك لفرضيات في دراستهم لعمليات المحاكاة الانتخابية الخاصة، عددا من تفضيلات الحزب لمجموعة ديموغرافية معينة محددة بحسب العمر والعرق والتعليم (5).
على صعيد العراق ما حصل من عمليات تغير ديموغرافي بعد الاحتلال الأمريكي الإيراني لقلب الهرم السكاني بتغير الغلاف الديموغرافي للحصول على مزيد من الاصوات فلا تختلف أهداف الحزبين الرئيسين الأمريكيين الديموقراطي والجمهوري عن أهداف الأحزاب الموالية لأمريكا وإيران في العراق والتي بسببها وعلى غرارها تمت عمليات التغيير الديموغرافي والتطهير العرقي القصدي.
تغيير ديموغرافي لأغراض انتخابية جيوسياسي ؟!
ومن الجدير ذكره حول انعكاس الديموغرافيا السياسية على الانتخابات، فإن السيطرة على الأراضي تعد من عناصر القوة الديمغرافية والسلطة معا, فتغيير الديموغرافيا سيؤدي لا محال الى تغيير شكل الحكم. ولهذا السبب أيضا تجرى عمليات التغيير الديموغرافي القصدية.
وانطلاقا مما سلف فإن مدخلات هذه الإستراتيجية تقوم على تغيير الجغرافيا البشرية للمواطنة- وجغرافية المدن مثلما حصل في مدن العراق وبثقافة اليد على الزناد للميليشيات حيث أدت الى نزوح قسري للعراقيين جراء حرق مزارعهم وتفجير مساكنهم، أو بحجة الاستثمار واستعادة بناء المدن، بغية ملء الفراغ البشري بكثافة سكانية ولائية لأحزاب إيران، كان من مخرجات تلك المدخلات أنها أدت إلى تغيير شكل وهياكل مجالس المحافظات البشرية والعمرانية في العديد من مدن أهل السنة في العراق مثل بغداد، وخان ضاري، والعامرية، وأبو غريب - لعزل الفلوجة ومحاصرتها- بحويصلات رؤية ديموغرافية ولائية لإيران.
وهو ذات ما يحصل في ديالى، بمدينة بعقوبة وشهربان، الموصل، بالجناح الأيسر والأيمن، تلعفر، صلاح الدين، على الأخص بمدينة سامراء، والبصرة بمدينة الزبير، وغيرها من محافظات العراق.
تغير النسق الديموغرافي يتسبب بتغير النظام السياسي
فمن خلال تغير النسق أو الأنساق الديموغرافية واستبدالها بنسق ديموغرافي مسيس، أحادي الهوية؛ سيؤدي لا محال إلى تحول دولة ونظام المواطنة إلى مجلس نظام دولة الطائفة أو العرق عموديا .. ومن تداعيات ذلك تفكيك الهوية الوطنية الجامعة الواحدة إلى ولاءات وثقافات فرعية Subculture قبلية ومذهبية. وقد نجم عنه انهيار الأمن الاجتماعي في العراق بسبب حالة التناشز المفتعلة ما بين المكونات السكانية الأصيلة والمكونات السياسية الدخيلة، أي ما بين العراقيين والمستعرقيين الغزاة منذ 2003 وإلى حد الآن.
وفي هذا السياق حري بنا القول: بأن ذلك التناشز والاصطراع سبق وأن حصل بفلسطين والأحواز العربية، عندما حل اليهود محل الفلسطينيين وحل النظام الفارسي في الأحواز العربية ديموغرافيا، تحول نظام الحكم وأرض فلسطين إلى دولة "إسرائيل" وكذا الحال في الأحواز العربية والجزر العربية؛ فقد تحولت السلطة من أرض وشعب عربي إلى سلطة إيران الفارسية. لقد حصل كل ذلك وفقا لإستراتيجية القوة الديموغرافية للسلطة في العلاقات الإقليمية والدولية، لإن السيطرة الديموغرافية على الأراضي تعد من عناصر القوة السياسية والعسكرية.