الاقتصاد العالمي بين تخبط القرارات وحتمية السقوط
تسلسل (4): الوباء الأحمر يجتاح أسواق الأسهم
بقلم| عمر الخليفة
مع تصاعد حدة الأزمات الاقتصادية ومواصلة ضغط الدولار الأمريكي المدعوم برفع أسعار الفائدة على أسواق الأسهم التي شهدت حالة من الاستقرار لمدة عقدٍ من الزمن قبل وباء كورونا لتخرجها من منطقة اللون الأخضر إلى منطقة اللون الأحمر الذي أصبح وباءً أقتحم أسواق الأسهم ليتسبب بخسائر كبيرة في أوروبا ودول آسيا والخليج العربي وحتى الولايات المتحدة الأمريكية، ومع اقتراب موعد رفع أسعار الفائدة التي يقرها الفيدرالي الأمريكي لمحاولة كبح جماح التضخم والذي من المتوقع أن يرفعها لمستوى ( 75 نقطة أساس) منيت يوم أمس ومطلع هذا اليوم أسواق الأسهم بخسائر فادحة نقلتها إلى وضع الدب الذي يمثل الهبوط الآخذ بالتصاعد في كافة المفاصل الاقتصادية التي تشهد زلازل أحدثت أزمات اقتصادية ومالية متشابكة تسببت بإرباك كبير في الاقتصادات العالمية.
"والوباء الأحمر: هو مصطلح أطلقته على الهبوط الكبير الذي يعصف بأسواق الأسهم العالمية وحولها إلى الوضع الأحمر المتنامي بشكل كبير والذي سيتسبب بإفلاس الكثير من الشركات مع مواصلة الضغوطات الاقتصادية والمالية الكبيرة التي تشهدها دول العالم منذ نهاية العام الماضي ومطلع العام الحالي، وإن الوباء الأحمر لن يكون مروره عابراً وبسيطا أو سريعا هذه المرة، بل سيطول الوباء الأحمر تخييمه على أسواق الأسهم التي تشهد انهيارات متواترة على مدار الساعة لتنهي فترة النمو والاستقرار السابقة ولتسير الآن نحو الانحدار المميت".
إن انتشار الوباء الأحمر في أسواق الأسهم جاء _كما أكدنا في مقالات سابقة ضمن هذه السلسلة_ بسبب عمل الولايات المتحدة الأمريكية على تصدير أزماتها إلى الدول الأخرى وضرب كافة القطاعات وإضعافها حتى لا يبقى قطاع يفوقها، وقد اتخذت الولايات المتحدة الأمريكية من رفع أسعار الفائدة التي بالأساس هي ليست حلاً للتضخم بل هي أداة لتقوية الدولار على حساب العملات الأخرى وكذلك الضغط على قطاع سوق الأسهم الذي يشهد انتكاسة كبيرة وهو ما أثبت الفرضية التي أطلقناها من قبل أن الولايات المتحدة الأمريكية هي من تصدر الأزمات الاقتصادية وأن قرار رفع الفائدة ليس حلا، بل هو لمحاولة تأجيل حدوث الكارثة الكبرى في الاقتصاد العالمي.
وقد خيم اللون الأحمر على الأسهم الأوروبية في ختام تعاملات يوم أمس وسط ترقب صدور بيانات اقتصادية في الولايات المتحدة على مدار الأسبوع وأبرزها تقرير التضخم والذي مازال يواصل صعوده الحاد دون توقف، بل إنه شهد صعودا أكبر من الشهر الذي سبقه وهو ما يؤكد أن الفيدرالي الأمريكي سوف يرفع الفائدة والذي انعكس سلبا على أسواق الأسهم التي تلونت بالأحمر نزولا على وقع رفع أسعار الفائدة واشتداد أزمة الطاقة في أوروبا وارتفاع نسبة التضخم والركود، فضلا عن تفاقم ارتفاع الإصابات بوباء كورونا في الصين الذي سوف يعزز من حدوث الركود في الاقتصاد العالمي.
فقد داهم الوباء الأحمر مؤشر (CAC الفرنسي الذي هبط بنسبة 0.61% عند نقطة 5996) وهو ما تسبب بخسائر كبيرة بالأسهم، ثم حل الوباء الأحمر في مؤشر(FTSE البريطاني الذي هبط بنحو 0.11% إلى مستوى 7188 نقطة) مصحوبا بتراجع الجنيه الاسترليني أمام الدولار، وفي ألمانيا ضرب الوباء الأحمر مؤشر (DAX الالماني الذي هبط بنحو 1.38% عند مستوى 12835 نقطة)، كما شهدت أسهم شركات السيارات خسائر في البورصة الأوروبية التي تراجعت بنحو (2.7%), كما شهدت شركة الطاقة الألمانية(Uniper) هبوط مروع جداً بنحو (15%) ليتم تعليق التداول على أسهم الشركة بعدما رفض المساهم الفنلندي الرئيسي للشركة (Fortum) الدعوات بتقديم المزيد من المساعدات للشركة التي تقدمت بطلب إنقاذ للحكومة الأسبوع الماضي, كما واصل الوباء الأحمر انتشاره اليوم الثلاثاء في(مؤشر ستوكس600 الأوروبي) الذي انخفض بنحو (%0.6,) وعزز الوباء الأحمر وجوده في قطاع التعدين الذي هبط بأكثر من(%1.2).
كما شهدت أسواق الأسهم الأمريكية انتشارا للوباء الأحمر الذي سجل بأكثر من (2%), فقد سجل مؤشر (Don Jones تراجع بنحو 0.52% عند مستوى 31173 نقطة), كما ضرب الوباء الأحمر مؤشر (S&P500 الذي تراجع بنسبة 1.15% عند 3854 نقطة) وكذلك حال (Nasdaq التي تراجعت بنحو 2.26% عند مستوى 11372 نقطة), كما تراجعت أسهم كل من تويتر بنحو (11.3%) وأمازون والفابيت تراجعت بأكثر من(3%) وكذلك الحال بنسبة لشركة السيارات الكهربائية تسلا التي تراجعت بنحو (6.5%) ونيتفلكيس هي الأخرى انتكست بنسبة (5.2%), كما ضرب الوباء الأحمر قطاع تكنولوجيا المعلومات الذي هبط بنحو (1.4%).
كما شهدت أسواق الأسهم في آسيا والخليج العربي انتشارا للوباء الأحمر الذي فرض هبوطا كبير على مؤشر (نيكي الياباني بنحو 1.77% عند مستوى 26336.66نقطة) وتراجع مؤشر (توبكس الأوسع نطاقا بنحو 1.64%) ليستمر الوباء الأحمر انتشاره في أسواق الأسهم، فيما شهد سوق الأسهم الخليجي انتشار الوباء الأحمر على غرار أسواق الأسهم الأخرى التي انتشر فيها الوباء بشكل سريع ليفرض واقعا جديدا سيمكث في أسواق الأسهم لمدة ليست بالقصيرة.
فما يحدث من انتشار الوباء الأحمر بهذه السرعة يؤكد صحة فرضية تهالك القطاعات الاقتصادية جميعها على وقع قرارات خاطئة متراكمة عجلت من سير الاقتصاد العالمي بشكل ديناميكي متسارع نحو حافة السقوط الحتمي الذي أصبح واقعا لا بد لدول العالم أن تستعد للتعايش معه مع تفاقم حدة انتشار الوباء الأحمر الذي سيخلف ضحايا كثيرة في أسواق الأسهم على امتداد العالم.