بقلم| عمر الحلبوسي (باحث اقتصادي)
لم يأت تقرير صندوق النقد الدولي بالجديد حول المخاطر المالية والاقتصادية التي تواجه العراق العام المقبل, فقد كنا شخصنا هذه المخاطر منذ عام 2022 واستمرينا بالتحذير منها طوال العام الحالي بعد ازدياد هذه المخاطر تعقيداً خصوصاً بعد إقرار الموازنة الثلاثية والتي كانت سياسية وليست اقتصادية لصالح تحقيق أهداف سياسية للإطار التنسيقي, فضلاً عن زيادة الإنفاق الحكومي بشكل كبير جداً والذي عظم من هذه المخاطر في ظل الكثير من التراجعات على الصعيد الاقتصادي والمالي, يضاف لها هدر الأموال بشكل كبير على انتخابات مجالس المحافظات والتي قوبلت بالرفض الشعبي وعزوف 80% من العراقيين عن التصويت.
إن الاقتصاد العراقي منذ عام 2003 اقتصاد مشوه وهش بعدما أُجهز على قطاع الصناعة والزراعة واستحوذت الميليشيات والأحزاب على جزء كبير من القطاع الخاص حتى بات محتكراً من قبلهم وهو ما أدى إلى تدمير الاقتصاد الوطني وأُسس على أنقاضه الاقتصاد الأسود الذي تقوده دول وأدواتها المتمثلة بالميليشيات والأحزاب التي كونت إمبراطوريات مالية واقتصادية محروسة بالدم والسلاح المنفلت، سنوضح أدناه جملةً من أبرز المخاطر التي تواجه العراق في عام 2024.
• إن اعتماد العراق على النفط كمصدر أحادي أدى إلى رهن العراق لأسعار النفط التي تتقلب عالمياً فضلاً عن تخفيض أوبك بلس إنتاج النفط لغرض رفع الأسعار وهو ما أدى إلى تخفيض واردات العراق النفطية للعام الحالي يضاف لذلك توقف تصدر نفط كردستان العراق عبر ميناء جيهان التركي وهو السبب الآخر الذي أدى إلى تراجع واردات العراق النفطية مما شكل للعراق معضلة جديدة يتطلب حلها بين أطراف ثلاث حكومة الإطار وحكومة كردستان العراق والحكومة التركية لغرض استئناف تصدير النفط, وإن انخفاض واردات العراق النفطية تشكل خطراً مريعاً على العراق الذي لا يملك مصدراً آخر يعوض ذلك, وهو ما سيؤدي إلى خفض نمو الناتج المحلي الإجمالي لعامي (2023, 2024) وهو ما يشكل خطرا ماليا واقتصاديا كبيرا على العراق في ظل التقلبات الاقتصادية التي يشهدها العالم.
• انكماش الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي والذي لا يكاد يُذكر بعدما أُجهز على كافة القطاعات غير النفطية حتى باتت مساهمتها ضئيلة جداً تقارب الانعدام وإن كافة المعطيات تشير إلى استمرار انخفاض الناتج المحلي الإجمالي للعام القام مما سيفاقم من أزمات العراق وبالتالي سيكون عام 2025 عام انهيار مالي واقتصادي كبير ما لم تتم معالجة المخاطر وحلّ المشكلات التي تواجه العراق.
• التوسع الكبير في المالية العامة والذي تضمن إقرار الموازنة الثلاثية للعراق والتي لم تأخذ بالحسبان المتغيرات الاقتصادية والسياسية والعسكرية في العالم ولم ترع قواعد المالية العامة فضلاً عن أن طول مدة التنبؤ تكون نتائجها غير حقيقية بسبب زيادة المدة وحدوث متغيرات لم تكن بالحسبان, يضاف لذلك إهمال حكومة الإطار كافة النصائح التي قدمت لها لإقرار موازنة على افتراض سعر برميل النفط ما بين (60_63$) لكنها أقرت الموازنة على افتراض سعر البرميل (70$) وهو ما يحمل مخاطر كبيرة جداً على مدى السنوات الثلاث, وإن موازنة العام الحالي أقرت بعجز مخطط بقيمة (64,357,424,527) دينار لعام 2023 فقط وهو عجز قابل للزيادة مما سيمول من الفائض المالي المدور ومن الاقتراض الداخلي والخارجي وبالتالي تفاقم حجم المخاطر المالية التي تحدق بالعراق وتقربه من حافة الانهيار الكبير.
• تحول الفائض المالي الكبير المتحقق لعام 2022 والذي لم تستغله حكومة الاطار في إنشاء صندوق سيادي يكون مصداً للتقلبات الاقتصادية ولم يتم استثماره بمشاريع ريادية تحقق وارد عظيم للدولة, بل سيتحول إلى تراكم العجز في الموازنة لعام 2023 وسيتفاقكم العجز المالي بشكل كبير في عام 2024 بما يسهم في تعظيم المخاطر المالية للعراق في ظل سياسية التدمير الممنهج التي تستخدمها حكومة الإطار والتي ستؤدي بالعراق إلى نفس مصير لبنان, فنحن نسير بنفس التراتبية الخطيرة التي أوصلت لبنان لهذا الحال السيئ, بل أن العراق سيكون بحال أخطر من لبنان لتفاقم مشكلات مالية واقتصادية كثيرة وتشابكها.
• تأثيرات تقلب أسعار صرف الدينار العراقي أمام الدولار والذي يتكبد العراق خسائر سنوية كبيرة جداً تذهب إلى جيوب الميليشيات ودول إقليمية التي تتحكم في سعر الصرف من خلال سيطرتها على السوق الموازي والذي أصبح ساحة تنافس دولية لنهب الدولار من العراق وغسله أو تهريبه بطرق أخرى إلى تلك الدول مما جعل العراق يستنزف مالياً واقتصادياً.
• تبديد واردات النفط العراقي من خلال نافذة بيع العملة في البنك المركزي العراقي والتي تستحوذ عليها مصارف مملوكة لدول إقليمية استغلت نافذة بيع العملة لنهب الدولار بطرق متعددة بتواطؤ من حكومة الإطار والأمريكان وهو ما تسبب بتآكل جزء من الاحتياط النقدي لسد العجز في مبيعات الدولار لغرض تمويل الرواتب والتي تشكل استهلاك كبير جداً لواردات العراق جراء تزايد أعداد الموظفين في القطاع العام وأغلبهم بلا إنتاج مما يعني استنزاف مالي واقتصادي خطير للعراق.
• تفاقم آفة الفساد والتي تستنزف العراق مالياً واقتصادياً بشكل كبير مما جعل العراق معرضاً للكثير من النكسات الاقتصادية الكبيرة جراء الفساد المالي والإداري والذي تسبب بنهب المليارات من أموال الشعب لصالح جهات حزبية وميليشيات كونت لأنفسها إمبراطوريات مالية كبيرة عززت بها نفوذها وسطوتها على حساب تدمير العراق وشعبه مالياً واقتصادياً.
• تفاقم نفوذ الدكاكين المصرفية والتي تعد أحد أبرز واجهات الفساد والسرقة في العراق والتي تستخدم طرق احتيالية كثيرة لاستنزاف العراق مالياً وتهريب الدولار أو غسله إلى الدول المالكة لهذه الدكاكين والتي أصبحت عبارة عن مافيات خطيرة تملك نفوذاً كبيراً داخل الحكومة والبنك المركزي مما جعلها تحقق إمبراطوريات مالية أضرت كثيراً بالعراق, فضلاً عن تلاعبها الخطير بودائع العملاء واستخدامها أساليب غير قانونية مثل مخطط بونزي والمحاسبة الخلاقة بأسلوبها القذر لسرقة أموال البلد والعملاء وهو ما تسبب بانعدام ثقة العملاء بالمصارف مما جعلهم يعزفون عن التعامل معها, حتى أصبح الدينار العراقي في المصارف والبنك المركزي لا يسد الرواتب بل تضطر الحكومة للاقتراض والمناقلات بشكل غير قانوني وهو ما يعرض الجهاز المصرفي لمخاطر الانهيار في حال الاستمرار بهذا النهج سوف ينهار القطاع المصرفي عام 2025 ما لم تحدث معالجة للأمر القائم حالياً.
• غياب التنوع الاقتصادي جعل من الاقتصاد العراقي ريعي يعتمد على النفط وهو ما يجعل العراق رهن أسعار النفط التي تعاني من التقلبات فضلاً عن انخفاض واردات النفط للعام الحالي وتبديد المتحقق منها, كما أن تدمير القطاع الصناعي والزراعي جاء بأمر خارجي من أجل أن يبقى العراق سوقاً لتصريف بضائع دول إقليمية ترى بالعراق فرصة للنمو على حساب تدميره وتعطيل عجلة الاستثمار في القطاعات التي يمكن أن تشكل رافد مالي للعراق فضلاً عن خلق بيئة منفرة للاستثمار مما يجعل العراق بيئة طاردة للاستثمار وغياب فرص النمو والتنمية الاقتصادية.
• تفاقم مشكلة ديون العراق الداخلية والخارجية والفوائد المترتبة عليها والغرامات التأخيرية، إذ بلغت ديون العراق الداخلية والخارجية حوالي (152) مليار دولار فضلاً عن قروض جديدة حصل عليها العراق وهو ما يكبل العراق بالديون وسط تفاقم مشكلات العراق المالية والاقتصادية وتراجع واردات النفط للعام الحالي مما يعزز من فرص تعثر ديون العراق وهو ما يزيد من تكلفة الاقتراض مع زيادة تراكم الغرامات التأخيرية وفوائد المترتبة على القروض وسط ارتفاع تكاليف الاقتراض عالمياً مما يعني مشكلة مركبة ستفاقم الكثير من المشكلات الاقتصادية والمالية التي ستواجه العراق عام 2024.
إن المخاطر المالية والاقتصادية التي تواجه العراق في عام 2024 خطيرة جداً والتي قد تتفاقم بشكل أكبر في حال قررت واشنطن تضييق الخناق المالي على العراق في حال استمرت الميليشيات باستهداف قواعد جيش الاحتلال الأمريكي, فضلاً عن سعي واشنطن لمنع تهريب الدولار إلى إيران وروسيا وسوريا ولبنان والتي باتت في أوج تفاقمها ومن المرجح أن يكون العام القادم أكثر خطورة ماليا واقتصاديا على العراق جراء انعدام ثقة واشنطن بإجراءات حكومة الإطار والبنك المركزي الذين يحتالون على العقوبات الأمريكية, فضلاً عن أن الانتخابات الرئاسية الأمريكية سوف تلقي بضلالها على العراق عسكرياً وأمنياً واقتصادياً ومالياً وبالتالي حدوث مشكلات اقتصادية ومالية جديدة سوف تعظم من حجم المخاطر المالية والاقتصادية للعراق.