الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

مقالات ظاهرة تنامي عجز الموازنة الأسباب والتبعات

ظاهرة تنامي عجز الموازنة الأسباب والتبعات

بقلم| بسام رعد ( باحث مهتم بالشأن الاقتصادي)

لخصائص الاقتصاد العراقي الدور الكبير في بنية الموازنة منذ عدة عقود حيث عاشت المالية العامة بنعمة رأسمالية الدولة الريعية كقوة مالية مركزية مصدرها الإيرادات النفطية، وجاء ذلك في ظل تفاقم الاختلالات الهيكلية للاقتصاد العراقي والتي تجلت من خلال انحسار القدرات الإنتاجية وتراجع مساهمة القطاعات السلعية (من غير قطاع النفط) في توليد الناتج المحلي الإجمالي.

تلعب الموازنة العامة للدولة أدواراً مهمة في المجال الاقتصادي والاجتماعي والسياسي في المجتمع وفي ضوء تنامي النفقات العامة للدولة من خلال طغيان الطابع التوزيعي الاستهلاكي على توجهات الموازنات السنوية، فقد اتجه العجز في الموازنة العامة إلى التزايد بشكل كبير ومع نمو هذا العجز تزايد القلق بشأنه وزاد في خطورة الأمر أن هذا العجز أصبح سمة هيكلية بمعنى أنه أصبح صفة لصيقة بالموازنة العامة، ومن ثم بعد ذلك أصبحت تطفو على السطح آثار هذا العجز من خلال ما أفرزه من ضغوط تضخمية وتصاعد حجم الدين الداخلي والخارجي، بالإضافة إلى تصاعد أعباء خدمات هذا الدين على الموازنة العامة؛ فعلى سبيل المثال في مسودة قانون الموازنة لعام 2023 بلغت أقساط خدمة الدين الداخلي والخارجي (القسط + الفائدة) أكثر من (18) تريليون دينار عراقي(1).

لذلك فإن التصدي لمشكلة عجز الموازنة العامة يجب أن تحتل مكاناً بارزا في النقاشات الاقتصادية وأي رؤية للإصلاح الاقتصادي لخطورة ما يصاحب هذا العجز من آثار سلبية اقتصادية واجتماعية وحتى سياسية.

ماهية الموازنة العامة

قانون الإدارة المالية الاتحادية رقم (6) لسنة 2019 المعدل عرفها بأنها: خطة مالية تعبر عما تعتزم الدولة القيام به من برامج ومشروعات، تتضمن جداول تخطيطه لتخمين الإيرادات وتقدير النفقات بشقيها الجارية والاستثمارية لسنة مالية واحدة تعين في قانون الموازنة العامة الاتحادية.

وعليه فإن الموازنة العامة هي أداة رئيسية من أدوات السياسة الاقتصادية التي تستخدمها الدولة لتحقيق أهداف سياستها العامة وتتضمن الموازنة العامة للدولة ثمانية أبعاد رئيسية، وهذه الأبعاد هي:

1- البعد السياسي.

2- البعد الاقتصادي.

3- البعد المالي

4- البعد الاجتماعي

5- البعد الإداري.

6- البعد الحسابي

7- البعد القانوني.

8- البعد المعلوماتي

والموازنة العامة تعد على أساس تقديرات التنمية الاقتصادية والسعي لتحقيق استقرار الاقتصاد الكلي والتنمية المستدامة، وعليه فإن إعداد الموازنة على عجز مخطط كبير يتعارض مع الأبعاد الاقتصادية والمالية والحسابية والقانونية للموازنة.

عجز الموازنة

يوصف الاقتصاد العراقي بأنه اقتصاد ريعي يعتمد في عائداته المالية اعتماداً شبه كامل على الريع النفطي الذي يعد المحرك الرئيسي للنمو الاقتصادي، حيث شكلت الإيرادات النفطية حوالي (95%) من إجمالي الإيرادات العامة خلال عام 2022، كما بلغت نسبة مساهمة القطاع النفطي في الناتج المحلي الإجمالي (56.5%) عام 2021. وهذا ما يجعل الموازنة العامة للدولة شديدة الحساسية لتقلبات دورة الأصول النفطية وأصبحت الإيرادات النفطية هي دالة لأسعار النفط وعدد البراميل المصدرة من النفط الخام.

وكما أن الموازنة العامة يمكن وصفها بأنها مثقلة بنفقات غير نمطية منها أقساط وفوائد الديون الخارجية والمدفوعات لشركات جولات التراخيص النفطية والمنح والإعانات وزيادة النفقات التشغيلية والتي تشكل الرواتب النسبة الأكبر منها، حيث بلغ إجمالي الرواتب الحكومية في مسودة قانون موازنة العام 2023 حوالي 92 تريليون دينار فيما تبلغ نسبة تغطية الإيرادات النفطية للرواتب (79) وهي نسبة مرتفعة وخطيرة، لقد مثلت ظاهرة العجز في الموازنات السابقة نتيجة انخفاض أسعار النفط ظاهرة مركبة ومعقدة وهو عجز مالي / محاسبي يعكس اختلالا هيكليا وليس شكلياً بسبب طغيان الطابع التوزيعي والاستهلاكي على بنود الموازنات السنوية ويمكن ملاحظة هذه الظاهرة من خلال استحواذ الرواتب والأجور والتعويضات الاجتماعية والإعانات على أكثر من (70%) من الموازنات التشغيلية للأعوام السابقة.

أما في مسودة قانون الموازنة العامة الاتحادية للعام 2023 بلغ إجمالي العجز المخطط أكثر من 64 تريليون دينار عراقي ومن المفترض أن يغطي هذا العجز من خلال الوفرة التي قد تتحقق من زيادة أسعار النفط الخام المصدر بالإضافة إلى الاقتراض الداخلي والخارجي ومن مبالغ النقد المدورة في حساب وزارة المالية والتي تبلغ 23 تريليون دينار عراقي.

إن استمرار التخطيط للموازنة في ظل وجود عجز هو مخالف لقانون الإدارة المالية رقم (6) لسنة 2019 المعدل (المادة 4 الفقرة / رابعاً) والتي تنص: لا يجوز أن يزيد العجز المخطط في الموازنة التخطيطية على (3%) من الناتج المحلي الإجمالي. في حين أن نسبة العجز المخطط في مسودة موازنة العام 2023 تتجاوز ( 20%) من الناتج المحلي الإجمالي وعليه يتطلب من مشرع قانون الموازنة العامة أن يذهب باتجاه ضغط النفقات العامة المخططة من جهة وعدم تشتيت موارد الموازنة من جهة أخرى والعمل على التخطيط لإيجاد احتياطيات نقدية حقيقية للموازنة لمواجهة أي أزمة اقتصادية قد تحدث مستقبلا في حال انخفاض أسعار النفط فالعجز المخطط يعتبر عبئا مؤجلاً لتغطية نفقات لا يقابلها إيرادات مخططة يتوقع الحصول عليها إضافة إلى أنه يشكل ضغطاً مستقبلياً لحجم إنفاق لا يمكن التراجع عنه. وكما أن الموافقة على تخطيط الموازنة بعجز تشكل خطراً على الإدارة المالية المستقبلية وتتعارض مع الأسس الصحيحة في أعداد الموازنة.

مخاطر تمويل عجز الموازنة

إن ظاهرة العجز بالموازنة العامة للدولة ظاهرة معقدة ومركبة. وليست الخطورة في وجود العجز ولكن الخطورة تمكن في طرق تمويل هذا العجز فعلى سبيل المثال لجأت وزارة المالية إلى تمويل عجز الموازنة أثناء (جائحة كوفيد - (19) في العام 2020 من خلال الاقتراض الداخلي عن طريق خصم حوالات الخزينة لدى البنك المركزي بمبلغ يقدر حوالي 26 تريليون دينار عراقي. من أجل تمويل الإنفاق الحكومي التشغيلي المتمثل برواتب وأجور الموظفين. وهذا الاقتراض انعكس بدوره على الإنفاق الاستهلاكي من خلال استمرار الطلب على السلع والخدمات المستوردة والتي يتم تلبيتها من خلال نافذة بيع وشراء العملة الأجنبية وهي حلقة غير مستدامة. كما تكمن مخاطر لجوء السياسة المالية إلى البنك المركزي من خلال خصم حوالات الخزينة لدى البنك المركزي لتمويل الإنفاق الحكومي التشغيلي في أنه يولد زيادة في كمية النقود المتداولة والتي تشكل جانباً من القاعدة النقدية مما يؤدي إلى تضخم عرض النقد وبالتالي رفع معدلات التضخم. بالإضافة إلى تزايد حجم المديونية الداخلية والتي تقدر حالياً بحوالي 70 تريليون دينار عراقي وأكثر من 63% من هذا الدين العام الداخلي بعهدة البنك المركزي سواء بشكل حوالات خزينة مخصومة أو سندات حكومية.

وعلاج عجز الموازنة العامة للدولة باعتباره اختلالاً هيكليا له تداعيات وآثار سلبية مستقبلية، لا بد أن يحتل ما يستحقه من مكانة في النقاشات الاقتصادية بالإضافة إلى ضرورة العمل على علاج هذا العجز ضمن رؤية متكاملة وتحقيق التوازن المحاسبي للموازنة.

مقالات متعلقة