إياد العناز
الشعوب الحرة الأصيلة التي تنتمي الى ماضيها وتتفاعل مع حاضرها وتتسم بالجذور العميقة التي تميزها وتجعلها أيقونة للعطاء والكفاح والاستمرار بالحفاظ على القيم والأهداف السامية التي تتمسك بها وتدعو الى الخير والألفة والمحبة ووحدة الصف وتوحيد الرؤى الفكرية في سبيل حياة حرة كريمة عنوانها الاستقلال الوطني والقرار المستقل ورفض التبعية السياسية والتحكم بحياتها ومستقبل أجيالها ، هكذا كان شعبنا العراقي الثائر الذي اتصف بمعاني الجهاد والكفاح والتسامي والعطاء والوفاء والإخلاص والتفاني وهو يقارع الظلم والاستبداد الاجتماعي والفساد السياسي والاقتصادي ومراكز وأدوات الاغتيالات السياسية وعمليات الخطف والتعذيب القسري والملاحقات الأمنية والمتابعات الاستخبارية ويثبت إنه شعب الحضارات والجذور الأصيلة التي عشقت الأرض العراقية وكافحت من أجل صيانتها والدفاع عن حياض الوطن في أول يوم للمقاومة الوطنية الشعبية بعد احتلال العراق من قبل الغزو الأمريكي في 9 نيسان 2003 وأعطت لباقي الشعوب المكافحة والحرة درسا بليغا في كيفية مواجهة أهداف ومشاريع الاحتلال الأمريكي والأدوات التي جاء بها والعملية السياسية التي فرضها على أبناء الشعب العراقي في صورة واضحة ومقاومة شجاعة وأفكار مضيئة وإمكانيات كبيرة وبروح تتطلع للشهادة وبذل الغالي والنفيس من أجل البلاد.
تبقى السمة الأساسية التي يتصف بها الشعب العراقي المجاهد هي ثباته وتمسكه بمبادئه وأهدافه وتطلعاته نحو الحرية والاستقلال بعيدا عن الخنوع والسكون للظلم والعبودية ورفض جميع أشكال ومشاريع الاحتلال التصفوية والفئوية الضيقة التي تحاول أدوات ووكلاء العملية السياسية من تنفيذها وتطويق البلاد بها وتقيد حرية الشعب وإبعاده عن مواجهته لهذه الأفكار والمشاريع التي تبغي تعزيز قدرة المحتل الأمريكي وتنفيذ إرادة النظام الإيراني في الهيمنة واستمرار نفوذه لتحقيق المصالح المشتركة لجميع الأطراف والجهات الدولية والإقليمية التي لا زالت ترى في العراق ملاذها الدائم والأرض التي تستطيع أن تحقق وتنجز الكثير من أهدافها الاستراتيجية بما يحقق لها رؤية مستقبلية في التعامل مع جميع القضايا التي تهم منطقة الشرق الأوسط والوطن العربي .
يقظة الشعب الثائر وأدواته الوطنية والجماهيرية تمكنت من كشف هذه المشاريع وإفشال الخطط التي تستهدف وحدة وسلامة البلاد والحفاظ على منجزاته والإبقاء على جذوة الكفاح والتصدي للمؤامرات التي تحاك ضده وتعرية دور الأحزاب والحركات السياسية واستمرارها بالتمسك بمصالحها ومنافعها المادية والعمل على تسويق وتزويق العملية السياسية بما يخدم أهدافها وارتباطاتها الخارجية.
إستمر وهج ثورة تشرين المجيدة ودورها الطليعي والثوري في تحشيد الهمم وتوحيد الصفوف والرؤى لدى أبناء الشعب العراقي عندما أثبت حيوتها وصفاء فكرها ونقاء عطاءها وصدق نواياها وصبر رجالها وعنفوان جهادها وصلابة موقفها عندما وجهت صوت الشعب الثائر ليعلن مرة أخرى وبصورة متواترة أن الثورة مستمرة وقائمة ومتمسكة بأهدافها وتطلعاتها فانطلقت في العاشر من أيار 2020 برؤيتها الثاقبة وقيمها الراسخة ومبادئها السامية لتعلن حقيقة الموقف العراقي الثائر من جميع المحاولات التي تسعى الى إيقاف الزحف الجماهيري وإسكات الصوت الوطني والتأثير على معنويات الثوار البواسل لترسل عدة رسائل مهمة الى جميع الجهات والأحزاب والكتل السياسية التي حاولت استخدام مبدأ التسويف والمماطلة في التعامل مع ثورة الشعب المجاهد وأقنعت نفسها بأن لديها القدرة على مواجهة الثوار باستخدام مفردة الزمن أو التلاعب بالوقت في سبيل محاصرة الثوار أو التأثير على صبرهم ومواقفهم ومبادئهم ولكنهم فشلوا في تصوراتهم وأفكارهم وخططهم كما كان الفشل الذريع عنوانا لسياستهم في عدم معالجة جميع الأزمات التي مرت على البلاد وعجزهم عن إيجاد المخارج الأساسية للحفاظ على الشعب وإيجاد المعالجات الضرورية لجميع المشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي مرت بالبلاد بسبب افتقارهم للقرار الوطني المستقل وتبعيتهم السياسية وسعيهم للحفاظ على مصالحهم الحزبية والفئوية والشخصية واستمرار عمليات النهب والسرقة من المال العام للشعب العراقي والإضرار بمصالحه وتبديد ثروات العراق وزيادة حالة التضخم والعجز المالي الذي تعانيه ميزانية البلد .
لم تدرك الأحزاب العاشقة للعملية السياسية في العراق التلاحم الشعبي والإطار الفكري والتمسك الثوري والاحتضان الاجتماعي والنسيج المتفاعل مع ثورة تشرين المباركة لأنها لم تستطيع أن تكون جزءا من حيوية وتاريخ الشعب ولم تتمكن من تمثيله كونها لا تنتمي الى جذوره الأصيلة ولا يمكن لها أن تكون أداة للدفاع عن حرية واستقلال العراق ووحدة أراضيه لأنها كانت الأدوات والمعاول التي هدمت ومزقت وحدة الشعب العراقي باحتلال أرضه والتعاون مع المحتل الأمريكي وتقديم العون والمساعدة للنفوذ الإيراني وتنفيذ مشروعه السياسي التوسعي على الأرض العراقية ، بهذه الأساليب والتوجهات لا يمكن لهذه الأحزاب أن تحمل في أفكارها وخططها وأساليبها مفاهيم ثورية وطنية لخدمة تطلعات وأهداف الشعب العراقي ولهذا فإنها ذهبت بعيدا عندما رأت وتعاملت مع الأحداث التي عاشها الثوار منذ الأول من تشرين الأول 2019 في ساجات الثورة عبر الميادين والساحات الكبيرة في المحافظات الوسطى والجنوبية والعاصمة الحبيبة بغداد بأن الثورة يمكن التصدي لها عندما يبتعد الثوار الحقيقيون عن هذه الأماكن واستخدام الأساليب القمعية والسلطوية في المطاردة والملاحقة الأمنية لعناوين وشباب الثورة وإخراجهم من أماكنهم وتواجدهم وتفريق جمعهم ، فجاءت الصور البشعة لعمليات الاغتيال والقتل والملاحقة والخطف والتغيب القسري للمئات من الأصوات الثائرة وزج العديد من عناصر المليشيات المسلحة لضرب التواجد الجماهيري الشعبي في ساحات الثوار ضنا منهم أنهم بهذه الأساليب القمعية سيعملون على وأد الثورة وإطفاء جذوتها وحرفها عن مسارها الوطني ومبادئها الأصيلة ولكنهم جوبهوا بقوة كبيرة وشجاعة فائقة وصلابة في الموقف وتمسك بالروح الثورية والتفاف شعبي جماهيري عشائري كان عنوانا لوحدة الصف الوطني العراقي .
الثورة لا تحددها الأماكن والساحات العامة ولا التواجد الشعبي والجماهيري الثورة (في عقول وصدور وضمائر) الثوار الحقيقيين المدافعين عن حريتهم وسعيهم لحياة حرة كريمة تعيد لهم استقلال بلادهم وتمكنهم من التمسك بقرار سياسي وطني والدفاع عن الحقوق المستلبة والثروات المنهوبة والأموال المسروقة للشعب العراقي الثائر.
هذه هي الروح الكبيرة المفعمة بحب الوطن والدفاع عن حياضه، هي تعيش في وجدان الثوار وتحاكي مشاعرهم وتؤانس وحشتهم وتواكب حركتهم وتحسن تصرفهم وتماسكهم المتين الذي أصبح رمزا للشعوب الحرة الكريمة.