الحلقة الثالثة:
القانون الذهبي لنجاح ثورة تشرين
بقلم| البروفيسور عبد السلام سبع الطائي
الغاية من عرضنا لهذا القانون الذهبي، لكونه يمتلك على العديد من محركات نجاح الحراك الثوري العراقي، وما له من دور في شحذ الهمم بغية مواصلة الثورة لبلوغ مراميها. ولأهمية هذه القواعد الذهبية سنقوم بإدراج اهم عناصرها، وهي:
1. دورة حياة الثورة
2. القوة العددية للثوار
3. وحدة القيادة
4. رمزية المفكرين
5. دور الجيش والأجهزة الأمنية
6. الإعلام التشريني والإعلام الحكومي المضاد
7. التمويل المعنوي وليس المالي والمتمثل بظلم وطغيان الحكومة
سنتناول بهذا المحور بعضًا من قواعد القانون الذهبي لنجاح الثورة، تجنبًا للملل من الإطالة. لقد شكل تعاظم السيولة الثورية الناجمة عن القوة العددية للثوار في بداية ثورتهم حصرًا، أي حين انطلاق الاحتجاجات، سواء أتلك التي اندلعت في سوح الاعتصامات بالمناطق الغربية أو بثورة تشرين الباسلة بالمناطق الجنوبية، واللتان نجم عنهما، عودة الروح للعراق بعد موت سريري طويل، أصاب الشعب العراقي جراء صدمة الاحتلال.
سبق لنا وأن وصفنا الشخصية العراقية بأنها من فصيلة ذوات الدم الحامي، ومن هذا المنطلق فهي شخصية ذات بأس شديد، لكونها تستمد بأسها من يأسها، وهي شخصية عريقة ومتنوعة المعتقدات، يصعب التنبؤ بمقاصدها، فلا يخيب ظن البعض بانكماشها، طالما فتيتها من فصيلة الطائر العنقاء الذي يمرض ولا يموت. وعن طبائع المجتمع العراقي، فأن شعبه حاد المزاج، محتار صعب المراس، يحسن الاختيار عند تعاظم الأخطار، مضطرب، بنية جيله تألف المباغتة، قبلي عصي على الدخيل، مازال باق مع أخيه على بن عمه ومع بن عمه على الغريب المحتل ومستعرقيه. واستخلاصًا من متابعتنا وتحليلنا لعشرات الاحتجاجات الشعبية التي امتدت على مدى القرن الماضي، تبين لنا أن العصيان المدني أثبت أيضا أنه أكثر قوة وفعالية من جميع أشكال الاحتجاج الأخرى في تشكيل المشهد السياسي العالمي.
دورة حياة الثورات السلمية
تقاس معايير ومراحل الثورة بعلم اجتماع الثورة بالسلاسل الزمنية التي تمر بها الثورات والانتفاضات وما يرافقها من احتجاجات لتحقيق أهدافها، وأن العلامات الدالة لنجاح الثورة مرهونة بدرجة اقترابها من الشعب، وكلما اقتربت واتسعت شعبيتها ازدادت قوتها العددية في المجتمع عجلت من انهيار النظام السياسي وتفكيك شرعيته، ولذلك يلجأ النظام في هذه اللحظات إلى استخدام الأساليب القسرية والقوة المفرطة كما حصل لشباب تشرين من قبل النظام الولائي لإيران، ولا مناص من القول، بأن هذه الإجراءات التعسفية تدل على أن الحراك الثوري التشريني قد حقق تقدمًا ملموسًا نحو تحقيق أهدافه على الرغم من كونهم في مراحلهم الأولى يقتضي ذلك، في هذا الحال من شباب تشرين قراءة السلاسل الزمنية للثورة بإمعان لكي تتربع ثورتهم الفتية على عرشها بالانتصار الناجز، ومن خلال التعامل بعناية وبحذر شديد مع كل مرحلة من مراحل الثورة التالية:
المرحلة الأولى: وهي مرحلة تجنب التفريط أو الإفراط بالسيولة الثورية للتعاطف الشعبي والدولي مع الثورة، لأنهما يشكلان رصيدًا ثوريًا من أرصدة الثورة الأساسية ورأسمالها الثابت. كما ينبغي طرح شعارات عقلانية، والابتعاد عن المغالاة والأحلام الطوباوية.
المرحلة الثانية: تتميز هذه المرحلة بالصراع البيني بين قوى وعناصر الثورة، ينجم عنه تنوع القيادات وانقسامها ما بين متطرفين ومعتدلين، يؤدي إلى هيمنة الغلاة المتطرفين على المعتدلين.
المرحلة الثالثة: حيث تظهر بهذه المرحلة ملامح القيادة الموحدة وتبدأ مرحلة الاقتراب من أهداف الثورة.
المرحلة الرابعة: وهي المرحلة الأكثر عقلانية، عندها ستكتسب ثورة تشرين كمًا هائلًا من خبرات الحقب السابقة من مراحل الثورة التي سيتمخض عنها زيادة منسوب وعي الثوار، لذلك ستتسم هذه الفترة بالابتعاد عن الشعارات النارية، والوصول إلى الأهداف الثورية المرسومة لها في برنامجها، لإسقاط النظام واستلام إدارة حكم الدولة، ما تجدر الإشارة إليه أن هذه المراحل ليست مصونة ولا إلهية مقدسة، فهي تختلف باختلاف الفكر السياسي للثورة وبتباين الأحوال والظروف الذاتية والجيوسياسية.
رهان القوة العددية في نجاح الثورة السلمية
بهذا الشأن، يرى الباحثون في العلوم السياسية بجامعة هارفارد، أن مشاركة 3.5% من السكان مشاركة فعالة في الاحتجاجات تضمن حصول تغيير سياسي حقيقي، حيث يطلق على هذه الظاهرة “قاعدة 3.5 في المئة 3.5%”، وهنا نضرب مثالا على ذلك بثورة “قوة الشعب” في الفلبين وثورة الغناء في إستونيا في أواخر الثمانينيات وثورة الزهور في جورجيا في مطلع 2003.
ومن هذا المنطلق، فأن نجاح الاحتجاجات السلمية عام 1986، كان نتيجة مشاركة الملايين فيها في العاصمة الفلبينية مانيلا، عبر مسيرات سلمية للثورة التي حملت اسم "قوة الشعب"، ولم تمر أربعة أيام حتى سقط نظام ماركوس. وفي عام 2003، أجبر سكان جورجيا الرئيس إدوارد شيفرنادزة على الاستقالة، عقب "ثورة الورود" التي اقتحم فيها المحتجون البرلمان حاملين في أيديهم زهورًا دون إراقة قطرة دم واحدة.
وذات الشيء قد حصل في الاحتجاجات البرازيلية عام 1981 و1985 التي شارك فيها مليون متظاهر، إضافة إلى الثورة المخملية في تشيكوسلوفاكيا عام 1989 التي خرج فيها ما يزيد على 500 ألف متظاهر.
وعلى الصعيد العربي، فقد أعلن كل من الرئيس السوداني عمر البشير والرئيس الجزائري بوتفليقة التنحي عن السلطة التي ظلا ممسكين بزمامها لعقود، تحت ضغط الحراك الشعبي السلمي، وذات الحال قد حصل بلبنان وغيرها، كما أجبر ثوار العراق حكومة عادل عبد المهدي عام 2019 على التنحي وتقديم الاستقالة. ولكي لا يفوتنا أن ننوه هنا للتذكير، بإضراب البنزين الذي قاده طلبة وشباب العراق عام 1961 والذي أسقط حكومة عبدالكريم قاسم.
التغيير قرار شعب لا قرار سلطة
واقع الأمر يؤكد، بأن الشعب العراقي على الأخص، بداية ثورة تشرين أصبح مصدر السلطات بفضل ثوار تشرين الوطنيين، وتماشيًا مع ما تم ذكره، بات ثوار تشرين حينها يشكلون برلمان الشعب. وإنه لحري بنا أن نميز هنا بين محاولات تحجيم القوة العددية للثوار مقابل زيادة كثافة متظاهري "التيار والإطار" الإيرانيين، من خلال قطع الطرق على ثوار الشعب التشرينين وقتلهم وملاحقتهم، مقابل فتح الطرق وتوفير المنشاءات المكيفة لمرتزقة الحكومة، تيارًا وإطارًا، وإطعامهم لحم الغزال وسقيهم بقناني الماء البارد وتوفير مصرف جيب، لهؤلاء الوطنجية والثورجية، من (ثوار) "تكسي" الحكومة، اللذين هم أشبه بالهاتف العمومي، لا يرن إلا بالنقود.
إن محاولات زج هؤلاء المرتزقة بالتظاهرات، لغرض احتواء القوة العددية لثوار تشرين، ومن أجل دعم هذا التيار أو ذاك الإطار المنهار، اللذان كلاهما صنع في إيران (ساخت إيران). وسيرى "التيار والإطار" كيف ستقول لهم إيران قريبا، البقاء في حياتكم (بقا به خدا)، عندما تصل ثورة تشرين مرحلتها الأخيرة قريبًا. ولات ساعة ندم لأن دولة الباطل ساعة ودولة الحق حتى قيام الساعة.
مسك الختام، لقد أسقطت الثورات السلمية حكومات متعددة بحكم القوة العددية للثوار وبفضل وحدة القيادة ورجاحة عقلها وقدرتها على المناورة، علاوة على إيمانها بأهمية رمزية المفكرين ودورهم المعنوي والتعبوي في التخطيط. والحكيم من اتعظ بغيره وبتاريخ تظاهرات وثورات الشعوب السلمية، ناهيكم عن دور الجيش في تعجيل النصر، والذي سيشكل محور حديثنا في الحلقة القادمة.
فإلى لقاء آخر، انتظرونا.