بقلم| وليد الزبيدي (عضو اللجنة العليا للميثاق)
قبل أكثر من قرن حسم الإسرائيليون مصير " دولتهم " بصورة شبه مطلقة و رسموا حدودها مسوّرة بالأنهر ( الفرات و النيل )، لكن بعد السابع من أكتوبر 2023 حصل المتغير الكبير كما نراه اليوم، و حديثنا عن المياه و قناة "البحرين" و الزراعة و تطور كل ذلك، يكشف الفرق بين الماضي والحاضر وما يمكن قراءته في المستقبل.
من المشاريع المائية المهمة التي رسمها ثيودور هرتزل "مؤسس الحركة الصهيونيّة" معتمداً على الدراسات والبحوث التي أمضى العديد من الباحثين والمهندسين العقود الطويلة خلال القرن التاسع عشر في البحث والاستقصاء، هو مشروع ما يسمى بقناة البحرين التي تربط بين البحر الأبيض المتوسط والبحر الميت والتي قال عنها (دان دارين) وهو مهندس معماري في معهد المركز الدولي لدراسات سياسة الأراضي في إسرائيل: إن هذه القناة (قناة البحرين) كانت حلماً مستحيلاً، رأه ثيودور هرتزل عام (1902) وكانت هذه القناة التي وصفها هرتزل في كتابه (التنويلاند) [الأراضي القديمة الجديدة] الذي تنبأ فيه بولادة دولة جديدة، تستهدف توليد الطاقة الهيدروكهربائية وإقامة بحيرات الاستجمام، والمساهمة في استصلاح النقب وجعل إسرائيل (بلداً) ذا استقلالية في إنتاج الطاقة.
وتؤكد صحيفة (عل همشمار) في مقال كتبه (ف.سيفر) أن قناة البحرين هي جزء من رسالة ثيودور هرتزل التي قرأ فيها المستقبل، وبالتالي فهي جزء من المشروع الصهيوني الكبير، وأمامنا مزيج من الأساطير التي تبعث الدفء في أكثر القلوب برودة، ويوقد النار في أكثر العقول نبوغاً.
يجد الباحث والمتتبع أن الخيط لم ينقطع بين طروحات وأفكار هرتزل ومن جاء بعده، وأن الاستراتيجية المائية، أو مسألة التعامل مع قضية المياه، لم تكن سطحية أو قضية مكملة للأفكار الصهيونية، بل أنها تدخل في جوهر المخططات الصهيونية ونشاطاتهم، فعلى سبيل المثال، أن هرتزل قد حدد عام 1923 موعداً لتنفيذ هذا المشروع، وأن عدم تحقيق ذلك لم يوقف التفكير الصهيوني به، ففي 13 يونيو عام 1990 قاد (يوفال نيئمان) وزير العلوم والطاقة حملة لتنفيذ مشروع القناة التي تربط بين البحر المتوسط والبحر الميت.
وكانت لجنة نيئمان قد رفعت تقريراً إلى الحكومة في يوليو عام 1980 أوصت فيه باعتماد الخط الجنوبي، أي حفر قناة ونفق من موقع تل القطيفة في قطاع غزة إلى معالية يائير في جوار قلعة مسعدة، وقد تم اختيار هذا الخط لأنه (يثير مشكلات سياسية أقل من الخط الشمالي) على حد قول نيئمان نفسه.
وجاء في تقرير نيئمان أن القناة ستعزز إمكانات إقامة محطة قوى نووية في إسرائيل، كما تحدث عن إمكان بناء مصنع لتحلية مياه البحر في النقب، وتطوير برك شمسية لإنتاج المزيد من الطاقة.
وينطلق قادة الحركة الصهيونية في دعواتهم للسيطرة على المياه من موروث توراتي قديم لليهود تبنته الحركة الصهيونية مع بعض التعديلات عليه، فبعد أن كانت إسرائيل التوراتية من نهر الفرات الى البحر العربي (المتوسط) أجرت الصهيونية تعديلاً (طفيفاً) على هذه البلاد بحيث أصبحت حدود إسرائيل من الفرات إلى النيل.. وأن شعار (من الفرات إلى النيل) الذي اعتمد المياه حدوداً أساسية، هو الذي تعمل الصهيونية العالمية على تحقيقه منذ أن زرعت أول مجموعة استيطانية في أرض فلسطين في العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر.
وفي بداية القرن الماضي قال بن غوريون أن اليهود يخوضون اليوم مع العرب معركة المياه، وعلى نتيجتها يتوقف مصير إسرائيل وإذا لم ننجح في هذه المعركة، فإننا لن نكون في فلسطين. ونجد أن الدعوات التي أطلقها زعماء الصهيونية منذ البداية لن تتوقف عند قضية المياه التي تحتاج إليها في توطين المهاجرين القادمين للاستيطان في أرض فلسطين، بل إن الاهتمام بالمياه كان أوسع من تلك الحدود التي كان يشار إليها في دعواتهم للاهتمام بموضوع المياه، فعندما يتم التركيز على موضوع شعار دولة إسرائيل من الفرات إلى النيل، فإن ذلك يعني تحقيق أكثر من هدف في آن واحد ومن أهمها ضمان الجانب الأمني.