بقلم| د. صباح الناصري (أستاذ الاقتصاد السياسي)
عراق المؤتمرات والوساطات والقمم ومسك العصا من الوسط وإلى ما ذلك في علم الكلام، القصد من هذا اللغط الدبلوماسي التغطية على حقيقة سياسية واضحة للعيان: عراق المحاصصة والتشيع السياسي ليس إلا رقعة شطرنج، أرضيتها وقطعها وقوانين لعبتها محتمة أمريكيًا إيرانيًا، تستخدم كورقة مساومات ومكافآت واسترضاء وشبح تهديد، أي معادل جيوسياسي لشركة مساهمة إقليمية وغربية لخلق توازن حرج في مرحلة العبور إلى نظام إقليمي ودولي جديد. الهدف من كل هذه الاحتفاليات الفيسبوكية، مساعدة وإعمار واستقرار وتنمية العراق الخ، هو الإيحاء بوجود دولة عراقية، أكذوبة تضفي شرعية على استلاب هذه الدولة، شرعية تفكيكها وتقسيمها كحصص للدول المساهمة من أجل مصالح هذه الدول. منظومة المحاصصة المقننة من قبل الاستعمار الأمريكي الإيراني ليست خطأ تقني أو سوء تخطيط، إنما منهجية تغييب الدولة العراقية وتحويلها إلى "طشار وهلية".
لماذا؟ هناك هدف استراتيجي وآليتان لتحقيق هذا الهدف: آليات التقنين تمت، وما زالت تمارس، من خلال تقنية التمزيق الطائفي العرقي، ومن خلال إزاحة مفهوم الأغلبية، من عربية إلى شيعية.
الآلية الأولى تعكس ما أسميناه الإزاحة الجيوسياسية لاحتلال العراق، إي إدخال البعد الطائفي الشيعي بعمقه الإيراني لإضعاف المنطقة العربية، وخصوصًا العراق والخليج العربي، تحت ذريعة محاربة "الإرهاب السني العربي" بعد ١١ سبتمبر. هذا المشروع طوره المحافظون الجدد بالتعاون مع إسرائيل وما يسمى في أمريكا المسيحيون الصهاينة. هنا اختلطت رؤى إيديولوجية طوباوية، تدمير أرض بابل للتعجيل بحضور المهدي اليهودي، قرين المهدي المنتظر في خرافات الفقه الشيعي، مع أهداف استراتيجية أمنية، ما اسميته في السابق التحكم من خلال عدم الاستقرار، أي محاولة أمريكا في الضغط على وتأخير صعود الصين كمنافس دولي من خلال خلق حالة فوضى في مركز الطاقة في العراق والخليج العربي الذي تعتمد عليه الصين بشكل مباشر، وأيضًا رمي حجر عثر في مشروع الحزام والطريق الصيني الذي يمر في المنطقة ويسمح للصين بالتوسع إلى البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر.
الآلية الثانية: إعادة تعريف الأغلبية السياسية طائفيًا من عربية إلى شيعية، هي لنزع الهوية العربية للعراق ومن ثم فصله عن عمقه الاستراتيجي العربي. لذلك كان هناك تنسيق من البداية بين أمريكا وإسرائيل وإيران لتفكيك الدولة العراقية ونفي هويتها العربية لإضعاف الطرف العربي وفرض على الدول العربية التقارب من إسرائيل. نظام الملالي في إيران كان، في حرب الثمانينات، وما زال الأداة الأنسب للقيام بوظيفة الخنجر في الخاصرة العربية لأنه في الجوهر نظام استعماري مثله مثل الأمريكي والإسرائيلي، أي وحدة هوية مصالح الثلاثي الاستعماري للمنطقة والتي تطلبت، وما زالت تتطلب، تدمير الدولة العراقية.
الهدف من هذه التقنيات، الإرهابية بالشكل والمحتوى لأنها تقنن العنف السياسي والمجتمعي من أجل التحكم بالدولة العراقية، هو منع بناء نظام سياسي وطني يضع الدولة العراقية في نصابها التأريخي الواقعي، قوة إقليمية تهدد مصالح الدول غير العربية الحليفة لبريطانيا وأمريكا، إيران إسرائيل.
مؤتمر بغداد الثاني في عمان، كما المؤتمر الأول في ٢٠٢١، وبحضور الأطراف غير العربية للتأكيد على حصصها المستقبلية من كعكة العراق، وضح بشكل لا يقبل التأويل ما أشرنا إليه أعلاه: عراق الطشار ويهلية، دولة مجزأة إلى أسهم للقوى المحتلة والمؤثرة في الداخل العراقي، من سفراء وخبراء وميليشيات وأحزاب ولائية الخ، على حساب مصلحة الدولة العراقية وقرارها السيادي الأمني وعلى حساب مصلحة الشعب العراقي بأغلبيته المعدومة. وأكبر دليل على هذا التآمر على مصلحة الشعب هو آلية وسرعة تشكيل حكومة إطارية ولائية بدعم أمريكي ومن خلال الانقلاب القضائي والسياسي على نتائج الانتخابات ومنع تشكيل حكومة أغلبية كخطوة أولى للخروج من فخ المحاصصة الكارثي.
ما تم تقنينه في العراق ليس نظام دستوري ديموقراطي قائم على مبدأ المواطنة، إنما التكتيك الاستعماري القديم: فرق تسد! عوضا عن المواطنة، تم تقنين مفردة "المكونات" دستوريًا. والمكون هو النقيض الوجودي للشعب، ومفردة الأغلبية الطائفية، "المكون الأكبر"، صلتها بمفهوم الأغلبية الديموقراطي كصلة رجل القش بالرجل، الوهم بالواقع!