بقلم| أ.د. عبد الرزاق محمد الدليمي (أستاذ علم الاجتماع - جامعة بغداد)
منذ الأيام الأولى للاحتلال البغيض في نيسان 2003 بدأ واضحا أن الاحتلال لم يكن سوى مقدمات لمخططات أخرى لإبادة الشعب العراقي وتحويل حياته إلى جحيم مستمر، ومع ذلك بدأ العراقيون مقاومتهم الباسلة للاحتلال ،وحاول الاحتلال ومن خلال تنسيق واضح ومسبق ،تشويه وتعطيل إرادة الكفاح ضد الاحتلال وعملائه فاندلعت الصراعات الدموية التي أخذت أبعادا وعناوين جانبية سيما الطائفية منها، واستمر مسلسل السيارات المفخخة ، التي يقف خلفها الاحتلال ونظام الملالي وعملائهما لتمزيق لحمة الشعب وإبعاد أنظاره عن مواجه الاحتلال ومقاومته بكل السبل الممكنة.
رغم مضي سنة على مسرحية الانتخابات في العراق الفاشلة والتي اعتقد المحتل وعملاؤه أنهم ضحكوا بها على ذقوننا ،سيما وأن نتائجها لم ولن تغير شيئا من مآسي العراقيين ، تستمر البلاد في مرحلة جديدة من الصراعات السياسية والرفض الشعبي كما هو متوقع لما أفرزته تلك العملية من نتائج، ولم ولن يحدث ما تمناه البعض باحتمال حدوث بعض التغيرات في المشهد، إلا أن المشاكل كثيرة تلك التي تواجهها الكتلة الصدرية في تشكيل الحكومة القادمة، الأمر الذي أدخل البلاد في أزمات سياسية مصطنعة بسبب رفض أحزاب السلطة العميلة لأن يكونوا خارج السلطة الجديدة لخشية بعضهم مثل المالكي لاحتمالية تعرضه للمحاكمة من قبل حكومة هواها صدري ولهذا كانت الجولات المكوكية لمندوب نظام طهران (قآني) والتي أجبرت مقتدى الصدر في تغيير هواه ومزاجه علما أن الصدر قيل عنه بعد نشوة الفوز بالانتخابات بأنه صانع الملوك، إلا أنه ترك الملعب لخصومه من الإطاريين، ومن حينها، والفوضى تزداد والأزمات تشتد، حيث لم يعد خافيا أن كل الصراعات بين القوى السياسية العميلة لإيران وغيرها، هي للدفاع عن مكاسبها ومغانمها ولا علاقة لها بالشعب العراقي، الذي تزداد معاناته في كل يوم أكثر من قبله...وبدا واضحا أن جانب من الصراعات الآن هو مبلغ 23 مليار دولار ، من فائض أسعار زيادة النفط الطارئة خلال الفترة الماضية حيث يخطط اللصوص في كيفية الاستحواذ عليه بالكامل، مع ملاحظة أنهم خصصوا مبلغ ضئيل منه كإعانات لبعض من العراقيين إلا أنهم لم ولن يستلموا منها شيئا لأنها حتما ذهبت إلى جيوب الطبقة السياسية الفاسدة.
الملالي وعملائهم في العراق
مهما كانت أوجه الخطاب السياسي بعد انتهاء الانتخابات لتحديد مسارات العمل الميداني وفتح آفاق لخلق بيئة واسعة في رسم ملامح الحياة السياسية، تبقى الصراعات الحزبية والمصالح الفئوية والارتباطات الخارجية هي التي تتحكم في طبيعة تشكيل الحكومة العراقية القادمة، وستستمر الأزمات والاختلافات السياسية بين الأحزاب التي شاركت في الانتخابات، وبعد أن فشلت الأصوات التي تعالت رافضة نتائج الانتخابات والتهديد باستخدام جميع الوسائل ومنها المواجهة المسلحة حيث تشير الأخبار إلى وجود صفقة لإعادة تسريب قوات من داعش بعد ترتيب عملية إخراجهم من معتقلات الحسكة وتوجههم إلى سنجار في شمال العراق في إعادة لسينيورهات سبق أن شهدها العراق المحتل في أوقات سابقة فقد تعودنا على لجوء نظام طهران إلى مثل هكذا خطوات كلما تعرضت ذيوله إلى أوضاع محرجة وهذا مما يعرض البلاد إلى زياد حدة التأزم والانفلات الأمني، قد تكون للتحالفات السياسية التي تسبق عملية تشكيل الحكومة وطبيعة تكوينها عاملا يساهم في تخفيف حالة الاختلاف القائم الآن، خاصة وأن هناك من يعترض ويرى أن مشروعه السياسي قد تلاشى أو تراجع بعد النتائج التي تفاجأ بها، بل والأهم أن نظام ملالي طهران يمر بظروف عاصفة حيث هبت الشعوب التي يستعمرها بالثورة ضده ، ووضعه الآن لا يحسد عليه وربما هذا ما سيجعل النظام ينكفئ على نفسه في أفضل الحالات إذا لم تنجح ثورة الشعوب هناك؟!!
كلنا يعرف مسبقا أن نتائج المسرحيات الانتخابية منذ 2005 وحتى الآن لم ولن تحدث تغييرا لا في نوعية النواب، ولا في تصويب بعض الواقع المأساوي الذي يعيشه الشعب العراقي منذ العام 2003، لكن يبدو أن المعادلة الموجودة لن تتغير، بالتالي سوف نعود إلى المربع الأول، وفي كل الأحوال نجاح أي حكومة يجب أن يرتبط بالإرادة الشعبية التي ترفض الوجود الصفوي الفارسي، فلا يمكن تحجيم دور طهران من خلال نفس الطبقة السياسية، بل عن طريق الجبهة الرافضة لها والتي تتشكل من الغالبية العظمى من الشعب العراقي ، ويبدو أن العراق مستمر في حالة الفوضى، التي تنوعت بين احتجاجات وقطع طرق رئيسية، كما تستمر صدامات بين المتظاهرين والقوات الأمنية بعد محاولة منعهم من التظاهر.
إن عجز دولة العراق عن إجراء إصلاحات جوهرية في نظامها السياسي واقتصادها ينتهي بالثورة التي لا تبقي ولا تذر، ونتوقع أن تتسم الثورة القادمة بالعنف وألا تفرق كثيرا بين الأحزاب.
إن الثورة المتوقعة ربما ستسفر عن أزمة مهاجرين أشبه بتلك التي تواجهها حكومة كردستان العراق ، وستؤدي إلى الإطاحة بالقادة السياسيين الحاليين بالجملة إما إلى القبور مبكرا أو المنفى، فإن استمرار نزول الشباب العراقي إلى الشوارع سيشكل ظاهرة لن تتوقف إلا بنهاية هذا النظام الفاسد المستشري والوضع في مدن الشعوب في ما يسمى دولة إيران اللا إسلامية هو بمثابة طلقة تحذير.
إن المحتجين حينها كانوا على استعداد لمنح القادة العراقيين فرصة لإجراء إصلاحات، لكن رئيس الحكومة الفاسد الحالي مصطفى الكاظمي أهدرها، لأنه لا يتمتع بالجاذبية وأنه ضعيف سياسيا في بلد يعج بالشخصيات اللامعة لكنها ممنوعة من خدمة بلدها ، إن المهمة التي أوكلت إليه ارتكزت على وضع حد لحالة العجز التي يعاني منها العراق، والإشراف على الإصلاحات الجوهرية وقيادة البلاد إلى انتخابات كان يفترض أنها تغير الأحوال السيئة غير أن الكاظمي أخفق في المهمة رغم مرور أكثر من عامين على رئاسته للفترة الانتقالية، فالكاظمي لم يستخدم موقعه السياسي المهم أو سلطته الأخلاقية لرعاية الإصلاحات الجوهرية التي كانت ستساعد في استقرار العراق لو وجدت طريقها للتنفيذ.
في حالة نواب البرلمان المنتخبون فهم في ظل النظام الانتخابي الذي يشجع على المحسوبية والفساد ويجافي الإصلاحات ويفرغها من معناها الحقيقي لاسيما وأن السياسيين العراقيين الفاسقين العملاء أنفسهم منخرطون اليوم في المساومات والمقايضات السياسية ذاتها التي تثريهم وتساعد في تمكينهم، لتبعدهم عن العراقيين الذين يدعون أنهم يمثلونهم.
إن المواطن العراقي وبعد 20 عام أدرك ان الواقع الذي يعيشه أثبت أن النظام الإداري المؤسساتي الوطني قبل الاحتلال بجميع مفاصله المدنية والعسكرية والأمنية أفضل من النظام ما بعد الاحتلال والذي اعتمد المحاصصة الطائفية (الفارسية) لتمزيق وحدة الشعب والمؤسسات لإرضاء رهبر إيران.. وهذا حال الوطن يدفع آلاف الشهداء... الدواعش والمواعش والميليشيات تلعب لعب وقياداتهم في الخضراء والبرلمان الدمج... هذا هو هدف قانون اجتثاث الدولة العراقية الإدارية والأمنية التي تأسست ١٩٢١ ووصلت لقوتها وأمنها حتى عام ٢٠٠٣... رغم بعض أخطائها، ولكن عام ٢٠٠٣ تم اجتثاث الدولة بالكامل لتأسيس دولة محاصصة ضعيفة ممزقة تسيطر عليها عصابات وميليشيات أغلبهم لصوص وقتله لا يختلفون عن المنظمات الإرهابي.
من عمل على حل الجيش والشرطة وقد تأسستا في العشرينيات وتطورتا مع تطور الوضع في العراق ومع تغيير الأنظمة، وكان عملهما لخدمة وحماية العراق وشعبه، ولم يتبع شخصا معينا وكان يمثل كل أبناء الشعب بكل طوائفهم وقومياتهم.. إلا أن هؤلاء المتخلفين نفذوا مشروع الماسونية الفارسية لتمزيق العراق وإلغاء استقلاله الوطني ،تلك المؤسسات الوطنية الموجودة في كل أنظمة العالم ، لكن المحتلين وعملائهم عملوا على حلها وتأسيس مؤسسات طائفية محاصصاتية تأتمر بأوامر نظام الملالي.
إن ادعاء الاحتلال بأنه جلب الديمقراطية للعراق هو محظ افتراء وأكذوبة ساذجة لأن ما يحدث في بلدنا هو اعتداء أثيم على جوهر الديمقراطية وهذا ما حصل بمسرحية الانتخابات بنسختها الخامسة الهجينة ، لقد أصبح جميع المخططين والمنفذين الذين صمموا العملية السياسية الموبوءة والمأبونة، على يقين من أن الشعب الذي سبق وأن ضحكوا عليه وغرروا به ،بعد نيسان 2003،لم يعد مراهقا سياسيا، بل أصبح على قدر من الوعي والإدراك الذي يمكناه من فهم حيثيات ما يحاك ضده من مؤامرات مستمرة لن تنتهي إلا بإزالة الحقيقة المطلقة التي اسمها العراق.
المواطن العراقي الذي سبق وأن خدروه بالشعارات والممارسات المناطقية والطائفية والعنصرية اكتشف (ولو بعد حين) أنه كان هدفا سهلا لمخطط دولي إقليمي محلي متناغم في المصالح بين جميع أطرافه القذرة ،فكثير من العراقيين بما فيهم أناس كانوا يعتقدون أنهم على قدر من الفهم والوعي ما يمكنهم من كشف أغوار وطلاسم ما خطط له أعداء العراق ، حيث فهم أغلب شعبنا لاسيما الشباب منهم أن تجربة 20 عاما عجافا من الظلم والاستبداد وعمليات الهدم والتخريب والقتل والنهب والتهجير والتغييب كان جميعه عملا منظما يتم تنفيذه بدقة، فالهدف من احتلال العراق ليس (بناء دولة وتحقيق الديمقراطية )كما يحاول بعض المتخلفين والدجالين والآفاقين ،تمريره على العراقيين والعالم ، بل هو مشروع ديني صهيوني طائفي قديم جديد ، وكان العراق المستقل القوي المتقدم علميا عقبة في طريق تنفيذه، ولذلك كان احتلال العراق وقبله زجه بحروب خططوا لها رغم كل محاولات العراق تجنب تلك الحروب وغيرها.
المهم أن عاما من اللف والدوران عادت بأصحابها إلى أصل الموضوع شاؤا أم أبوا وجاءتهم الأوامر الصارمة من الرهبر الكبير في طهران (بالتوافق والتنسيق مع واشنطن ولندن) بأن عليهم أن يتفاهموا ويتقاسموا الغنيمة التي كلفوا بالهيمنة على الحكم من أجلها ومن أجل خدمة من جاء بهم، ومن يخالف يعرف كيف سيكون مصيره المظلم!!
بلاسخارت على الخط الساخن
أكدت جنين بلاسخارت أن حمام الدم لايزال مستمراً في العراق بسبب الخلافات السياسية، وحديثها المبهم عن نظام سياسي يعمل ضد المواطن ..وأن المواطن فقد ثقته تماماً بالطبقة السياسية، لكن الحل هو بقبول الأطراف والقادة حواراً صادقاً ورغبة سياسية تقوم على أساس تسوية الأزمة العراقية، ويجب على القوى الاعتراف بأن التغيير البنيوي في العملية السياسية أصبح ضرورياً، المصالح الحزبية تمنع تقدم جهود التنمية الاقتصادية وتقف ضدها ،احتكار السلطة سيؤدي إلى غياب الاستقرار في العراق وسينسحب على إقليم كردستان ،المواطن العراقي رهين وضعٍ لا يُحتمل..
أما تأكيد بلاسخارت على أن النظام السياسي الحالي في العراق يعمل ضد الشعب، فهو رغم أنه صحيح 100% لا يعدو أن يكون مجرد تعبير هلامي ، غامض ، و شبه إنشائي ، غارق في عموميات مضببة، لكونه يأتي تشخيصا مفتقرا إلى تحديد العناصر الأساسية والفعّالة لهذا النظام الفاسد الذي يعمل ضد المواطن و المتجسدة بزعماء وقادة أحزاب وتنظيمات ومليشيات، مجموعات مسلحة ، ودكاكين سياسية ارتزاقية أخرى، مغلفة بتوظيفات دينية أو مذهبية لتشريع لصوصيتها، هم الذين قادوا ويقودون هذا النظام الهجين والفاسد منذ ما يقارب عشرين عاما وحتى الآن ، وبالنتيجة هم الذين يتحملون كل المسؤولية من كل ما حصل ولا يزال بالعراق وشعبه إضافة إلى الطائلة القانونية الجنائية ،جراء تلك الجرائم السياسية والأمنية و الاقتصادية..
إذ كان ينبغي عليها أن تُشير وبكل صراحة ووضوح، إن الطبقة السياسية العميلة الفاسدة لا تهتم وغير معنية بمعاناة العراقيين، وهي عديمة الفائدة، والأحزاب السياسية الفاسقة تتقاتل من أجل البقاء في السلطة وهذا أحد أهم أسباب استمرار الأوضاع الشائكة المضطربة في العراق.... قالت بلاسخارت!!! "ليس لدينا ما نخسره بعد الآن"، في إشارة إلى المظاهرات التي يقودها الشباب. "نحن بحاجة إلى أن نكون أكثر شجاعة ... يجب أن نستيقظ، لا أحد يتحدث نيابة عنا على أي حال."لقد استنفدوا من جراء الدراما السياسية المستمرة في العراق، ونشأوا إلى جانب سلسلة من الأحداث المؤلمة للغاية، وهم عالقون في وسط الجماعات السياسية والميليشيات المتنافسة التي يقولون إنها لا تمثلهم.
أنهم لا يريدون التغيير
جاءت عبارات بلاسخارت كما هو متوقع مؤيدة وداعمة لوجهة نظر الاحتلال الامريكي البريطاني الداعم لاستمرار العملية السياسية سيئة الصيت والمحتوى ومنها حث البلاد على معالجة الافتقار المتزايد للإيمان بين العراقيين بنظامها السياسي، وعلى تشكيل حكومة والمضي قدما في الإصلاحات الحاسمة في مجلس الأمن الدولي... لقد فقد الكثير من العراقيين الثقة في قدرة الطبقة السياسية على العمل لمصلحة الوطن وشعبه. الفشل المستمر في معالجة فقدان الثقة هذا لن يؤدي إلا إلى تفاقم مشاكل العراق "وأضافت " أهمية الحفاظ على الهدوء، والحفاظ على الحوار، والامتثال الدستوري، واحترام المبادئ الديمقراطية، والعمل دون عوائق لمؤسسات الدولة، وحكومة فاعلة لمعالجة المطالب المشروعة لتحسين الخدمات العامة، والوظائف، والأمن، وإنهاء الفساد والعدالة والمساءلة لكن للأسف، ساد الخلاف والتلاعب بالسلطة على الإحساس بالواجب المشترك. وكنتيجة مباشرة للتقاعس السياسي المطول، مر العراق ببعض الأوقات الحرجة والخطيرة للغاية.وقالت "في غضون ذلك، كان المواطن العراقي العادي رهينة وضع لا يمكن التنبؤ به ولا يمكن تحمله". لا يزال العراق يسيطر عليه عدم الاستقرار السياسي والحكومة المتعثرة، وزادت التوترات بين بغداد وحكومة إقليم كردستان بشأن الوصول إلى الموارد الطبيعية، كما نددت هينيس بلاسخارت بالهجمات ضد الأكراد في العراق، قائلة إنه يجب أن تتوقف.
ويلاحظ للأسف أن الآخرين يشاطرون بلاسخارت بنواياها وعلى سبيل المثال لا الحصر. أعرب نائب سفير دولة الإمارات لدى الأمم المتحدة، محمد أبو شهاب، عن قلقه إزاء التأخير في تشكيل الحكومة، ودعا جميع أصحاب المصلحة المعنيين لتجاوز العقبات الحالية و "ضمان تغليب مصالح الشعب العراقي على جميع الاعتبارات " وقال: "نؤكد هنا أن المزيد من العنف والتصعيد لن يؤثر فقط على العراق وشعبه ، ولكن المنطقة بأسرها أيضًا".