حوار الميثاق مع الدكتور نبيل العتوم
أكاديمي وإعلامي متخصص في الشأن الإيراني
دكتوراه في العلوم السياسية برنامج الشؤون الإيرانية-جامعة طهران
.............................................
الميثاق/ كيف تصف المناهج الدراسية الإيرانية المتعلق بالعرب وكيف يتم تربية الأجيال الإيرانية تجاه العرب؟
العتوم / في دراستي حول صورة العرب في المناهج الدراسية الإيرانية، أشرت إلى أن المناهج الإيرانية تتسم بنبرة عدائية تجاه العرب وتروج لصورة سلبية عنهم، هذه المناهج تُظهر العرب بشكل متعالي، في إطار يروج للتفوق الإيراني على العرب ويعزز شعورًا بالقومية الفارسية المهيمنة، هذه المناهج تروج لفكرة أن العرب هم "أمة بدويه جاهلة مكونه من مجموعة من الرعاع التي لا تمتلك مقومات الحضارة "، وغالبًا ما يتم تحقيرهم في التاريخ وفي المناهج التربوية الإيرانية. حيث يتم تصوير العرب على أنهم "مقصرون" أو "ضعفاء"، ومغفلون ومتآمرون وقصيروا النظر ولصق أبشع الصفات بهم ... بينما يتم إعلاء دور الفرس وحضارتهم في التاريخ الإسلامي؛ هذا النوع من التربية يسهم في نشر مشاعر الكراهية والتمييز ضد العرب ويعزز من فكر التفوق العرقي والتمسك بالمشروع الإيراني في المنطقة مع اعتبار الشيعة العرب شيعة من الدرجة الثانية الذين ينبغوا أن يكونوا مجرد قرابين للمشروع الإيراني التوسعي .
الميثاق كيف يمكن أن نحصن الأجيال من خطورة المشروع الإيراني ؟
العتوم / لحماية الأجيال من تأثيرات المشروع الإيراني، يمكن اتباع مجموعة من الأساليب:
تعليم الأجيال تاريخًا دقيقًا ويجب أن يتم التركيز على تاريخ المنطقة بشكل دقيق، مع إبراز العلاقات الأخوية والتاريخية بين العرب وإيران بعيدًا عن التأثيرات الإيرانية التي تحاول خلق انقسامات.
تعزيز الهوية الثقافية: يجب تقوية الهوية الوطنية العربية من خلال تعزيز الثقافة العربية والتراث الإسلامي بشكل شامل يشمل كافة المكونات الثقافية.
الاستثمار في التعليم والسياسات التربوية: ضرورة تضمين المناهج الدراسية في الدول العربية مواد تبرز أهمية الوحدة العربية ومخاطر التدخلات الخارجية على النسيج الاجتماعي العربي.
التوعية الإعلامية: استخدام وسائل الإعلام العربية بشكل فعال لرفع الوعي حول التهديدات الإيرانية وفضح سياساتها التوسعية.
الميثاق/ ما هي الوسائل الثقافية للتصدي للغزو الثقافي والفكري الإيراني في مجتمعنا العربي؟
العتوم / لتصدي الغزو الثقافي الإيراني، يمكن تبني عدة وسائل ثقافية ومنها:
التركيز على الإعلام العربي: إنشاء قنوات ومواقع إعلامية تهتم بنشر الفكر العربي وتنشر مقالات وفيديوهات تثقيفية تفضح إستراتيجيات إيران في المنطقة.
الندوات والمؤتمرات الثقافية: إقامة فعاليات ثقافية وفكرية تهدف إلى مناقشة مخاطر المشروع الإيراني وتوضيح أبعاده السياسية والثقافية، وذلك بمشاركة مفكرين من مختلف التوجهات العربية.
تعزيز الإنتاج الثقافي والفني: من خلال أفلام ومسلسلات وبرامج تلفزيونية تعكس الهوية العربية وتنبذ الفتنة الطائفية التي تحاول إيران نشرها.
مكتبات ومراكز ثقافية: يجب تعزيز إنشاء مكتبات ومراكز ثقافية تعنى بتعليم الناس تاريخهم وثقافتهم وحماية الهوية العربية من التأثيرات الخارجية.
الميثاق/ هل تقترح على الدول العربية إضافة مادة دراسية تكشف المشروع الإيراني عبر ولاية الفقيه؟
العتوم/: نعم من المفيد إضافة مادة دراسية تكشف المشروع الإيراني ومفهوم "ولاية الفقيه" في المناهج الدراسية العربية. هذه المادة يمكن أن تكون جزءًا من المناهج السياسية والاجتماعية، تهدف إلى تقديم شرح واضح حول أيديولوجية ولاية الفقيه، وكيفية تأثيرها على السياسات الإيرانية الخارجية. كما يجب أن توضح كيف تستخدم إيران "ولاية الفقيه" لتبرير تدخلاتها في شؤون الدول العربية ودعم الجماعات المسلحة في المنطقة؛ هذه المادة قد تساهم في توعية الأجيال الشابة بخطر التوسع الإيراني والكيفية التي يتم من خلالها استخدام الأيديولوجية الطائفية في سياق السياسة الخارجية.
الميثاق/ هل الإيرانيون يقفون صفًا واحدًا خلف مشروع النظام السياسي التوسعي في المنطقة؛ ولماذا لا نعمل عبر الشعوب المظلومة داخل إيران؟
العتوم/ ليس جميع الإيرانيين يقفون وراء سياسة النظام التوسعية في المنطقة، هناك قطاعات واسعة من الشعب الإيراني الذين يرفضون سياسات الحكومة الخارجية وخاصة التوسع الإقليمي المكلف اقتصاديًا، فضلًا عن التدخلات العسكرية في سوريا والعراق واليمن؛ هؤلاء الإيرانيون يعانون من تأثيرات هذه السياسات على حياتهم اليومية، بما في ذلك العقوبات الاقتصادية والفقر. من المهم دعم هذه الأصوات داخل إيران، سواء عبر دعم المنظمات غير الحكومية التي تعمل على تعزيز حقوق الإنسان أو عبر تفعيل التواصل مع الإيرانيين المناهضين للنظام في المنتديات الدولية.
الميثاق/ هل الإعلام العربي والشخصيات المؤثرة تؤدي دورها في التصدي لخطورة النظام الإيراني أم هناك تقصير؟
العتوم/ الإعلام العربي والشخصيات المؤثرة يمكن أن يلعبوا دورًا رئيسيًا في التصدي للمشروع الإيراني، ولكن هناك بعض التقصير في هذا المجال، على الرغم من وجود بعض القنوات والوسائل الإعلامية التي تفضح السياسات الإيرانية وتعمل على توعية الجمهور العربي بخطورة التوسع الإيراني، إلا أن هذه الجهود غالبًا ما تكون متناثرة؛ لتكون هذه الجهود أكثر فعالية، ينبغي أن يكون هناك تنسيق أكبر بين الإعلام العربي على كافة الأصعدة، بالإضافة إلى دعم المثقفين والكتّاب والمؤثرين لتسليط الضوء على السياسات الإيرانية المعادية للمنطقة. الإعلام العربي بحاجة إلى أن يكون أكثر قوة واحترافية في مواجهة الهجوم الثقافي الإيراني، وأن يركز على توحيد المواقف العربية في هذا السياق.
الميثاق/ هل تعتقد أن المشروع الإيراني التوسعي مهدد بنكسة وربما تراجعا بعد مقتل نصر الله وتفكيك وحدة الساحات؟
العتوم/ اغتيال حسن نصر الله، الأمين العام لحزب الله، سيكون له تأثير كبير على المشروع الإيراني في المنطقة. لكن من المهم أن نلاحظ أن المشروع الإيراني في الشرق الأوسط يتسم بالقوة التنظيمية والتأثير السياسي العميق عبر وكلائها في العديد من البلدان مثل لبنان وسوريا والعراق واليمن. حزب الله يعد واحداً من أذرع إيران القوية في المنطقة، ولكن ليس العامل الوحيد.
اغتيال نصر الله يمكن أن يسبب اضطراباً في الهيكل القيادي لحزب الله، وقد يعرقل بعض النشاطات على المدى القصير، لكنه لا يعني بالضرورة انهيار المشروع الإيراني. إيران تمتلك شبكة من التحالفات والشبكات الإقليمية التي يمكن أن تواصل تنفيذ مصالحها الإستراتيجية حتى في حال غياب شخصيات محورية.
الميثاق/ أين تضع المشروع الإيراني التوسعي بين التضليل والأمنيات؟
العتوم/ أما بالنسبة لمسألة "التضليل والأمنيات"، فيبدو أن هناك تحليلات متباينة بشأن قدرة إيران على الحفاظ على مشروعها في ظل الظروف الراهنة، قد تكون بعض التصريحات أو التحليلات مبالغ فيها أو قائمة على الأمنيات من قبل الأطراف المناوئة للمشروع الإيراني، في حين أن الواقع الإقليمي أكثر تعقيداً ويعتمد على مجموعة من العوامل العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية التي يمكن لإيران الاستفادة منها.
بالتالي، في حين أن اغتيال نصر الله قد يكون ضربة قوية على المستوى الرمزي والعملي، إلا أن المشروع الإيراني ليس مهدداً بالزوال في المدى القريب، لكنه قد يواجه تحديات معقدة من داخل المنطقة وخارجها.
الميثاق/ ما هي خيارات إيران في توجيه ضربة استباقية للمنشئات النووية الإسرائيلية؟
العتوم/ إيران لديها عدة خيارات نظرية لتوجيه ضربة استباقية للمنشآت النووية الإسرائيلية، لكن تنفيذ ذلك سيكون معقدًا ويعتمد على عوامل عدة: الضربات العسكرية المباشرة: إيران يمكن أن تستهدف المنشآت النووية الإسرائيلية (مثل ديمونا) باستخدام الصواريخ الباليستية أو الطائرات دون طيار؛ لكن هذه الضربات قد تكون غير فعالة في تدمير المنشآت بشكل كامل، خاصة أن إسرائيل قد تكون قد عززت دفاعاتها الجوية، مثل القبة الحديدية وأنظمة القتال الإلكترونية.
العمليات الهجومية غير التقليدية: قد تلجأ إيران إلى تنفيذ هجمات على شكل عمليات سرية أو هجمات إلكترونية، مثل الهجوم على أنظمة الكمبيوتر الخاصة بالمنشآت النووية أو استخدام أساليب التخريب على الأرض.
توسيع الهجمات عبر وكلائها: إيران قد تحاول تنسيق هجمات عبر وكلائها في المنطقة، مثل حزب الله في لبنان أو الجماعات المسلحة في غزة أو العراق؛ هذا يمكن أن يكون تكتيكًا لا يقتصر على الهجوم المباشر على المنشآت النووية الإسرائيلية، بل يهدف إلى استنزاف إسرائيل وزيادة التوتر في المنطقة بشكل عام.
استهداف البنية التحتية الإستراتيجية: قد تكون إيران قادرة على استهداف البنية التحتية الحيوية في إسرائيل بشكل عام، مثل الموانئ والمطارات أو أنابيب النفط، مما يضع ضغطًا كبيرًا على إسرائيل ويشغل قواتها بعيدًا عن التركيز على الرد المباشر.
ومع ذلك فإن أي هجوم استباقي على المنشآت النووية الإسرائيلية من قبل إيران يمكن أن يجر المنطقة إلى حرب شاملة، بما في ذلك تدخل الولايات المتحدة وحلفائها. علاوة على ذلك، من المرجح أن تواجه إيران مقاومة شديدة من إسرائيل والقوى الدولية الكبرى، مما يزيد من تعقيد أي تحرك عسكري.
الميثاق/ كيف تفسر عدم جدية المجتمع الدولي في تعاطيه مع سعي إيران لامتلاك القنبلة النووية؟
العتوم/ من الصعب القول إن المجتمع الدولي "غير جاد" في تعاطيه مع سعي إيران لامتلاك سلاح نووي، لكن هناك عدة أسباب تساهم في مواقف الدول المختلفة:
التوازن بين الضغوط والديبلوماسية: العديد من الدول الكبرى مثل الولايات المتحدة، روسيا، والصين، تتبنى سياسة الحوار مع إيران لاحتواء طموحاتها النووية دون التصعيد إلى حرب شاملة. الاتفاق النووي الإيراني (JCPOA) الذي تم التوصل إليه في 2015 كان مثالاً على هذه الدبلوماسية، وفي الوقت نفسه، هناك مخاوف من أن الضغط على إيران قد يؤدي إلى تصعيد أكبر، بما في ذلك الهجمات العسكرية أو اندلاع نزاع واسع.
الانقسامات الدولية: ليس هناك توافق كامل بين الدول الكبرى حول كيفية التعامل مع الملف النووي الإيراني، فبعض الدول الأوروبية قد تكون أكثر ميلاً للتفاوض والدبلوماسية، بينما تدعو إسرائيل والولايات المتحدة إلى ضغوط أكبر على إيران أو حتى خيار العمل العسكري.
المصالح الاقتصادية والسياسية: بعض الدول في المجتمع الدولي قد تكون لديها مصالح اقتصادية أو جيوسياسية مع إيران أو تعتبرها عنصرًا مهمًا في استقرار المنطقة؛ هذه المصالح قد تجعل هذه الدول أكثر مرونة في التعامل مع إيران، وتفضل الحوار على المواجهة.
حسابات إسرائيلية وأمنية: إسرائيل، التي تعتبر سعي إيران للقدرة النووية تهديدًا وجوديًا، تتصرف بشكل مستقل إلى حد كبير. لكنها في الوقت نفسه تتعامل مع ضغوط دولية تتعلق بالتصعيد العسكري، وقد تشعر بالضغط لعدم اتخاذ إجراءات أحادية.
تجارب الحرب والتدخل العسكري: العديد من الدول في المجتمع الدولي تعلم أن الحروب العسكرية، خصوصًا في منطقة الشرق الأوسط، يمكن أن تؤدي إلى نتائج غير متوقعة، بما في ذلك زيادة الفوضى وزيادة أعداد اللاجئين وتوسيع نفوذ القوى المعادية للغرب مثل إيران.
الانتشار النووي والعقوبات: المجتمع الدولي يواجه أيضًا معضلة في كيفية التعامل مع انتشار الأسلحة النووية في العالم؛ إذا تم السماح لإيران بالحصول على سلاح نووي، قد يؤدي ذلك إلى تسريع سباق تسلح نووي في الشرق الأوسط مع دول أخرى مثل السعودية وتركيا.
النتيجة من خلال هذه العوامل، يبدو أن المجتمع الدولي يفضل استخدام الوسائل الدبلوماسية والاقتصادية لاحتواء برنامج إيران النووي؛ في حين أن هناك استعدادات للحفاظ على الضغط على إيران (مثل العقوبات والتعاون الاستخباراتي مع إسرائيل)، فإن أي تصعيد عسكري قد يكون محفوفًا بالمخاطر وقد يؤدي إلى نتائج غير متوقعة.
الميثاق/ ما هي السبل لمواجهة المشروع الإيراني في منطقة الخليج العربي ومنعه من التمدد:
العتوم/ مواجهة المشروع الإيراني في الخليج العربي يتطلب إستراتيجية شاملة من دول المنطقة والمجتمع الدولي، تشمل:
التعاون الأمني الإقليمي: يجب على دول الخليج تعزيز التعاون الأمني والعسكري بينها لمواجهة التهديدات الإيرانية؛ هذا التعاون قد يشمل تبادل المعلومات الاستخباراتية، والتعاون الدفاعي المشترك، وتطوير قدرات الدفاع الصاروخي، وتوحيد الجهود العسكرية في إطار تحالفات مثل "مجلس التعاون الخليجي" أو التعاون مع قوى دولية مثل الولايات المتحدة يمكن أن يكون له تأثير ردع.
والضغط السياسي والدبلوماسي: ينبغي تكثيف الضغط على إيران عبر المؤسسات الدولية مثل الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان، ويمكن استخدام العقوبات الاقتصادية والدبلوماسية لفرض ضغوط على طهران لوقف دعمها للجماعات المسلحة في المنطقة أو محاولاتها لتوسيع نفوذها في دول الخليج.
وتعزيز الاستقرار الداخلي: من المهم أن تواصل دول الخليج تحسين الاستقرار الداخلي وتعزيز التطور الاقتصادي والاجتماعي لضمان مقاومة أي محاولات من إيران أو حلفائها لتقويض الأنظمة في هذه الدول. واستقرار دول الخليج يمكن أن يقلل من قدرة إيران على التأثير في الشؤون الداخلية للدول المجاورة.
وتحجيم النفوذ الإيراني عبر الوكلاء: يمكن لدول الخليج أن تكثف جهودها لمكافحة التدخل الإيراني في الشؤون الداخلية لدول المنطقة من خلال دعم الحكومات المحلية أو الجماعات المعارضة التي تقاوم النفوذ الإيراني.
الميثاق/ ولكن كيف ستتعامل دول الخليج مستقبلا مع جارة نووية، لها أهداف ونوايا عدوانية في الخليج العربي؟
العتوم / إذا حصلت إيران على السلاح النووي، ستواجه دول الخليج تحديات معقدة في تعاملها مع جارة نووية ذات أهداف ونوايا قد تُعتبر عدوانية في المنطقة، مع مرور الوقت، ستكون الخيارات كالتالي:
الردع النووي: دول الخليج قد تسعى إلى تطوير قدرات ردع نووي عبر مسارات متنوعة، بما في ذلك الشراكات الإستراتيجية مع القوى الكبرى التي تمتلك أسلحة نووية. قد تكون الشراكة مع الولايات المتحدة أو الدول الغربية الأخرى جزءاً من هذه الإستراتيجية لضمان حماية الخليج من أي تهديد نووي.
والتحالفات الأمنية: مع بروز إيران كدولة نووية، ستحتاج دول الخليج إلى تعزيز التحالفات الدفاعية مع القوى النووية مثل الولايات المتحدة وروسيا والمملكة المتحدة لضمان الحماية من أي تهديدات محتملة. ستكون هذه التحالفات أكثر أهمية في توفير حماية مشتركة ضد أي تهديدات نووية محتملة من إيران.
التسليح المتقدم وتطوير الدفاعات الصاروخية: دول الخليج ستستثمر أكثر في تطوير أنظمة الدفاع الصاروخي المتقدمة، مثل أنظمة الدفاع الجوي مثل "ثاد" أو "باتريوت" للحماية من أي هجوم محتمل من قبل إيران، علاوة على ذلك، قد تسعى إلى تطوير برامجها العسكرية الخاصة أو تعزيز القدرات الهجومية للردع ضد أي تصعيد نووي.
السياسة متعددة الأطراف: سيكون من المهم أن تتبع دول الخليج سياسة دبلوماسية متوازنة تحاول تفادي التصعيد مع إيران في الوقت الذي تحمي فيه مصالحها الأمنية؛ بناء تحالفات مع دول مثل الهند واليابان أو دول الاتحاد الأوروبي قد يكون مهماً لتحقيق توازن في العلاقات.
الميثاق/ وماذا ترى في المطالبين بمشروع نووي عربي لمواجهة المشروع الإيراني؟
العتوم/ المطالب بتطوير مشروع نووي عربي لمواجهة إيران هي فكرة مثيرة للجدل، وتحمل جوانب إيجابية وسلبية:
الإيجابيات: الردع النووي إذا حصلت دول عربية على قدرة نووية، قد يوفر ذلك نوعًا من الردع ضد أي تهديدات إيرانية. وجود قدرات نووية قد يجعل إيران تعيد حساباتها قبل التفكير في أي عمل عسكري ضد دول الخليج.
تعزيز الاستقلالية: برنامج نووي عربي قد يعزز من قدرة الدول العربية على حماية مصالحها بعيدًا عن الاعتماد على القوى الخارجية (مثل الولايات المتحدة أو دول أخرى).
السلبيات: السباق النووي يمكن أن يؤدي تأسيس برامج نووية في المنطقة إلى سباق تسلح نووي في الخليج، مما يزيد من التوترات في المنطقة ويؤدي إلى مزيد من عدم الاستقرار.
المعارضة الدولية: مشروع نووي عربي قد يواجه معارضة قوية من المجتمع الدولي، بما في ذلك الدول الكبرى مثل الولايات المتحدة أو أوروبا، خاصة إذا لم يتوافق مع معايير عدم انتشار الأسلحة النووية. قد تفرض عقوبات أو ضغوط دولية على هذه الدول.
والمخاطر الأمنية: وجود أسلحة نووية في المنطقة يعرضها لخطر أكبر من الهجمات أو السرقات أو التهديدات الإرهابية، مما قد يزيد من تعقيد الأوضاع الأمنية.
وبدلاً من السعي إلى تطوير سلاح نووي، قد يكون من الأفضل أن تركز الدول العربية على تعزيز التعاون في مجالات الدفاع الحديثة، بما في ذلك الدفاعات الجوية، التكنولوجيا العسكرية المتقدمة، وتطوير تحالفات أمنية قوية مع القوى الكبرى.
التعاون العربي في مجال الطاقة النووية السلمية هو بديل محتمل لتطوير الأسلحة النووية، بعض الدول العربية مثل الإمارات العربية المتحدة أطلقت مشاريع للطاقة النووية السلمية، وهذا يمكن أن يكون بمثابة رد على الطموحات الإيرانية النووية دون السعي إلى سباق تسلح نووي.
النتيجة: مواجهة المشروع الإيراني في الخليج تتطلب توازنًا بين التعاون الأمني الإقليمي والتحالفات الدولية القوية.، بينما قد يكون الرد النووي خيارًا لبعض الدول، إلا أن تطوير برامج نووية عربية قد يفاقم الوضع ويؤدي إلى مزيد من التوترات الإقليمية؛ الأفضل أن تركز دول الخليج على تعزيز قدراتها الدفاعية عبر التحالفات العسكرية المتينة، وتجنب التصعيد النووي الذي قد يؤثر سلبًا على الاستقرار في المنطقة.
الميثاق/ عشتم في إيران سنوات عديدة؛ ما هو أفق استمرار النظام في ظل الانتكاسات والتحديات الداخلية التي يواجهها؟
العتوم/ النظام الإيراني يواجه تحديات داخلية كبيرة، منها الأزمة الاقتصادية الناتجة عن العقوبات الأمريكية، والتحديات الاجتماعية والسياسية، خاصة في ظل الاحتجاجات الشعبية والضغوط على الحريات. ومع ذلك النظام الإيراني يمتلك أدوات قوية للبقاء في السلطة، مثل السيطرة على الأجهزة الأمنية، والتأثير على القوات العسكرية (الحرس الثوري)، والقدرة على استخدام المليشيات التابعة له في الخارج لترسيخ شرعيته داخليًا عبر خطاب الوحدة والمقاومة ضد "الأعداء" كما أن القيادة الإيرانية تحافظ على هيكل سياسي راسخ يقوده رجال دين، مما يعزز من شرعية النظام في نظر قطاعات واسعة من الشعب الإيراني. وبالتالي يمكن للنظام الإيراني أن يستمر على المدى القريب رغم التحديات، لكن استمرار هذا الوضع على المدى الطويل يعتمد على كيفية تعامل النظام مع أزماته الاقتصادية والسياسية وتفاعلاته مع القوى الكبرى.
الميثاق/ هل أنت مع الراي القائل إن إيران تصدر أزماتها إلى الخارج وتستثمرها لصالح مشروعها؟
العتوم/ نعم إيران غالبًا ما تلجأ إلى تصدير أزماتها الداخلية إلى الخارج كوسيلة لتوحيد الشعب خلف النظام وحرف الأنظار عن المشاكل الداخلية، هذا يتم عبر دعم الحركات الموالية لها في دول مثل لبنان وسوريا واليمن، وتعزيز خطابها الثوري الذي يروج لمقاومة "الهيمنة الغربية" و"التوسع الصهيوني" من خلال هذه الإستراتيجية، تحاول إيران إظهار قوتها الإقليمية وحشد الدعم الشعبي المحلي، مما يخفف الضغط الداخلي. هذا النهج يساعد في توسيع نفوذها الإقليمي، ولكن في الوقت نفسه يفاقم التوترات الإقليمية ويزيد من عزلتها الدولية.
الميثاق/ كيف تقرأ المشهد السياسي والأمني بعد ما جرى في غزة ولبنان؟
العتوم/ الأحداث في غزة ولبنان تمثل معادلة معقدة للنظام الإيراني. في غزة، فإن دعم إيران لحركة حماس يساهم في تعزيز مكانتها كراعٍ رئيسي للمقاومة ضد إسرائيل. أما في لبنان فإن حزب الله يمثل أحد الأذرع العسكرية الإيرانية، ويعزز نفوذها في المنطقة. الهجمات في هذه المناطق تؤكد على قدرة إيران على التأثير في الصراعات الإقليمية، ولكنها أيضًا تعرضها لانتقادات دولية ومحلية. في المقابل إسرائيل تعتبر هذا التوسع تهديدًا وجوديًا، مما يزيد من احتمالات التصعيد العسكري في المنطقة.
الميثاق/ وهل للمعارضة الإيرانية دور في إضعاف النظام وكشف أزماته؟
العتوم/ المعارضة الإيرانية لها دور محدود ولكن متزايد في إضعاف النظام، الاحتجاجات الشعبية الأخيرة في إيران، مثل تلك التي اندلعت في 2019 وبعد وفاة مهسا أميني في 2022، أظهرت عدم رضا قطاعات واسعة من الشعب عن النظام. المعارضة الداخلية تتنوع بين جماعات إصلاحية تطالب بالتغيير السلمي وجماعات أخرى تطالب بتغيير جذري للنظام. وفي الخارج المعارضون الإيرانيون يحاولون توحيد صفوفهم في محاولة لإضعاف النظام عبر الضغط الدبلوماسي، ولكن يظل تأثيرهم محدودًا في ظل القمع الداخلي والحصار السياسي.
الميثاق/ كيف تفسر التردد الإيراني على الرد على هجمات الكيان الصهيوني؟
العتوم/ التردد الإيراني في الرد على هجمات إسرائيل يعكس توازنًا دقيقًا بين استعراض القوة والحرص على تجنب التصعيد الكبير؛. إيران قد تكون مترددة في الدخول في مواجهة مباشرة مع إسرائيل، خاصة في ظل العقوبات الاقتصادية والعزلة الدولية وفي الوقت نفسه تسعى إيران إلى الحفاظ على صورة القوة الإقليمية من خلال الرد عبر وكلائها في المنطقة (مثل حزب الله في لبنان أو الميليشيات في سوريا والعراق) هذا التردد قد يكون أيضًا إستراتيجية لكسب الوقت وتعزيز موقفها في المفاوضات النووية أو العسكرية على المدى الطويل.
الميثاق/ هناك من يعتقد أن عدم الرد الإيراني هو محاولة لتضليل الراي العام وتسويفه وصولا إلى العتبة النووية؛ كيف ترد؟
العتوم/ من الممكن أن يكون التردد الإيراني في الرد على الهجمات الإسرائيلية جزءًا من إستراتيجية لتضليل الرأي العام؛ بإبقاء التصعيد تحت السيطرة، تحاول إيران إظهار نفسها كداعم للمقاومة ضد إسرائيل دون الوقوع في فخ المواجهة المباشرة على المدى الطويل، يمكن أن تسعى إيران إلى "التسويف" في الرد على الهجمات بينما تواصل تطوير برامجها النووية في السر، مستغلة الوقت لتصبح على "عتبة نووية" هذا يتيح لها تقديم نفسها كقوة إقليمية لا يمكن تجاهلها، بينما تستفيد من ضبابية المواقف الدولية.
الميثاق/ لإيران أذرع ذات أنياب طائفية في العراق ولبنان واليمن وسوريا يعتقد محللون أنها في خدمة المشروع الإيراني؛ كيف تقرأ هذه المقاربة؟
العتوم/ من الصعب إنكار أن إيران استخدمت هذه الأذرع الطائفية لتحقيق مصالحها الإستراتيجية في المنطقة.؛ دعمها لحزب الله في لبنان، والحشد الشعبي في العراق، والحوثيين في اليمن، والوجود العسكري في سوريا هو جزء من مشروعها لتوسيع نفوذها وبسط هيمنتها الإقليمية. هذه الأذرع تعزز قدرتها على تهديد الأمن الإقليمي وتعقيد الوضع في الدول المعنية؛ هذا الدعم يمنح إيران نفوذًا غير مباشر، مما يسمح لها بالتأثير على الحكومات والقرارات السياسية في هذه الدول. هذه المقاربة يمكن أن تكون فعالة على المدى القصير، لكنها تزيد من تفاقم الأزمات في المنطقة وتساهم في تأجيج الطائفية والصراعات الطويلة.
الميثاق/ هل تعتقد أن إدارة ترامب هي في وارد مواجهة إيران ومنعها من التمدد في المنطقة وتقاطعها مع الرؤية الأمريكية لمستقبل المنطقة أم إن التخادم بين الطرفين سيكون هو الغالب بينهما؟
العتوم/ إدارة ترامب كانت حازمة في موقفها ضد إيران، وخاصة بعد انسحابها من الاتفاق النووي في 2018، وفرض العقوبات الاقتصادية المشددة على إيران، مما عزز الضغط عليها، ترامب كان يرى أن سياسة "الضغط الأقصى" هي الوسيلة المثلى لمنع إيران من التمدد النووي والإقليمي في نفس الوقت، كان لترامب تواطؤ في بعض الأحيان مع بعض السياسات الإسرائيلية والسعودية التي تسعى إلى مواجهة إيران.
أما بالنسبة لمستقبل العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران في ظل إدارة بايدن، فقد كان التركيز على العودة إلى المفاوضات النووية، ورغم أن "التخادم" بين الطرفين ليس دقيقًا، فإن هناك أوجه من التعاون على المستوى التكتيكي (مثل محاولة كبح التمدد الإيراني في بعض المناطق)، ولكن الخلافات الأساسية بشأن السلوك النووي والسياسة الإقليمية تبقى قائمة.
الخلاصة:
التصدي للمشروع الإيراني يتطلب نهجًا شاملًا، يشمل التثقيف وتوعية الأجيال، تعزيز الهوية الثقافية، دعم الإعلام العربي، والاعتماد على التعاون بين الدول العربية لمكافحة التأثير الإيراني. العمل عبر المجتمع الإيراني نفسه ودعمه في رفض سياسات النظام قد يكون خطوة مهمة أيضًا لخلق مقاومة داخلية، بينما يجب تكثيف الوعي داخل العالم العربي حول طبيعة المشروع الإيراني وأبعاده الخطيرة.