الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

حوارات حوار صحيفة الميثاق مع الدكتور "رافع الفلاحي" الأكاديمي والباحث السياسي والإعلامي.

إليكم نص الحوار:

الميثاق/ كيف ستتعاطى الإدارة الجديدة مع العراق في ظل تهديدات الميليشيات الموالية لإيران لجنودها بالعراق؟

الفلاحي/ ستستمر واشنطن في استعمال العراق ورقة في صراعها مع طهران لتطويعها، وسنشهد تصاعدا لهذا الاستعمال في الفترة القادمة، لحسم هذا الملف والتفرغ الأمريكي لملفات المنطقة الأخرى؛ لأن أمريكا تدرك أن العالم يتحرك لتأسيس نظام دولي لا تتزعمه أمريكا، وهذا يوجب على أمريكا التحرك لترتيب ملفات منطقة الشرق الأوسط والخليجية خصوصا، لوجود مخاوف خليجية من السياسات الإيرانية وتغولها في بعض البلدان العربية وهو ما يستلزم مواقف جدية لحماية مصالح أمريكا نفسها، خاصة وأن إيران ستذهب باتجاه روسيا والصين إذا ما جرى اصطفاف التحشيد لنظام دولي جديد، وبالتالي فإن العراق سيكون في أول الاهتمامات الأمريكية؛ لأن إيران تتخذه ساحة لمشاكسة أمريكا (حاليا)، وبوابة لمشروعها التوسعي في المنطقة. وهذه المعطيات تفرض على الإدارة الأمريكية الاهتمام بالملف العراقي بعد الانتخابات، لأن واشنطن لا تنظر إلى إيران من ثقب الباب الذي هو العراق بل باتت تجد العراق الأساس الذي تنطلق منه لخنق إيران وإنهاء قدرتها على التأثير.

الميثاق/ كيف تفسر اشتراط الميليشيات أذرع إيران بالعراق لجدولة الانسحاب الأمريكي قبل وقف استهداف جنودها بالعراق؟

الفلاحي/ هذه الاشتراطات إيرانية وتعبر عنها الميليشيات لأنها أداة في المشروع والصراع الإيراني في العراق والمنطقة، وهي جزء من خطوات إيران في إطار الفعل ورد الفعل في لعبة عض الأصابع التي تجري بين طهران وواشنطن، ومن خلال الميليشيات ترسل إيران رسائلها لواشنطن لتخفيف الضغط الذي تمارسه واشنطن ضدها، والتسليم بسيطرة إيران على العراق والتعامل معها باعتبار فرض الأمر الواقع الذي لا يمكن تغييره، وبالتالي التعامل معها بإيجابية عن طريق التفاوض مع إيران بدون شروط مسبقة، وبما يحقق أهدافها، إلا أن واشنطن تدرك هذا الأمر جيدا، ولا بد أنها ترتب ملفاتها وأولوياتها في الرد على كل هذه السياسات، وقد ردت على هذه التهديدات بقصف بعض مقرات الميليشيات، وقد هددت أمريكا بغلق سفارتها في بغداد؛ وهذه التهديد جعل كل الميليشيات وأطراف العملية السياسية الأخرى يتحسسون رؤوسهم خوفا من هذه الخطوة. والخلاصة أن طهران تسعى للضغط على واشنطن لمحاولة إخراجها من العراق لفرض سيطرتها عليه بالكامل مما يخفف الضغط وفك الحصار عنها أو تخفيفه، والحقيقة أن إيران لم تتوسع في العراق إلا من خلال أمريكا فإيران تهديداتها مجرد ظاهرة صوتية وإعلامية سرعان ما تسقط إذا ماجد الجد، والمراهنة على مثل هذا الشأن يبدو خارج سياقات المنطق وحسابات القوة. وطهران تدرك ذلك، ولهذا أمر علي خامنئي الميليشيات في العراق وفقا لموقع (ميدل ايست آي البريطاني)، بوقف هجماتها على المصالح الأمريكية فورا؛ خوفا من التهديدات الأمريكية وما تعد له وتنوي تنفيذه.

الميثاق/ الكاظمي ابن النظام السياسي بالعراق، كيف تقرأ تعاطيه مع تغول الميليشيات في المجتمع

الفلاحي/ عندما تقول إن الكاظمي هو ابن النظام السياسي القائم في العراق، فبالتأكيد لابد أن يكون متعاطفا مع الميليشيات بل ومنتميا لها كون النظام السياسي يقوم على هذه القوى الميليشياوية وهي المتحكمة فيه وصاحبة الرأي الأول والأخير في توزيع المناصب ورسم السياسات.

الميثاق/ هل تقترب حكومة الكاظمي من لحظة الصدام مع الميليشيات، ولمن الغلبة فيها؟

الفلاحي/ الكاظمي وحكومته أضعف من أن تكون لهم خطط لمواجهة الميليشيات أو المساس بخطوطها (مهما كانت ألوانها)، وهو يعرف جيدا أن هذه الميليشيات هي من عينته بمنصب رئيس الوزراء ووضعت له جملة من الشروط التي يجب عليه تنفيذها وإلا فإن إقالته أو حتى التخلص منه بأي طريقة أخرى ممكنة وقابلة للتنفيذ. لذلك فإن افتراض المواجهة والسؤال عن موعد هذه المواجهة يبدو من الأمور غير المنطقية.

الميثاق/ يحاول الصدر ركوب موجة الرفض الشعبي للطبقة السياسية، هل باتت تنطلي هذه الأساليب على ثوار تشرين بعد عام من ثورتهم؟

الفلاحي/ لعل من أهم الأهداف التي حققتها ثورة تشرين، أنها استطاعت اسقاط أقنعة القوى السياسية الحاكمة في العراق وشخوصها ومن يتشدقون بالدين ويتخذونه وسيلة لخداع الناس وتسويق أنفسهم داخل المجتمع العراقي. ومن أهم الأقنعة التي سقطت هو قناع مقتدى الصدر وأنصاره، فالمواجهة المكشوفة بين ثوار تشرين وكل قوى العملية السياسية قد أفرزت تصميما شعبيا رافضا لكل قوى العملية السياسية وتحميلها مسؤولية الكارثة التي حلت بالعراق، ولذلك كانت شعارات الثورة: (إسقاط الأحزاب والعملية السياسية، ونريد وطن)، وهذا الشعار اختصر كل المطالب لأنه يدل على اختطاف الوطن من قبل السلطات الحاكمة؛ لمصالحها الشخصية وأجنداتها الخارجية.مقتدى الصدر وتياره لعب دورا سلبيا منذ عام ٢٠٠٣ وحتى اليوم، وقد انكشفت توجهاتهم وأهدافهم، ومازال مقتدى يلعب دور المنقذ للعملية السياسية، وقد نجح في أداء هذا الدور عندما سحب البساط من تحت أقدام المتظاهرين في ٢٥ شباط ٢٠١١ بعد عودته السريعة من إيران والاتفاق على سحب أتباعه من التظاهرات وإعطاء المالكي وحكومته فرصة لنجاتها من التظاهرات وتسويف مطالب المتظاهرين وتسليط القوات الحكومية والميليشيات على المتظاهرين وإنهاء المظاهرات بالقوة. ولعب نفس الدور مرة أخرى عندما حشد أتباعه عند المنطقة الخضراء وأقام خيمة داخل المنطقة الخضراء ليعتصم بها بطريقة مسرحية مضحكة، ليدفع بعدها أتباعه للتظاهر لساعات في ساحة الاحتفالات ثم إنهاء التظاهرة والعودة الى بيوتهم معلنا تحقيق الأهداف التي كانت في حقيقتها تتعلق بتوسيع نفوذه وكسب منافع شخصية بشعارات مزيفة، من خلال إيهام الرأي العام بأنه وحده من يستطيع تسيير تظاهرات (مليونية) كما يصفونها، وإلا فإن الحال بقي على ما هو عليه ولم يتغير أي شيء.أما ثورة تشرين فإن مقتدى الصدر ومع تصاعد دعوات الشباب لانطلاقها أعلن بكل وضوح أنه ضدها ولن يدعمها، ولكن بعد وضوح قوة الثورة وزخمها حاول مقتدى مغازلة الثوار والإيحاء بأنه قادر على السيطرة علهم، ولما شعر الجميع أن الثورة ماضية في طريقها وأن الشعب العراقي بات جميعه مؤيدا لها؛ أسرع مقتدى بالعودة إلى العراق قادما من إيران (مثلما فعل في مظاهرات ٢٥شباط)، معتقدا أن الحال سيكون مشابها لها، لكن وبعد ساعات من وصوله إلى النجف اكتشف أن محاولته فاشلة وأن الظروف قد اختلفت تماما، فعاد مرة أخرى إلى إيران وهو يجر ذيول الخيبة بعد هتافات المتظاهرين: (لا مقتدى ولا هادي.. حرة تظل بلادي) في رفض واضح لما يقوم به باعتباره جزءا من العملية السياسية التي دمرت البلاد، ولهذا السبب وجه مقتدى أتباعه من (أصحاب القبعات الزرقاء) للهجوم على الثوار؛ وإنهاء التظاهرات فقتل وجرح العديد من المتظاهرين ولكن فشل مقتدى في إنهاء المظاهرات مرة أخرى. فالقناع الذي كان يتستر به مقتدى سقط، وسقط أتباعه الذين كانوا يلعبون دور المعارضة والموالاة في نفس الوقت، لأنهم مسؤولون عن خراب ودمار العراق. ومن هنا فإن إمكانية عودة مقتدى للعب دور المؤيد للثورة والداعم لها غير ممكنة؛ وبذلك سقطت ورقة المراهنة على إمكانية مقتدى في ركوب موجة الثورة.

الميثاق/ هناك قوى في المجتمع العراقي في مقدمتها هيئة علماء المسلمين، والميثاق الوطني العراقي تواصل دعمها لثوار تشرين، كيف تنظر لهذا الاصطفاف الوطني وسعيه لاقتلاع العملية السياسية ومشروع الاحتلال؟

الفلاحي/ اعتقد أن الحديث عن مواقف هيئة علماء المسلمين في العراق في دفاعها عن حقوق العراقيين ورؤيتها الدائمة لواقع الحال ومستقبله، تغني عن الحديث عن الإطار الشامل للقوى المناهضة للاحتلال والعملية السياسية، ومن هنا فإن ثبات (الهيئة) على مواقفها في النظر إلى العملية السياسية وقواها باعتبارهم أدوات خطيرة في المشروع الاحتلالي الهادف إلى تدمير العراق وسلبه كل مصادر قوته، أثبتت صحتها ومصداقيتها. (الهيئة) عولت على الشعب العراقي للخلاص من كارثة الاحتلال وتداعياته، وهذا هو الطريق الصحيح الذي يقر به الجميع اليوم، وعلى أساس ذلك كانت طروحات (الهيئة) مؤيدة وداعمة لكل حراكات العراقيين ضد الاحتلال ومشاريعه، بداية من دعمها للمقاومة وصولًا إلى وقوفها إلى جانب كل التظاهرات والحراكات والاعتصامات ضد العملية السياسية وحكوماتها؛ وعلى ذلك فإن وقوفها إلى جانب ثورة تشرين وتبني الثوار لشعارات ومواقف الهيئة بإسقاط العملية السياسية ومخرجاتها وإلغاء الدستور والمطالبة بالعدالة الاجتماعية تعتبر مواقف مفهومة ومنطقية، لأن المنظومة الاحتلالية تعمل على تدمير العراق وتوسيع الكارثة وتعميقها لجعل العراقيين يشعرون باليأس من إمكانية المواجهة والتغيير. وهكذا الميثاق الوطني العراقي تحركه في إطار القوى المناهضة للاحتلال والعملية السياسية، لابد أنه استفاد من خبرات القوى التي سبقته في مناهضة الاحتلال والعملية السياسية، فرسم مواقفه في دعم المتظاهرين وثوار تشرين من خلال إيمانه بأن الأهداف التي يتبناها هي ذاتها أهداف ثوار تشرين والتي كانت (الهيئة) طالبت وأكدت عليها منذ انبثاقها، والتي تتلخص في أن العراق مستلب وأسير ولابد أن يعود لأهله، ولا يتحقق ذلك إلا بإزالة مشروع الاحتلال وكل مخرجاته وتداعياته وذيوله، ولا يمكن لأي قوى أن تقوم بذلك وتنجح به إلا الشعب العراقي.

الميثاق/ قيل الكثير عن انحراف ممثلة الأمم المتحدة في العراق عن مهمتها وتغاضيها عن ممارسات المليشيات الطائفية وإهمالها لملفات قتل المتظاهرين والخطف والاعتقال والفساد، أين تكمن خطورة هذا المسلك؟

الفلاحي/ من يراجع مواقف منظمة الأمم المتحدة وممثلة الأمين العام للأمم المتحدة في العراق سيجد أن المنظمة والبعثة أداة أمريكية استتخدمت لاحتلال العراقيين وتدميره، وأنها ساهمت في توسيع الكارثة وتعميقها، ولم تكن مواقفها مع الشعب العراقي في تطلعه إلى الحرية والاستقلال، وسبق أنها ساهمت في وفاة أكثر من مليون عراقي نصفهم من الأطفال بسبب نقص الغذاء والدواء خلال فترة حصار العراق (١٩٩٠-٢٠٠٣). أما البعثة الدولية (يونامي) فمن خلال بياناتها وإحاطاتها التي قدمتها إلى مجلس الأمن وتبنتها المنظمة وعملت على أساسها، فكانت تعبر عن وجهة نظر الحكومات المتعاقبة منذ عام ٢٠٠٣ وحتى اليوم، وبالرغم من معرفة المنظمة الدولية بالفساد المستشري في العراق، وفساد الطبقة الحاكمة ومعاناة الشعب العراقي وانعدام فرص الحياة، إلا أن ممثلة الأمين العام للأمم المتحدة (بلاسخارت) تصر على تزييف الحقائق ودعم الحكومة وميليشياتها، حتى أصبحت واجهة معادية للعراق والعراقيين وداعمة بقوة لمشاريع الخراب التي يعمل العراقيون على إسقاطها. ولذلك الشعب العراقي ينظر إلى الأمم المتحدة على أنها تسويق للعملية السياسية وداعمة للميليشيات، لأنها لم تقف بشكل جاد وحاسم مع الشعب العراقي وتظاهراته وحراكاته ومنها ثورة تشرين على الرغم من كل التضحيات التي قدمها ثوار تشرين، وهذا يشير إلى أن المنظمة والدولية ومكتبها في العراق، مجرد أداة من أدوات الاحتلال ومشروعه التخريبي.

الميثاق/ كباحث ومهتم بالشأن العراقي، ما هو الحل وسبل إخراج العراق من مأزقه الذي يتخبط به منذ الاحتلال وحتى الآن؟

الفلاحي/ باختصار شديد وبواقعية لا تقبل التأويل أو المزايدات، الشعب العراقي بكل أطيافه هو القوة الوحيدة والفريدة القادرة على إنهاء الكارثة التي حلت به منذ عام ٢٠٠٣ وحتى اليوم، ومن هنا فإن دعم كل القوى المناهضة للاحتلال والعملية السياسية لثورة تشرين، هو تعبير عن إيمانها الكامل والراسخ بأن الشعب العراقي هو المؤهل فقط لإنهاء هذه الكارثة والتخلص من كل تداعياتها والقوى الداعمة لها وأولها الولايات المتحدة الأمريكية وإيران. فمستقبل العراق بيد العراقيين الذين أدركوا جميعا أن الاعتماد على قوى إقليمية أو دولية هو مجرد وهم ومحاولة للتسويف، وأن الحل فقط في أيديهم ولا يحتاج إلا لإرادتهم. وكل ذلك يلوح اليوم أمام الجميع، والغد مشبع بآمال واقعية تؤشر إلى أن العراقيين سيغيرون الحال بأيديهم وأن المستقبل لهم رغم كآبة الحاضر.
#الميثاق_الوطني_العراقي#ثورة_تشرين#نريد_وطن

مقالات متعلقة