بقلم| د. صباح الناصري (خبير اقتصاد سياسي)
نظريًا وعمليًا، هناك فرق بين الدولة والنظام السياسي والحكومة. في الأنظمة الدكتاتورية والشمولية يتم نقض هذا الفارق البنيوي بحيث يصبح الحزب أو الأحزاب الحاكمة هي الدولة والنظام والحكومة التي تتحكم بشكل مباشر وشخصي في مؤسسات واقتصاد الدولة. ما حدث بعد ٢٠٠٣ هو ليس بقطيعة مع اختطاف واختزال الدولة من قبل حزب البعث، إنما استمرارية مع هذا الشكل السياسي الاختزالي ولكن بغطاء "ديموقراطي"! كل ما تسمى أحزاب التشيع السياسي والمحاصصة المكوناتية تستخدم الانتخابات لمجلس النواب كرافعة للمشاركة في غنائم السلطة التنفيذية، أي تفكك السلطة التشريعية وتفرغها من محتواها التشريعي والرقابي. المحصلة: أحزاب السلطة تغدو هي الدولة والنظام والحكومة. لكن بخلاف سلطة البعث التنفيذية التي كانت تؤدي وظيفتها إداريًا بنجاح نسبي ولم تكن عميلة للخارج، أحزاب المحاصصة لا تفقه لا بالإدارة ولا بالحكم، إنما فقط بالفرهود والتبعية! لذلك، ضاعت الدولة وترهل القضاء والسلطات الأخرى، وغابت التنمية والعمران... وضاع الشعب في دهاليز النفاق السياسي.
صاحب السيادة هو من يقرر حالة الاستثناء (كارل شميت، اللاهوت السياسي)
اللحظة المصيرية في المشهد السياسي العراقي اليوم، منذ انتخابات تشرين ٢٠٢١ إلى الآن والتصعيد السياسي والعسكري بين الإطار الميليشياوي والشعب، هي ليست قانونية، أو لحظة غياب القانون، إنما الخروج على القانون، لحظة استثنائية بثلاثة أبعاد: محاولة الإطار التنسيقي والميليشيات، بما فيها الحشد الشعبي، فرض سيادتها على الدستور والقانون والشعب بالرغم من رفضها من قبله وخسارتها في الانتخابات؛ مجلس القضاء ممثلا بفائق زيدان يحاول فرض سيادته على النظام السياسي والشعب، تعطيل عمل سلطة قضائية بأكملها من قبل زيدان ردًا على حق دستوري للمحتجين يعني خروج زيدان على القانون لفرض نفسه كقانون؛ محاولة الشعب فرض سيادته على السلطات واسترجاع الشرعية المسلوبة، الشعب كالمرجعية الأولى والأخيرة لكل السلطات. إذن، اللحظة سياسية بامتياز وليست دستورية أو قانونية.
المهم في اقتباس شميت المذكور أعلاه هو "يقرر"، الفعل السياسي لفرض السيادة! ولكن كيف يقرر الشعب؟
لعاب بايدن تسيل على نفط إيران
إدارة بايدن تريد الوصول إلى اتفاق نووي مع إيران بأسرع وقت ممكن كي يغطي النفط الإيراني العجز في إنتاج النفط ويدفع باتجاه ضغط الأسعار إلى الأسفل، سياسة طاقة وصولية لرفع حظوظ الحزب الديموقراطي بالفوز في انتخابات مجلس الشيوخ والنواب في شهر تشرين الثاني القادم. يعني إدارة بايدن ترفض لحد الآن التدخل بالمشهد السياسي العراقي والتصعيد ضد أحزاب وميليشيات إيران في العراق لتفادي خروج الأمور عن السيطرة مما يصب في صالح إيران ويضع أمريكا تحت ضغط أمني يجبرها على تقديم تنازلات للطرف الإيراني ويقلل من حظوظ الحزب الديموقراطي بالفوز في الانتخابات: بايدن مستعد أن يضحي بالعراق مقابل نفط إيران!
إذا أراد الشعب العراقي أن يفرض سيادته عبر قرار سياسي -المنطقة الخضراء ليست مركز القوة، إنما مركز الفساد والسلاح المنفلت و الإقرار السياسي- عليه أن يستثمر طاقاته في الضغط على مراكز القوة لتصفير المعادلة لصالح العراق ضد إيران من أجل التغيير في العراق: المرجعية، منافذ تصدير النفط، وزارة المالية، مصارف الأحزاب والميليشيات، والبنك المركزي!