الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

مقالات صراع النتائج في العراق أبعد من سجالات الفتح والصدر

صراع النتائج في العراق أبعد من سجالات الفتح والصدر

بقلم| أ. ياسر عبد العزيز (كاتب وباحث مصري)

التصعيد نحو الخضراء

في متابعة لصحيفة لوموند الفرنسية لما يجري في العراق في إطار تداعيات نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة، نشرت تحت عنوان (عناصر ميليشيات الحشد مازالوا يصعدون من تهديداتهم عند بوابات المنطقة الخضراء) عن تلك التهديدات التي توجه من قبل تلك الميليشيات للمفوضية العليا للانتخابات في العراق وممثلة الأمين العام للأمم المتحدة واتهامهما بالمشاركة في تزوير الانتخابات.

وفي إطار تحريض قادة الميليشيات منتسبيهم وأنصارهم ضد المفوضية والنتائج التي صدرت، وصف مسؤول ميليشيا حزب الله في العراق أبو علي العسكري الانتخابات البرلمانية، بالمؤامرة الدولية، وسمى الأطراف التي شاركت في نسج تلك المؤامرة، لإذكاء روح المظلومية التي يتقن هؤلاء القادة في اللعب على وترها، فلم تسلم أغلب القوى الدولية الغربية من تحريض العسكري، حتى وصلت قذائفه إلى نيويورك حيث مقر الأمم المتحدة ومجلس الأمن تحديدا، ففي تغريدة له على حسابه في تويتر وصف العسكري بيان مجلس الأمن عن انتخابات العراق بأنه بيان منحاز واسما مجلس الأمن بأنه سيء الصيت، مؤكدا أن مجلس الأمن يساهم مع أطراف محلية وإقليمية ودولية في مؤامرة الانتخابات الكبرى، وشدد أبو علي في إطار بيانه العسكري المقتضب على تويتر بأن ميليشياته لن تسكت على ما سماها جريمة تزوير الانتخابات لصالح أطراف بعينها، وستقدم ميليشيا حزب الله التضحيات مهما بلغت، مشددا على عناصر ميليشياته بالاستعداد والجهوزية وتصعيد وتيرة الاحتجاجات ضد أطراف المؤامرة.

هذا التصعيد الذي تشنه الميليشيات من خلال عناصرها بزيهم المدني مدفوع بقرارات اتخذت من سياسيي تحالف الفتح الذي يمثل الواجهة السياسية لهذه الميليشيات، بعد أن فقد مقاعده في برلمان 2018 الذي أطاحت به ثورة تشرين التي تحتفل بعامها الثاني هذه الأيام، صدمت الميليشيات في فقدان ثلث مقاعدهم لها دلالات كبيرة على أكثر من محور أعظمها بحسب المحللين، هي فقدانهم للحاضنة الشعبية التي اكتسبوها على إثر الفتوى الدينية التي تأسس الحشد بموجبها، وهو ما يعني أن ثورة تشرين استطاعت كسر تابو الحشد الذي قدم نفسه على أنه حامي حمى العراق من "الإرهاب" بفتوى الجهاد الكفائي، فبعد أن أوغل في دم السلميين من شباب العراق، وأحرق قلوب أمهاتهم برصاصه الذي دفع العراقيون ثمنه من جيوبهم، كشفت الثورة عورتهم وأظهرت حقيقة جهادهم من أجل المناصب وحصد خيرات العراق لتقديمها على مذبح الولي الفقيه في طهران، لذا فإن أوامر إرهاب المنطقة الخضراء لا يعدو أن يكون أمرا من جملة أوامر يأتمر بها الحشد و قادته.

تحولات نحو اللا شيء

وعلى الرغم من هذه التجاذبات والسجالات التي أظهرتها نتائج الانتخابات بين ميليشيا الحشد وذراعها السياسي تحالف الفتح، وبين التيار الصدري الممثل السياسي لميليشيا سراي السلام، لم تظهر تلك النتائج تحولا ملموسا في شكل الخريطة السياسية في العراق ومن ثم ميزان القوى بين تلك الأحزاب والتيارات والتجمعات القديمة المتحورة.

مكاسب الصدر التي من المتوقع أن تتراوح بين 72 و 75 مقعداً، والتي يراها التيار وزعيمه على أنها إنجاز كبير، وأنه نجاح للحزب من حيث التنظيم وإدارة المعركة الانتخابية، ما ينظر إليه على أنه توسع في دوائر انتخابية استطاع التيار اختراقها، ومن ثم ترمز إلى قبول شعبي يجب الوقوف عنده، إنما هو في الحقيقة كمن أحرز هدفا في غياب الفريق المنافس، فالمقاطعة الشعبية الكبيرة التي قدرها إياد علاوي بثمانية وثمانون بالمئة، بعد أن أكد أن نسبة المشاركة الشعبية في الانتخابات لم تتجاوز الاثني عشر بالمئة تفقد هذا التحليل لأسباب فوز الصدر بمقاعده محتواه وتعيده إلى حجمه الطبيعي، فنجاح الصدر الحقيقي في حشد أنصاره في مقابل فشل الآخرين وليس إلا.

أما الفتح الممثل الرسمي لميليشيا الحشد، فلم يفهم القواعد التي أقيمت عليها الانتخابات الأخيرة، وتعامل معها بنفس خطة انتخابات 2018، على عكس الصدر، كما أن ميليشيا الحشد وذراعها السياسي تعاملا مع الانتخابات والناخبين بنفس المنطق الدارج لديهم، بأنهم حماة العراق وبناة جدران الأمان فيه، وهو ما انهار مؤخرا بصرخة شيخ عشيرة بني تيم في وجه هادي العامري، ما يعكس حقيقة مرة لدى الحشد وممثليه السياسيين، مفادها أن العراقيين لم يعودوا يرون تلك الهالة التي رسمتها المرجعية والإعلام للحشد.

وعلى الرغم أيضا من أن المالكي الذي استطاع إعادة تدوير نفسه من خلال تحالف "شيعي" بنى حملة كتلته الانتخابية على أوتار الطائفية، مخاطبا المكون الشيعي لاعبا نغمة الأحقية الطائفية، ما يعني مزيد من التغذية للفيروس الذي نخر في عظم العراق وأكل لبه ومزق لحمته.

وعلى الرغم من أن بعض المحسوبين على ثورة تشرين قد دخلوا البرلمان سواء من خلال الحزب الوحيد الذي أستطاع أن يدخل الانتخابات أو أن يدخلوه على قوائم الأحزاب والتكتلات القديمة، إلا أن النسبة لم تعدُ أن تكون ضئيلة لدرجة لم تجمل مساحيقها الوجوه العكرة في الحياة السياسية ولم تخفِ نتوءات الطائفية والإقصاء الذي حفر آثاره على مر السنوات الماضية في وجه الحياة السياسية العراقية.

رغم كل هذه التغييرات التي يعتبرها شركاء العملية السياسية في العراق جوهرية ونجاحات حققها البعض على البعض، من خلال إعادة تقسيم كعكة مقاعد البرلمان، إلا أن هذا التغيير في النهاية انتهى إلى اللا شيء حيث نفس الوجوه ونفس الكتل والأحزاب ونفس الأفكار، ونفس الرشى الانتخابية والوعود المزيفة، فانتخابات من دون منافسة حقيقية وبرامج تنافسية تعني في النهاية اللا شيء بعينه.

ما وراء تظاهرات الحشد وثوار تشرين

في فكر من أنزلهم، يرى قادة ميليشيا الحشد أن تواجد عناصرهم في الشارع سيحقق عدة أهداف، يمكن بها تحصيل المكاسب وحجز بعضها عن غيرهم من منافسين ومناوئين، فظهور عناصر الميليشيا ولو بلباسهم المدني، هو إظهار لشعبيتهم ودعم الشعب لهم، ما يصور أنهم ظلموا في النتائج، لاسيما وأن أذرعتهم الإعلامية وذبابهم الإلكتروني يعزفون حتى الآن ملحمة من ملاحم المظلومية التي يتقنون عزفها.

لكن هدفا آخر، كان في بنك أهدف من دفع عناصر ميليشياته إلى الشارع، وهو إظهار القوة في بلد أزاحت قيم التغيير السلمي وبدلتها بقوانين الغاب والبقاء للأقوى، فاستعراض القوة الذي يجرى من وقت لآخر، هو جزء من إبقاء الحضور الخشن لتلك الميليشيات في أذهان العراقيين، وعدم غياب عربتهم ذات الدفع الرباعي والمحملة بعناصر الميليشيات المدججين بالسلاح يجب أن تظل شاخصة في عقل كل عراقي ليعرف موقعه في عراق ما بعد الاحتلال، فلا صوت يعلو على صوت قادة الميليشيات وسلاحها، وهو ما وجه في هذه الحالة للمفوضية العليا للانتخابات وممثلة الأمين العام للأمم المتحدة، التي تعلمت الدرس وباتت تضع ذلك في حساباتها عندما تكتب تقاريرها الأممية.

لكن الهدف الأهم من إنزال عناصر الميليشيات للشارع، والذي قد يخفى على الكثيرين، هو ملء الشارع حتى لا يملؤه ثوار تشرين الرافضين للعملية السياسية وما رشح منها من انتخابات، والمناهضين للميليشيات ولديهم معها ثأر، فتلك الميليشيات التي قتلت مئات الثوار تعلم رفض الثوارلهم، ولأن كل شيء يستنسخ في العراق الجديد، فإن نزول الميليشيات كان مستنسخا من تجربة القبعات الزرق الذين استطاعوا قمع الثوار.

نزول الميليشيات جاء في توقيت إعلان نتائج الانتخابات الذي يتزامن مع مرور عامين على اندلاع ثورة تشرين، ما يعني دافع أكبر للثوار للنزول للشارع وإظهار العراقي الحقيقي الرافض لتقاسم كعكة الوطن على مائدة المحتل الإيراني.

إن نزول الميليشيات للشارع رفضا لنتائج الانتخابات والذي قابله نزول الميليشيات المضادة احتفالا بما تراه نصرا لما حققت في تلك النتائج، وما ينتج عنه من مخاوف من الصدام المحتمل، لاسيما وأن الكل يعرف طريقه للزناد، لا يعدو أن يكون اختلاف على توزيع الأنصبة وصراع على المناصب، لا من أجل الديمقراطية التي بشر بها المحتل الأمريكي ولا تأصيلا لقيم التداول السلمي للسلطة الذي تعلو فيه إرادة الشعب على كل إرادة.

إن ما يحدث في العراق من صراع على نتائج الانتخابات هو أبعد من سجالات الفتح والصدر تتدخل فيه قوى إقليمية ودولية ترسم خطوط نفوذها وتتقاسم خيرات ذلك البلد الطيب، كما تتقاسمه الأحزاب والتيارات والميليشيات الآن في شوارع العراق، على حساب تشرين وشهدائها.

مقالات متعلقة