بقلم| نادية عبدالغفور
بغداد
من المشاكل الشائعة في العراق هي البطالة وعدم الحصول على الوظائف والتعيينات بشكل نزيه؛ حيث يتم تعريض المتقدمين لعمليات غير مشروعة وغير أخلاقية للحصول على الوظيفة المرغوبة، سواء كان ذلك في القطاع الخاص أو الحكومي؛ ينتج عن ذلك العديد من المشاكل والتحديات التي تؤثر على المجتمع والاقتصاد في البلد.
وتعد المنافسة غير شريفة في الحصول على الوظائف من المشاكل الشائعة في العراق، لأن الوظائف في العراق أصبحت للأسف من أهم الموارد المادية التي تحتاج إليها الأسر لتوفير ضروريات الحياة، ولذلك فإن المنافسة على الحصول على الوظائف تكون شديدة ومحمومة بشكل كبير، ويوجد العديد من الأشخاص الذين يستغلون هذه المنافسة لمصالحهم الشخصية على حساب المتقدمين الآخرين.
تتضمن تلك المنافسات عدة أشكال وصور، من بينها التزوير والرشوة والمحسوبية والتحيز والتمييز. ويعتبر التزوير من أكثر الأشكال انتشارًا، حيث يتم تزوير الوثائق والشهادات الأكاديمية والمهنية للمتقدمين للوظائف، وهذا يعطيهم فرصة أكبر للفوز بالوظيفة.
كما يتم استخدام الرشوة والمحسوبية لصالح شخص محدد، حيث يتم تقديم المال أو الهدايا للمسؤولين عن عملية الانتقاء، وبذلك يتم تفضيل المتقدم الذي يتلقى الرشوة على حساب المتقدمين الآخرين، ويتم اتخاذ القرار النهائي بناءً على ذلكP حيث يتم اختيار المتقدمين بناءً على المناصب العائلية أو العرقية أو الدينية أو الجنسية، بدلاً من الاعتماد على المهارات والخبرات الفعلية للمتقدمين؛ مما يشجع على الفساد والفوضى، وتضييع الفرص المتاحة للأشخاص الذين يستحقون الحصول على الوظائف بناءً على مؤهلاتهم وخبراتهم.
ذكر لي شاب التقيت به في إحدى الدوائر الحكومية في بغداد قصته مع مشكلة التعيينات وفرص العمل في العراق ،كان اسمه عبدالله يتجاوز الـ 35 من العمر من سكنة العاصمة بغداد ،كان قد تخرج من كلية العلوم منذ سنين وإلى الآن لم يحالفه الحظ بالعثور على الوظيفة أو حتى فرصة عمل تليق به كـشاب متعلم وخريج ، ينهي وقته في الجلوس في المقاهي الشعبية أو الخروج برفقة الأصدقاء حتى يعثر بين حين وآخر على عمل بسيط (كتصليح الستلايتات أو شد السبالت) كما ذكر بتعبيره هو، وأنه لم يتزوج إلى الآن بسبب وضعه الاقتصادي، أيضا فهو يعيل عائلته المكونة من أب كبير بالعمر وأم مريضة وثلاثة من الإخوة الطلاب أحدهم فتاة بسن الزواج، كان دائما يصطدم بضعف علاقاته أو واسطاته على عكس بعض أقرانه الذين توظفوا بعد تخرجهم من الكلية مباشرة .
أصبح أقصى طموح للشاب العراقي هو الحصول على وظيفة بدوائر الدولة الحكومية برغم الراتب الضعيف لكن حتى هذا أصبح حلماً بعيد المنال، وباتت المقاهي والشوارع تضج بالعاطلين عن العمل أو يعملون بمهن بسيطة لا تلبي طموحاتهم واحتياجهم المادي والمعنوي لكنهم مضطرين للعمل بها من أجل إعالة أسرهم .
تم نشر تقرير على موقع الجزيرة حول هذا الموضوع ذكرت فيه أن آلاف الشباب توجهوا إلى التطوع في صفوف القوات الأمنية للحصول على وضع مادي جيد، فثمة من هو مستعد لركوب المخاطر ومواجهة الموت من أجل تأمين حياة لا بأس بها لأسرته. أما الآخرون فتوزعوا بين شركات أهلية ومؤسسات خاصة أو أعمال حرة، من ضمنها البيع على بسطات في الشارع، أو ظلوا ينتظرون فرصة قريبة يلوح بها حزب أو تعلن عنها الحكومة وإن باتت أحلامهم تتلاشى يوما بعد آخر.
وأصبحت المقاهي و"مصاطب" العمال هي الملاذ الأخير للعاطلين عن العمل ممن وجد بعضهم في المظاهرات الاحتجاجية وانتقاد الحكومة عبر مواقع التواصل الاجتماعي متنفسه الوحيد في التعبير عن خوفه من مستقبل مجهول. الجميع بات يدرك اليوم أن الواسطة حقيقة متفشية في العراق منذ سنوات طويلة، متجذرة في بنية الإدارة العامة، وتتجسد في حالات كثيرة تتراوح من استيلاء قلة على الشؤون السياسية في الدولة، إلى جوانب من الحياة اليومية كقرارات التعيين وترسية العقود وتوفير السلع العامة
الواسطة والمحسوبية هي سلوكيات تفتك بالمسيرة التنموية والنهضوية للمجتمعات، ليس فقط بكونها عائقاً يحول دون النهوض بالوطن بل ممارسات تنخر بما تم إنجازه وبناؤه؛ وذلك بتقويضها لقيم العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص وقيم المواطنة الصالحة، وهي الأساس لتطور أي مجتمع...
إن موقف الإسلام من ذلك قد رغّب في نفع الناس، وفي السعي في حاجة الآخرين وقضائها، فالله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه وقد جعل نفع العباد من أحب الأعمال إلى الله تعالى؛ فقد سُئل النبي -صلى الله عليه وسلم-: أي الناس أحب إلى الله يا رسول الله، فقال: (أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس)
ومن أسباب تفشي العمل بالواسطات والمحسوبية هي:
_ الضعف الديني في المجتمع
_اعتماد الواسطة على اعتبارها طريقة سريعة لتسهيل المعاملات
_توظيف الانتماءات العشائرية والحزبية والعمل بالضغط والتهديد أو الإغراء المادي (الرشوة(
_وجود صلاحيات واسعة باتخاذ القرارات وعدم وجود رقابة وقانون رادع.
ومن أجل مكافحة المنافسة الغير شريفة في الحصول على الوظائف في العراق، يجب على المجتمع والحكومة اتخاذ عدة إجراءات، من بينها تشديد القوانين والعقوبات على المتورطين في هذه الممارسات، وتعزيز الشفافية والمساءلة في عمليات الانتقاء والتعيين، وتوفير المزيد من الفرص الوظيفية بشكل عادل، وتعزيز الثقة والنزاهة في مؤسسات الدولة والقطاع الخاص.
كما يجب على المتقدمين للوظائف أن يتحلى بالصبر والثقة في الله والعمل الجاد والتواصل مع المسؤولين المختصين في حال حدوث أي تجاوزات أو انتهاكات في عمليات الانتقاء، بدلاً من اللجوء إلى العمليات غير المشروعة وغير الأخلاقية التي تزيد من تعقيد المشكلة.
وأخيرا يجب على المجتمع العراقي بأكمله أن يتحد ويعمل بجد لمكافحة الممارسات غير الشريفة في الحصول على الوظائف، وتعزيز القيم الأخلاقية والاجتماعية التي تحترم حقوق الجميع وتعزز العدالة والمساواة في الفرص والحقوق.