بقلم| أحمد صبري
شارع ليس ككل الشوارع إنه رمز ارتبط بتاريخ مدينة ملأت الدنيا وشغلت الناس إنها بغداد عاصمة الرشيد الذي سمي أشهر وأقدم شارع فيها باسمه، فارتبط اسم شارع الرشيد بالعاصمة بغداد وغدا عنوانًا وتوأمًا لها في مشهد يوثق تاريخ مدينة وشارع كانا شاهدين على أحداث العراق منذ عام 1921 ولحد الآن.
وعندما نتحدث عن شارع الرشيد فإننا نتوقف عند مكانته السياسية والتاريخية والثقافية والتجارية والاجتماعية في حياة البغداديين، الذي كان فضاء حيويًا لها وشاهدًا على حداثة الحياة وازدهارها في أزمان مازالت عالقة في ذاكرة جيل شهد حلوها ومرها.
ومثل أي عراقي معمر فإن شارع الرشيد عاش طفولته وشبابه وكان محط الأنظار ومركز الإشعاع لكنه في النصف الثاني من عمره بانت عليه الشيخوخة فنافسه آخرون من حيث الأهمية في بغداد التي اتسعت عشرات المرات عما كانت عليه في يوم مولده في تموز 1916.
وإذا كان العراقيون قد عانوا في النصف الثاني من القرن الماضي من الحروب والحصار الجائر وتداعياته على حياتهم بشكل عام، فإن شارع الرشيد بدأ أيامه الأولى بالمعارك بين العثمانيين وبين الإنكليز الذين استولوا على بغداد وشارعها بعد 8 أشهر فدخلها 40 ألف جندي في اذار-1917 ليعلن الجنرال البريطاني مود كلمته الشهيرة في بيانه لأهل بغداد يوم 19 آذار "جئنا محررين لا فاتحين" تماما كما فعل الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن يوم أعلن حربه العدوانية في 19 آذار 2003 لما اسماه تحرير العراق.
هل هي مصادفة أن يوم 19 آذار الذي غزا فيه البريطانيون العراق عام 1916 هو التاريخ نفسه الذي بدأ الأمريكان غزو العراق واحتلاله في نفس التاريخ.
وعند افتتاحه في الأيام الأخيرة للحكم العثماني عرف باسم شارع (خليل باشا جاده سي) على اسم خليل باشا حاكم بغداد وقائد الجيش العثماني في تلك الفترة
وبدأ العمل في شق شارع الرشيد عام 1910 واكتمل بعد 6 سنوات من العمل المتواصل وهو يبدأ من ساحة الميدان القريبة من وزارة الدفاع ويخرق بغداد لينتهي قبل الدخول إلى ساحة التحرير وشارع أبي نؤاس.
وبسبب الإهمال من المسؤولين في أمانة بغداد وعزوف رواده تحول شارع الرشيد إلى مكان لصناعات بدائية ومكب للنفايات غيرت وجهه ونزعت عنه مسحته الحضارية والثقافية كمعلم من معالم بغداد، بعد أن كان يعج بعشرات المطاعم والمقاهي ودور السينما والمسرح والمتاجر التي تعرض أحدث الماركات العالمية.
وإزاء ما يعانيه هذا الشارع الذي كان يضاهي شوارع عالمية في حداثته وجماله في زمانه، هل طوى الزمن شارع الرشيد كما طوى معالم أخرى في بغداد أم إنه سيبقى عالقا بذاكرة العراقيين كشاهد على زمن جميل مازالوا يتغنون به افتقدوه وحاضر ينغص حياتهم.
ونختم إن شارع الرشيد بعد ما أصابه من إهمال أصبح غريبا في بغداد يحكي قصة وطن أتعبه الغرباء بعد أن كان عنوانًا ومقصدًا لزائري العراق.