الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

مقالات الهيمنة السياسية الاقتصادية الإيرانية.. وفساد الحكومة العراقية

بقلم| ثائرة أكرم العكيدي (كاتبة وباحثة)

اتخذت الهيمنة التجارية الإيرانية بعداً سياسياً منذ احتلال العراق حيث سعت جميع الحكومات إلى ترضية طهران بتقديم مختلف الامتيازات والتسهيلات التجارية والاستثمارية. لذلك تولدت قناعة لدى العراقيين بعدم إمكانية تحقيق أي خطوة للتصدي للتبعية الاقتصادية ما لم تتم معالجة التبعية السياسية.

فرضت الهيمنة التجارية الإيرانية على العراق فرضاً وقامت بالاستيلاء على اقتصاده، هنا كان لا بد من تحرك الشارع العراقي لوضع حد لهذه الهيمنة، فالمقاطعة كانت ضرورية للنهوض بالتنمية الصناعية العراقية، كما اتخذت المسألة بعداً سياسياً جديداً إذ تمثل مقاطعة البضائع الإيرانية رد الشعب على موقف طهران المعادي للحراك العراقي والذي تمثل في ثورة تشرين.

العراق الذي لا يزال يعيش شعبه موجة غضب عنيفة تغذيها قضايا الفقر والبطالة والظلم والغضب من الفساد الحكومي، العراقيون الذين صبروا على نظام الحكم منذ مراحله الأولى ما بعد الغزو الأميركي، ومنذ ذلك تقوم هذه الحكومات بزرع نظام الوظائف العليا على أساس الانتماء الطائفي ولأن السلطة في العراق سلمت للأحزاب الشيعية الموالية للنظام الإيراني فقد ارتمت الحكومات في العراق في أحضان إيران، التي مارست نفوذاً على السياسة العراقية واستطاعت أن تنفذ عسكرياً داخل العراق وأنشأت مجموعات مسلحة يبلغ عدد أعضائها مئات الآلاف تأخذ رواتبها وتُمنح الرتب الرسمية من السلطة في العراق، لكن افتقارها للاندماج في القوات العراقية هو شهادة على ضعف مؤسسات الدولة، ورغم أنها تحت قيادات عراقية الاسم فإن لإيران التأثير الأكبر على هذه الجماعات.

اليوم العراقيون الوطنيون يعتبرون أن تأثير إيران على العراق مفرط ويضرّ بالبلاد، سابقا أضعفت حرب 1980-1988 البلدين خاصة من الناحية المالية حيث تراجعت أسعار النفط وانخفضت بالتالي الإيرادات العامة، فقد العراق الاحتياطي النقدي ووصلت مديونيته الخارجية إلى 120 مليار دولار. وبعد سنتين فقط من نهايتها ونتيجة لسوء إدارة الشأن العام، ظهرت أزمة جديدة أشد وطأة إذ أدى احتلال الكويت وما تلاه من مقاطعة شاملة وفاعلة إلى تدهور هائل للاقتصاد العراقي وتخبط العراقيون في مشاكلهم المعيشية اليومية. في المقابل تحسنت الأحوال الاقتصادية الإيرانية من عدة زوايا مالية وتجارية. حدث إذن اختلال اقتصادي واضح بين البلدين.

وبعد الاحتلال العسكري الأمريكي دخل العراق في دوامة الصراعات المستمرة والعنيفة والتي أفضت إلى إضعافه من جديد ومن جميع الجوانب. وبعدما انسحبت واشنطن ظاهريا وإعلاميا في عام 2011 حلت طهران محلها، وأصبحت القبضة الإيرانية السياسية والعسكرية أداة فاعلة للهيمنة على تجارة العراق وماليته.

رغم مشاكلهم الخطيرة والعديدة استطاعت إيران أن تفعل مصانعها لتصدر كل ما يحتاجه العراق حتى أصبحت إيران المصدر الأول للعراق على الرغم من بضائعها السيئة لكن القرار باستيراد كل شيء من إيران هو قرار سياسي لا يخضع لأية معايير سوى مصلحة إيران، الأمر الذي أدى إلى تحسن صادراتهم غير النفطية التي انتقلت من 2.9 مليار دولار في 1998 إلى 33.4 مليار دولار في 2021. نجم هذا الوضع عن الاهتمام المتزايد بالإنفاق على البحث العلمي والتطوير التكنولوجي، وفي الطرف الآخر استمر تدهور الوضع الاقتصادي في العراق.

من هنا فالهيمنة الإيرانية على العراق نتيجة منطقية لهذا التطور الاقتصادي والسياسي، وهي تشمل ثلاثة جوانب رئيسة تتعلق بالمالية والاستثمارات والواردات، وقد وقع البلدان على اتفاقية الدفع المالي في عام 2019، وبموجبها تقوم البنوك العراقية بسداد أثمان المشتريات الإيرانية من مختلف الدول هي محاولة لمواجهة العقوبات الأمريكية لكن في المقابل يتعرض العراق للخطر دون أي مكسب اقتصادي.

لقد أثرت الاستثمارات الإيرانية سلبيا على التنمية العراقية لعدة أسباب منها حصولها على امتيازات سخية وكذلك وبصورة خاصة دورها الفاعل في تدهور الصناعة المحلية وعدم خضوعها للقوانين العراقية التي توجب على المستثمرين تشغيل العراقيين. ومن المعلوم أن الشركات الإيرانية التي تعمل في الطاقة والسكن والسياحة وغيرها والمنتشرة خاصة في المحافظات العراقية الجنوبية لا تستخدم إلا الإيرانيين. في حين أعطت الفقرة الأولى من المادة 12 من قانون الاستثمار الحق للمستثمر العراقي والأجنبي توظيف الأجنبي في حالة واحدة فقط وهي عدم وجود عراقي يملك نفس المؤهلات. ولكن على الصعيد العملي اليد الإيرانية العاملة في العراق غير ماهرة فهي لم تجد فرصة عمل لها في بلدها وتقبل بأجور زهيدة أثرت على العمال العراقيين، يسبب هذا الوضع مشاكل خطيرة في مقدمتها تزايد البطالة وتفاقم الفقر في العراق، وبسبب ذلك برزت حالة من الاستياء الشعبي للوجود الإيراني.

أيضا فالتجارة الخارجية بين البلدين تكاد تقتصر على الصادرات الإيرانية، فقد بلغت الصادرات الإيرانية 11 مليار دولار إلى العراق وفق الإحصاءات الإيرانية في حين لا تتجاوز الصادرات العراقية إلى إيران 15 مليون دولار بعد أن شهدت ارتفاعاً كبيرا مع العلم أن ربع الصادرات الإيرانية الكلية تتجه إلى العراق.

تحت ظل الأزمة الناجمة عن سياستها المالية والعقوبات الأمريكية ونظراً لسيطرتها على القرار السياسي العراقي تحاول إيران الحفاظ على المكانة المهمة للعراق وتطويرها ويستوجب هذا الأمر استمرار الريعية، إذ أن أيّ تقدم صناعي أو زراعي يحرزه العراق يقود بالضرورة إلى هبوط الصادرات الإيرانية ويترتب عليه تردي مالية إيران الداخلية والخارجية المتردية أساسا، عندئذ ينخفض الاحتياطي النقدي ويستمر تدهور القيمة التعادلية للتومان وتتزايد معدلات التضخم وترتفع البطالة ويتصاعد الفقر لذلك هنالك اهتمام منقطع النظير بأن لا يحرز العراق أي تقدم صناعي أو زراعي، وتستخدم مختلف الوسائل لتحقيق ذلك.

قسط كبير من الواردات العراقية من إيران تتعلق بمواد ضرورية للمعيشة كالفواكه والخضراوات تتحكم إيران بالإنتاج الزراعي العراقي عن طريق السدود المبنية على الأنهر التي تنبع من أراضيها والتي تمر بالأراضي العراقية كنهر الوند ونهر كارون ونهر كنجان والزاب الصغير.

هناك من يطالب بمقاطعة البضائع الإيرانية لكن الهدف المباشر للعراقيين يجب ألا يصب في الإضرار بإيران بل يرتكز على الدفاع عن حق العراق في التنمية، هكذا ينبغي بناء عراق الغد، حيث يعتمد نجاح المقاطعة اعتماداً أساسياً على القدرة الإنتاجية العراقية. ينبغي ألا تكون مقاطعة البضائع الإيرانية وسيلة للوقوع في فخ تبعية تجارية لدولة أخرى كتركيا بل فرصة ذهبية تستغل للتنمية المحلية.

لا تحتاج المنتجات الزراعية إلى فترة زمنية طويلة بل إلى سياسات ملائمة، والعراقيون يفضلون منتجاتهم الوطنية نظراً لجودتها، ويتعين أن تتناول هذه السياسات الدعم الحكومي للزراعة بشتى الوسائل وكيفية الاستغلال الأمثل للأطر العلمية في تحسين الإنتاج من حيث الجودة والكمية. ومنها الاستفادة من الأعداد الغفيرة من العاطلين عن العمل من خريجي كلية الزارعة والكليات والمعاهد الأخرى ذات العلاقة.

وما زالت محاولات العراق للاستقلال عن الغاز الإيراني تثير القلق في محيط الدوائر التجارية والسياسية الإيرانية التي لا تتخيل ابتعاد الجارة التاريخية عنها ولو بعد حين، ودخل العراق في مباحثات أميركية حديثة تستهدف تمكينه من استغلال ثرواته الطبيعية بعيدًا عن إيران على المدى الطويل؛ ما أثار غضب بعض رجل الأعمال الإيرانيين، كما استطاعت إيران خاصة بعد تدمر مصفى بيجي تصدير البنزين للعراق الذي يعد من كبار البلدان المصدرة للنفط في العالم. كما يستورد الغاز الطبيعي الإيراني لإنتاج الكهرباء ويشتري أيضاً الكهرباء.

يبلغ الإنتاج العراقي من الطاقة الكهربائية 15700 ميغاوات. أما المشتريات من إيران فتنقسم إلى قسمين أولهما 1400 ميغاوات من الكهرباء وثانيهما الغاز الطبيعي لإنتاج 2500 ميغاوات. أي تعادل الواردات الطاقية من إيران ربع الإنتاج العراقي وهي نسبة عالية جداً ونادرة على الصعيد العالمي.

وتتجلى خطورة التعامل الكهربائي مع إيران في عدم ترددها بقطع التيار الكهربائي عن العراق حتى في حالة العسر المالي. ففي النصف الثاني من عام 2015 دخل العراق في معارك مع داعش أثرت بشدة على حالته المالية. وبدلاً من أن تتولى طهران مساعدة حليفتها بغداد قامت بقطع الإمدادات الكهربائية مطالبة بتسديد ما على العراق من ديون. ولم يوافق الإيرانيون على مواصلة الإمدادات إلا بعد أن دفع العراق قسطاً من ديونه في مطلع عام 2016 تضررت أربع مدن عراقية جراء هذا القطع وهي البصرة والعمارة وديالى وخانقين.

الجميع يعلم أن المقاطعة الرسمية غير ممكنة التنفيذ تحت ظل الظروف السياسية الحالية؛ لأن من المهام الأساسية للسلطات العراقية والجماعات الموالية لطهران العمل على تسهيل الصادرات الإيرانية خاصة تحت وطأة العقوبات الأمريكية التي أثرت بشدة على مالية إيران الداخلية والخارجية. وبالتالي لا تتحقق مثل هذه المقاطعة إلا إذا تغير نظام الحكم في بغداد. إضافة إلى ذلك أن قرارات رسمية بالمقاطعة تهدف إلى الإضرار عمداً بالاقتصاد الإيراني. أما المقاطعة الشعبية فتعبر عن خيار المواطنين وهي ظهرت منذ عدة سنوات لكنها اتخذت طابعاً جديداً اعتباراً من بداية انتفاضة تشرين، وهي ليست سياسية فقط بل كذلك اقتصادية تهدف إلى تحسين الإنتاج المحلي.

وقبل فترة أصدرت غرفة تجارة وصناعة أربيل دعوة للجماهير في إقليم كردستان لمقاطعة البضائع الإيرانية وهو موقف يصدر لأول مرة وكان مفاجئا بالنسبة لمواطني الإقليم من جهة وللشركات والتجار الإيرانيين من جهة أخرى على خلفية أحداث قصف أربيل تحت حجج واهية وهذا يشكل انتهاك لسيادة العراق، حيث طالبت الغرفة التجارية رجال الأعمال في إقليم كردستان عامة وبالأخص في أربيل، التي تُعد سوقا مهما للمنتجات الإيرانية وتستورد يوميا من جارتها الشرقية العديد من السلع عن طريق أكثر من 6 معابر حدودية بقطع كافة العلاقات الاقتصادية والتجارية مع إيران. وشهدت حملة مقاطعة المنتجات الإيرانية مشاركة واسعة بين العراقيين في وسط وجنوب البلاد، رداً على العدوان الإيراني على أربيل ورفع هاشتاك خليها تخيس.

هناك مؤامرات سياسية عديدة أُحيكت على الاقتصاد العراقي وتحديداً القطاعات الإنتاجية لإعادة هيكلتها، وهناك سياسيين كثر يقدمون تلك الخدمات للدول التي ترعاهم وتوفر لهم دعماً سياسياً أوصلهم إلى مناصب مهمة في الدولة، وأيضا هناك عدداً كبيراً من السياسيين يتقاضون أرباحاً من شركات أجنبية مقابل تعطيل الإنتاج لمحلي .

إن الاستيراد غير المنضبط منفذ رئيسي لتهريب العملة وغسيل الأموال، وأيضا يعاني المستثمرون ورجال الأعمال العراقيون من ضعف القوانين التي تحمي المنتج المحلي مقابل المستورد من المنتجات الأجنبية، حيث أن أهدافا سياسية لإيران تقف خلف ربط السوق العراقي بالاقتصاد الإيراني بشكل مباشر وأن للحرس الثوري الإيراني مجسات في الأسواق العراقية تتلاعب بالأسعار وتوجهها بما يخدم الصالح الإيراني.

إن من أهم أهداف إيران السياسية ربط السوق العراقية بأسواقها كي تنهي كل فرص منافسة الإنتاج محليا حيث أن مقدار الاستيراد العراقي من إيران قليل مقارنة بناتجه المحلي الإجمالي وهذا يثبت أن الغايات السياسية في السيطرة على السوق العراقية لها الأولوية على الغايات الاقتصادية.

إيران التي لطالما اعتمدت سياسات عدّة منها تقليل الحصص المائية عن العراق في الأنهر المشتركة وإغراق السوق العراقية بمنتجات مشابهة لما يُنتج محليا ما أدى إلى إضعاف قطاعات إنتاجية واسعة.

إن ارتباط السوق العراقية بإيران ليس عملية عفوية بل فيها أهداف سياسية معقدة وآليات ومنظومات دقيقة تعتمدها إيران داخل العراق وأن الحكومة الإيرانية تدعم المزارعين والمنتجين الإيرانيين بأي طريقة لمنافسة المنتج العراقي واحتكار السوق لمصالحها.

وفي الوقت الذي تدعم إيران إنتاجها، تحارب السلطات العراقية المنتجين ولا توفر الدعم لهم في إطار حماية المنتج المحلي أو تشريع قوانين تحمي المنتج المحلي وتقوي الاقتصاد العراقي، وهذا يقود للاستنتاج بأن الاقتصاد الإيراني ابتلع الاقتصاد العراقي من خلال دخول الشركات والمستثمرين الإيرانيين إلى العراق وأصبحت عبارة (ساخت إيران) وتعني (صنع في إيران) هي الأكثر شيوعا وشهرة بين المنتجات في السوق العراقية وهي العبارة التي تسعى إيران إلى جعلها الماركة الوحيدة المهيمنة والمتحكمة بالسوق العراقية.

مقالات متعلقة