بقلم| د. صباح الناصري (أستاذ الاقتصاد السياسي)
تدخل وتوقيت وهدف السياسة الأمريكية كانت واضحة قبل أشهر من توقيع الاتفاقية بين إيران والسعودية بوساطة الصين وبرضا وبدعم وبمعرفة أمريكا بتفاصيل المفاوضات: كانت هناك تغييرات في اللهجة والخطاب والممارسات فيما يتعلق بالصراع الإقليمي على الهيمنة بين السعودية وإيران، وفي العراق تم تشكيل حكومة الإطار في هذا السياق الذي لم يكن معلنا حينها، أي عملية التحضير لاتفاقية إيران والسعودية وتفاصيلها المتعلقة باليمن والعراق وسوريا (تشكيل حكومة قريبة لإيران وإعادة تأهيل الحوثي والأسد للحفاظ على هيمنة إيران)، كما شهدنا تحولات في خطاب وممارسات أولئك الذين زعموا معارضتهم للاحتلال الأمريكي، ما تسمى فصائل المقاولة. وتشير وجهة نظر أولئك الذين يدعون معارضة أمريكا إلى وجود عمليات خلف الكواليس تعمل على تقريب مصالح السعودية وإيران بتقاسم الهيمنة على العراق و سوريا واليمن، ومستقبلا لبنان، عبر الوصول إلى اتفاق سلمي لتمكين الإدارة الأمريكية من العودة إلى التأثير على السياسة في المنطقة.
تهدف هذه التكتيكات إلى تحييد نفوذ روسيا، والصين بدرجة أقل، في الشرق الأوسط.
الهدف الأول هو تقريب إيران من المنطقة عن طريق سحب البلاد بعيدًا عن تدخلها في الحرب الأوكرانية واعتمادها الشديد على الصين بشرط أن تعيد صياغة شكل تدخلها في الشؤون الداخلية لدول المنطقة بما في ذلك ما تسمى الميليشيات.
الهدف الثاني للإدارة الأمريكية هو جعل أي محاولة إسرائيلية لمهاجمة إيران أمرًا مستحيلًا وبالتالي منح إيران حافزًا لقبول اتفاق السلام.
ثالثًا: يشير توقيت الاتفاق والتغيير في المنطقة إلى أن هناك تغييرات كبيرة مقبلة تعتقد الإدارة الأمريكية أنه لا يمكن تحقيقها مع الحرس القديم والأحزاب القديمة وممثليها أو أذرعها السياسية والميليشياوية.
ولهذا تتدخل السفيرة الأمريكية رومانسكي بشكل مباشر في إدارة وتوجيه الشأن الداخلي للعراق بما يتناسب مع مصالح أمريكا في المرحلة القادمة. هذا التدخل المباشر هو نتيجة صعوبة التغيير المنشود داخل العراق بعد أن تبين أن كل المحاولات من خلال الاحتجاجات والانتخابات أدت إلى الفشل؛ لذا فإن اللحظة الحالية هي لحظة حاسمة في تاريخ المنطقة تتطلب إشرافًا مباشرًا على هذا الانتقال الذي لا يمكن تحقيقه بالطرق القديمة والقوى القديمة.
الولايات المتحدة تهيئ المسرح للسيطرة على انتقال البلاد الواقعة تحت سيطرتها، ليس بالضرورة في مصلحة الشعب العراقي.
سوف نشهد تغييرات، ولكنها ستكون أي شيء إلا نهاية الاحتلال الإيراني الأمريكي المشترك، مرة أخرى بعد ٢٠٠٣!
التأريخ يعيد نفسه، مرة كمأساة والأخرى كمهزلة (ماركس). المهزلة: العقل الانهزامي والصراع من أجل البقاء.
سبب اختيار حكام العراق المحاصصاتي للضعف والانبطاح لإرادات خارجية هو ضعفهم. القوة تفترض الإرادة، والإرادة تفترض الحرية، والأخيرة لا تُعطى بل تؤخذ؛ فلماذا إذن يتشبثون بالسلطة رغم دونيتهم وإدراكهم بأن تشبثهم العبثي بالسلطة يعني تدمير العراق وإضعافه؟
إن دونيتهم هي التي تجعل السلطة الوسيلة الوحيدة التي يشعرون من خلالها بنوع من القوة. ودونيتهم تجعلهم يُفهمون القوة على أنها عنف. الخلط بين العنف القوة يؤكد هشاشة ذواتهم. تدمريهم للعراق وإضعافه، الضعيف لا ينتج إلا الضعف، هو السبب الذي مكن الأضعف منهم وجعله يسيد على رقابهم.
لقد تخلوا طواعية عن سلطة القرار إلى أولئك الذين يحرصون على المزيد من ضعفهم. هذه هي الطريقة الوحيدة التي يمكنهم بها النجاة من انتقام الناس.
حينما يغدو الضعف الوسيلة الوحيدة للبقاء تدرك أنك انحدرت للزمن الرابع: "شرُّ الزمان ما اجتمع فيه فساد الوالي والرعية" (ابن المقفع)!