لا شيء في العراق منضبط، فمسرح الأحداث صاخب بالمغالطات والفوضى المتطرفة بعشوائيتها، المتخبطة بمنهجيتها؛ وأمّا أولئك الذين يريدون من العراقيين ـ نخبًا وجماهير ـ أن يتعايشوا في ظل العملية السياسية ومخرجاتها باعتبارها “أمرًا واقعًا”؛ فينحنون أمام كل موجة فيها، ويرضخون لفعاليات شخوصها، ويتعاطون مع مشاهدها وكأنها حتمية الأخذ ولازمة النتائج؛ إنما هم أدوات وَهْم ووسائل ثقافة مضادة، لا يجني العراقيون من ورائها إلا مزيدًا من الخسران.
الواقع العراقي أسير بين تقلّبات شتّى؛ فـ”حكومة الكاظمي” التي ظن أصحاب السذاجة والعاطفة أنّها منطلق للتغيير، فخُدعوا بوعود عرقوبية اتكأت عليها أثناء مشاورات تشكيلها؛ هي في الحقيقة أشبه بدابة الأرض تأكل العراق بنَهَم من اتجاهات أربعة في ظل هيمنة ميليشياوية متزايدة: فالمشهد السياسي بات رابضًا في أوطأ مستويات الانحطاط التي مرّت بها العملية السياسية، ونظيره الأمني بلغ ذروة اتجاهه الطائفي في القمع والتغييب والكم النوعي من الاعتقالات الممنهجة التي شهدتها الأسابيع الأخيرة.
أما الملف الاقتصادي ذو الأزمة المتفاقمة تعقيدًا وانهيارًا؛ فحاله أوضح من أن يحتاج إلى بيان، ويكفي أن كبرى شرائح المجتمع العراقي ـ الموظفين ومن في حكمهم ـ محرومة من حقوقها المالية منذ نحو شهرين وسط ارتفاع نسبة الفقر في البلاد بإقرار وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، وبينما تستلوي السلطات الحكومية على ملايين الدولارات من المنافذ الحدودية؛ يتباكى الكاظمي بأن “خزينة الدولة فارغة” لكنه يغدو في غاية السخاء حينما يتعلق الموضوع بمنح إيران أموالاً بذريعة إبرام عقود وصفقات لم يلحظ العراقيون منها شيئًا.
ولا ريب فإن القطاع الصحّي المتهالك خاضع بالكليّة لجائحة فساد لا جماح لها، والتقارير المتعلقة بـ”أزمة كورونا”، وفقدان الأوكسجين، وفوضى العلاج الخاطئ، فضلاً عن فضائح عمليات دفن المتوفين التي يتولاها متنفذون في ميليشيات “الحشد”؛ تتحدث عن حقائق لا وجود للإنسانية فيها مطلقًا؛ إذ يتسيد المال ويتحكم في الإجراءات، إلى درجة تصل إلى تحديد مصير المريض/ أو إزهاق روح إنسان لا مرض فيه.
يصدّق الساذجون مواقف وحراكات تظن حكومة بغداد أنها تستقطب الأضواء بها بناءً على ما هو سائد من مزاج جماهيري وأمانيّ شعبية؛ وهي في الحقيقة ليست بذات قيمة لا من منظار السياسة والسيادة، ولا من زاوية الأمن وما يتصل به، إذ لا تتعدى بكلّيتها خطوط استعراض إعلامي يُراد منه صناعة تصوّر معيّن يُخدّر الجماهير من جهة، ويمنح ـ من جهة أخرى ـ القوى المتحكمة بأحزاب السلطة ومنظومتها السياسية مزيدًا من الفرص للتنامي في مشاريعها التي تقتات في الأساس على استمرار الفوضى والاضطراب الأمني والسياسي في البلاد؛ وما جرى مؤخرًا من مسرحية اعتقال عناصر ميليشيا “حزب الله” جنوب بغداد، ثم الإفراج عنهم بعد تهيئة أجواء تعبوية جديدة للفصائل الموالية لإيران كي تزيد من سطوتها في الشارع العراقي؛ إلا لمحة واحدة من بين عشرات في المشهد تؤكد على حقيقة هذا التصوّر.
وفي الوقت الذي يبدو ما تقدم في نظر بعض المراقبين ليس بجديد؛ رغم ما فيه من سوابق لم تشهدها حكومات الاحتلال السالفة؛ يكشف الواقع العراقي أنماطًا من عقول وأذهان وأفكار طابت لها الهرولة صوب الحكومة ليس بشكل صريح ومباشر، بل بنوع من التطبيع الذي يظهر في تصريحات وتوصيفات، أو نصائح واقتراحات، أوعلاقات ومقاربات؛ ينتهي بأصحابه ـ أدركوا أو لم يُدركوا ـ إلى أن يطرقوا أبواب العملية السياسية تمهيدًا لاستجداء الولوج بها..!
ما أتعس الدنيا، وما أتعس اللاهثين وراء مغانمها الفانية!ِ