حوار الميثاق مع الأديب والسياسي "أحمد عبد الهادي الحبوبي"
(القيادة في التيار القومي العربي في العراق، ومن عائلة الحبوبي أحد قيادات ثورة العشرين)
الميثاق| ماذا تختزن ذاكرتكم عن مسار ثورة العشرين عند أحد قلاعها (ذي قار)؟ وما هو العامل المشترك بين ثورة العشرين وثورة تشرين الحالية؟
الحبوبي| في ذكرى ثورة العراق الكبرى في 30 حزيران 1920م، وأنا ابن أخ العلامة المجاهد السيد (محمد سعيد الحبوبي) الذي قاد المجاهدين لمحاربة الإنجليز عندما نزلوا ميناء البصرة عام 1914م إبان الحرب العالمية الأولى عندما تنادى العلماء الأعلام والمجاهدون الوطنيون لمحاربة المحتل، وقاد جيش المجاهدين سائرا بهم من النجف مرورا بالقبائل والعشائر العراقية حتى وصل بهم إلى "الشعيبة" قرب الناصرية، وفي "الشعيبة" دخل المجاهدون بمعركة ضد الإنجليز وكان بلائهم حسنا وصمودهم رائعا لولا خطأ الضابط العثماني الذي كان يتولى قيادة الجيش النظامي وكان هذا الضابط جريحا ومحمولا على مِحفَّة وكانت نتيجة هذا الخطأ خسائر كبيرة في صفوف المجاهدين مما دعا هذا الضابط العثمان إلى الانتحار وإن كانوا الإنجليز تكبدوا خسائر كبيرة أيضا، وكانت من خسائر المجاهدين الكبيرة هي استشهاد عمي السيد "محمد سعيد الحبوبي"، إذ وافته المنية هناك وغُسِّل جثمانه في الناصرية في بيت (العضاض) وحُمل إلى النجف ودُفن في الصحن الحيدري وذلك في عام 1915م، ووفاءً من الناصرية وأهاليها الكرام أقاموا لعمي الشهيد "محمد سعيد الحبوبي" تمثالا في أكبر ساحات مدينة الناصرية وذلك في ستينات القرن الماضي وسميت بـ "ساحة الحبوبي"
ومن هذه الساحة انطلقت ثورة الناصرية المباركة ضد "العملية السياسية" الباطلة والفاشلة والفاسدة؛ وأهالي الناصرية بثورتهم الوطنية الحالية كأنهم يحاكون الحبوبي والمجاهدين الذين خاضوا حربهم في معركة "الشعيبة" ضد المحتل الإنجليزي.
الميثاق| ماهي أبرز الساحات التي شهدت انطلاق ثورة العشرين؟
الحبوبي| استمر نضال الشعب العراقي ضد الاحتلال الإنجليزي يتصاعد في كثير من الساحات العراقية خاصة بعد دخول الجنرال الإنجليزي "مود" لبغداد عام 1917م، ومات مود في نفس السنة التي دخل بها بغداد بداء "الكوليرا"؛ وقامت سلطات الاحتلال البريطانية بعد وفاته ببناء تمثال له في بغداد، في عام 1923م، مقابل مقر دار المندوب السامي البريطاني وصار فيما بعد السفارة البريطانية ببغداد. وبقي صرح التمثال حتى صبيحة يوم 14 تموز 1958م حيث هدمه المتظاهرون تعبيرا عن نهاية الوجود البريطاني في العراق. وفي عام 2003م، بعد غزو العراق سمي مقر قيادة الجيش البريطاني في المنطقة الخضراء في بغداد "دار مود" تكريما له.
ومن الساحات التي استمر فيها تصاعد نضال الشعب في النجف فمثلا قامت جماعة "ملا نجم البقال" باقتحام السراي وقتل الضابط الإنجليزي "مارشال" وسيطروا على النجف عام 1918م؛ وتعرضت القوات الإنجليزية في كثير من المدن العراقية مثل "الشامية، والسماوة، وأبو صخير، والحلة" وغيرها للتعرض تمهيدا وإرهاصا لقيام ثورة 30 حزيران 1920م عقب اعتقال الشيخ "شعلان أبو الجون" من قبل القوات البريطانية في "الرميثة" وقامت عشيرته بالهجوم على سراي الحكومة وتخليص الشيخ "شعلان" من الاعتقال، وكان هذا الهجوم إيذانا باندلاع الثورة في كل الفرات الأوسط حيث كان رؤساء وقبائل وعشائر الفرات في اجتماع وتنسيق مستمر ودائم للأعداد لهذه الثورة التي أيدتها ومحضتها ودعمتها وأعطتها الشرعية الدينية فتوى العلامة الكبير "الشيخ محمد تقي الشيرازي" وكان مقره في كربلاء بشرعية قتال المحتل الأجنبي وهكذا قامت ثورة 30 حزيران 1920م وكبدت الانجليز خسائر فادحة واشترك فيها كل أطياف الشعب العراقي بما فيهم الأكراد واستمرت أشهرا عديدة.
الميثاق| كيف ترى دور الشيخ المجاهد ضاري المحمود في ثورة العشرين؟ وبماذا تفسر محاولات التقليل من هذا الدور الوطني؟
الحبوبي| مما يؤسف له أن تصدر اليوم أصوات تنكر أي دور للشيخ (ضاري المحمود) في هذه الثورة والحقيقة الناصعة أن الشيخ "ضاري" شيخ عشيرة زوبع هو الذي قتل الضابط الإنجليزي "لجمان" في "أبو غريب" والتحق بقادة الثورة في كل من كربلاء والنجف ومعه أولاده وبقي ملاحقا من قبل قوات الاحتلال وحكم عليه بالإعدام إلا أنه توفي في السجن رحمه الله، وقد اشترك في هذه الثورة أيضا "علي ابن عم العلامة المجاهد محمد سعيد الحبوبي" مشاركة وامتدادا لإسهام والده في مقارعة المحتل وكان من حصيلة هذه الثورة وما تكبده الانجليز من خسائر كبيرة في الأرواح والمعدات أن اضطرت بريطانيا لاستقدام السير "برسي كوكس" من إيران حاكما عاما في العراق والتمهيد لقيام حكم وطني بمناداة الشريف حسين شريف مكة ملكا على العراق عام 1921م.
الميثاق| بعد أن انتصرت ثورة العشرين قام الشعب العراقي بالعديد من الثورات وآخرها ثورة تشرين ضد الوجود الأجنبي والعملية السياسية، هل تعتبر هذه الثورات امتداد لثورة العشرين؟
الحبوبي| هذا يعني ومن خلال دراسة هذه الثورة المباركة أن العراقيين جميعهم يرفضون حكم المحتل الأجنبي ويعارضون أي حكم أو حكومة مرتبطة بالاحتلال الأجنبي بدليل أن الشعب العراقي ظل يعارض ويكافح ويناضل طوال فترة ما يسمى بالحكم الوطني المرتبط بتحالفات مع بريطانية وحلف بغداد الاستعماري إلى أن حقق الشعب العراقي انتصاره في ثورة 14 تموز 1958م، بحسبانه أنه تخلص من الاستعمار وحلفائه وموبقاته وشروره، ولكن سقط سريعا مع الأسف في صراعاته الداخلية "الأيديولوجية" وبدعم خارجي منذ ذلك التاريخ وحتى وقتنا الحاضر والشعب العراقي يتجرع الكثر من المآسي والقصص إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا فتسترد سيادته وكرامته وحريته قريبا إن شاء الله.
ومن المعارك التي يتصدى إليها شعبنا العراقي اليوم منتفضا ضد الوجود الأجنبي وضد "العملية السياسية" التي أقامها المحتل الأمريكي كأنما هي امتداد ومحاكاة لثورة العراقية الكبرى في حزيران 1920م.
وتبقى ساحة الحبوبي في الناصرية والتي ترمز لنضال "محمد سعيد الحبوبي" 1915م رمزا أيضا لنضال أهالي الناصرية الكرام اليوم وكأنهم يحاكون أيضا آباءهم وأجدادهم الذين اشتركوا مع الحبوبي في نضالهم ضد المحتل الإنجليزي.
الميثاق| بماذا تفسر تراجع دور التيار القومي العربي في الحياة السياسية رغم اتساع جمهوره؟
الحبوبي| التيار القومي العربي تراجع كثيرا ليس في العراق فحسب بل في سائر الأقطار العربية جراء الضربات الموجعة التي تعرض لها خاصة من الأنظمة، (فالنظام العراقي السابق) له دور كبير وخطير في تصفية الوجود القومي "غير البعثي" في العراق وكذلك بقية الأنظمة العربية.
إضافة إلى الجهد الخارجي في محاربة وملاحقة وتصفية هذا التيار المعادي الشرس للتطلعات الاستعمارية والصهيونية.
هذا التيار تراجع ولكنه لم يمت ولله الحمد وآخر دليل ما شاهدناه من هبة قومية عارمة ضد العدوان الصهيوني الأخير على قطاع غزة، وأنا اشاهد تنامي وتصاعد وحضور وتفاعل الشعوب العربية شرقها وغربها إزاء قضايانا القومية.
ويخلص الأستاذ احمد الحبوبي الى القول حصيلة هذا المشوار أنى اعتذرت إلى الشعب العراقي من خلال مذكراتي (رسالة اعتذار إلى الشعب العراقي) لأنني لم أحقق ما كنا نأمل ونصبو إليه من آمال وطموحات شعبنا العراقي العظيم، كما أنني وجيلي لم نستطع أن نرد أو ندفع أو نذود عن الشعب العراقي وهو يتعرض للأذى والاضطهاد والإحباط
وأنا وبهذا العمر المتقدم وقد بارحني كل جيلي تقريبا غير نادم ولا محبط ولا يأس وأنا مطمئن كل الاطمئنان أن آمالنا وطموحاتنا الوطنية والقومية ستتحقق من خلال الجيل القادم، وأنا أشاهد انتفاضة العراق المباركة المجيدة وإصراره على تخليص وطنه من الطغم الفاسدة التي تحكمه رغم الضحايا الكثيرة التي يقدمونها.
الميثاق| كيف تقرأ تصميم شباب الثورة ونزوعهم للتغيير وصمودهم أمام محاولات وأد الثورة؟
الحبوبي| صحيح لا الانتخابات المزيفة والنواب المزيفون ولا قيام انقلاب عسكري محتمل، يتحقق للعراق والعراقيين ما يصبون إليه من وطن حر وسيد وذو كرامة وسيادة، الشعب وحده قادر على تحقيق ذلك من خلال هبته الشعبية الكاسحة، وآخر مثال نجاح هبة الشعب المصري في التخلص من حكم حسني مبارك
الشعب العراقي هو المخلص وسيقضي على "العملية السياسية" الباطلة والفاسدة وعلى كل المناصرين والمؤيدين والظالعين مع أي عنصر أجنبي سواء كانوا من إيران أو أمريكا أو أي عنصر أجنبي وسيظل العراق رديفا لأمته العربية
وبهذه المناسبة أحيي ذكرى ثورة العراق الكبرى ثورة 30 حزيران 1920م والمجد والخلود لشهداء العراق في كل العصور.
أحمد الحبوبي
القاهرة 21/6/2021