الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

مقالات الوطنية المفترى عليها


بواسطة مركز راسام

الباحث: حسين صالح السبعاوي

الوطنية مصطلح مطاط وفضفاض الذي لم يستطع أحدا ضبطه لا قانونيا ولا سياسيا بحيث اختلط فيه الحابل بالنابل وقتل بسببه الصالح والطالح وزج بسببه الكثير في المعتقلات سواء كان ذلك بحق أو ببهتان. لقد استخدم هذا المصطلح من قبل الحكومة والمعارضة والخائن والوطني، وكما قيل:

الكل يدعي الوصل بليلى وليلى لا تقر لهم بذاك

وهنا لا بد من ذكر بعض التعريفات لمصطلح الوطنية لنضع النقاط على الحروف:

يقول مارك توين الوطنية : هي أن تدعم بلادك في جميع الأوقات، وحكومتك عندما تستحق ذلك .

وقد وصف هيغل الوطنية بأنها المشاركة السياسية وأعتبر تضحية المرء بفرديته لصالح الدولة هو أعظم اختبار للوطنية، ولكن اشترط وجود الحكومة العادلة التي تعتمد على مبدأ المواطنة في إدارة الدولة .

أما جان جاك روسو فيقول بإستحالة وجود الوطنية في مجتمع مستبد وحكومة دكتاتورية أو عنصرية، فجعل الوطنية مقترنة بالحرية .

أما المفكر السوري بطرس البستاني فيقول إن معنى الوطنية هي حماية المواطنين لحياتهم وكرامتهم وممتلكاتهم وحقوقهم السياسية والثقافية وحرياتهم الدينية، ويكون الإخلاص للوطن وليس لشخص الحاكم .

ويعود تاريخ مصطلح الوطنية إلى العصور الوسطى وخاصة في دول الأراضي المنخفضة مثل هولندا عندما بدأت حركات التحرر الوطني من الكلفانيين للخلاص من السيطرة الإسبانية والإمبراطورية الرومانية المقدسة على بلادهم في القرن السادس عشر الميلادي وكانوا يطلقون على أنفسهم بالوطنيين .

وهناك من يعتبر أن العرب والمسلمين هم أول من أطلق هذا المصطلح في حب الوطن مثل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما خرج من مكة مهاجرا إلى المدينة حيث قال ( أما والله لأخرج منكِ، وأني لأعلم أنكِ أحب بلاد الله اليّ، وأكرمه على الله، ولو لا أن أهلك اخرجوني منكِ ما خرجت منكِ).

وقال الشاعر أمرئ القيس :

قفا نبكِ من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللٌوى بين الدخول فحوملِ

والوطنية هي مشاعر وأحاسيس وعاطفة جياشة وإيثار يصل إلى حد التضحية بالمال والنفس وهي ليست حكرا على السياسي دون المستقل ولا حكرا على الأغنياء دون الفقراء كما أنها ليست حكرا لرجل الدين ولا للمثقف ولا للرجل دون المرأة بل هي لجميع هؤلاء وأكثر، إلا أنه لا يمكن أن يتشرف بها من خان وطنه وكان أداة بيد الأعداء يضرب به أبناء الوطن فهؤلاء أبعد ما يكونوا عن الوطنية ولا يملكون حتى الحس الوطني من كثر ما يحملون من خسة وخيانة بحيث لا يطهرهم ماء البحر كله وبسبب ما أوغلوا بدماء المواطنين .

من خلال ما ذكر أعلاه فإن السلطات التنفيذية هي أسوء من استخدم الوطنية كعصا وحولتها من مشاعر إلى شعارات لإقصاء المعارضين وقتلهم وزجهم في السجون والمعتقلات، وإلا قل لي بربك كيف يكون أبا لهب أكثر وطنية من المهاجرين اللذين تركوا مكة من ظلمه وافترائه عليهم، وكيف يكون عمر المختار الذي قاوم الإحتلال الإيطالي لليبيا بأنه رئيس عصابة واعتبره رجال الدين المقربين من السلطة آنذاك بأنه من الخوارج !؟

لقد جعلوا من هذا المصطلح الذي يحمل في طياته الكثير من المعاني السامية إلى عصا يضرب بها المخالفين والمعارضين . وحتى نضبط هذا المصطلح ولا يسمح باستخدامه استخداما سيئا لابد من تحريره وإحالته إلى الجهات القضائية بشرط أن تكون مستقلة ولا تأثير للسلطة التنفيذية عليه وإلا كأنك يا أبا زيد ما غزيت .

أنواع الوطنية :

تقسم الوطنية إلى قسمين:

أولا :- الوطنية السلطوية، وهي تروج أن البلد بطبيعتها ولذاتها قبل أي شيء آخر، وترى المعارضة بحد ذاتها خطرا وزعزعة للإستقرار. وهذا النوع من الوطنية عادة ما يكون في النظم الملكية المطلقة والأنظمة الشمولية ذات الحكم المركزي.

ثانيا :- الوطنية الديمقراطية، وهي تتميز بإعتقاد مواطنيها أن القيم والمثل العليا للبلد جديرة بالإحترام والإعجاب، وبذلك يكون الولاء للقيم المؤسسة للديمقراطية، بمعنى أصح هو الولاء للوطن ومؤسساته وليس لشخص الحاكم .

ورغم أن الثانية هي الأفضل وهي الأصح إلا أننا في عالمنا العربي اليوم لم نستطع الحصول على أيا من هذين الإثنين فلا حاكم أو ملك شجاع ووطني يحفظ كرامة شعبه ووطنه ليلتف حوله ويحتمي به من المخاطر الخارجية، ولا أنظمة ديمقراطية فيها مؤسسات حقيقية ومهنية لتكون جديرة بالإحترام، بل مجرد أنظمة خدمية للقوى الاستعمارية تمارس شتى أنواع الظلم والاستبداد ضد شعوبها. وإن أفضل من وصف هذا النوع من الأنظمة المستبدة التي تستخدم الوطنية لضرب من يعترض على سياستهم هو البريطاني صموئيل جونسون حين قال: “الوطنية هي الملاذ الأخير لكل نذل”.

ومثلما استخدم الغلاة في الدين منهج التكفير للمخالف بدون وجه شرعي بل لمجرد القتل والإقصاء فكذلك استخدمت الأنظمة الاستبدادية الوطنية لتخوين المخالف لها .

ختاما :

بلادي وإن جارت عليٌ عزيزة وأهلي وإن ضنوا علي كرام .

يبقى حب الوطن يسري في دماء الأحرار وهؤلاء من ينطبق عليهم الوطنيين الذين هم على أتم الإستعداد للتضحية من أجل أوطانهم وهم من تجسد فيهم معنى الوطنية لغة واصطلاحا، لا من باع وطنه عندما كان معارضا ومستعد للتعاون حتى مع إبليس من أجل مصلحته الشخصية على حساب مصلحة الوطن، وعندما أصبح في السلطة بدأ يناقض نفسه ويتهم معارضية باللا وطنية وكأن الوطنية مفصلة على مزاجه ورغباته .

أعتقد أننا سوف نبقى ندور في حلقة مفرغة بعيدة عن المعاني السامية للوطنية ويبقى هذا المصطلح مفترى عليه وتبقى أوطاننا تنزف من خيرة أبنائها كما يبقى العدو الخارجي مستثمرا لهذا النزف ما لم يكن هناك حكومات وطنية تعتمد مبدأ المواطنة في إدارة الدولة .

أما من هو الوطني ومن هو اللاوطني يبقى هذا متروك للمؤرخ المنصف الذي سوف يدون الحقائق التاريخية للأجيال القادمة والتاريخ لا يرحم ولنا فيه عبرة .

( ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله )

مقالات متعلقة