ثائرة أكرم العكيدي (كاتبة وباحثة)
الرئيس الأميركي جو بايدن وبعد إعلانه تمديد حالة الطوارئ على العراق بحجة وجود تهديدات غير عادية للأمن القومي والسياسة الخارجية للعراق والولايات المتحدة ليس بعيدا، هو الآخر، عما طرحته رومانوسكي، إذ مثّل إشارة لافتة قد تنطوي على إجراءاتٍ تنوي واشنطن اتّخاذها بعد نفاد حالة الصبر لديها على عدم التزام حكومة بغداد بما وعدت به من العمل على وقف التوغّل الإيراني، والقضاء على المليشيات، خصوصاً بعد تسنم عناصر مليشياوية مناصب وزارية في حكومة محمد شياع السوداني، وبما يعنيه ذلك من إعطاء دور أكبر من السابق لتلك المليشيات في القرارات الحكومية، وبعدما اكتشفت أن الدولة العميقة التي صنعتها إيران في العراق ما تزال متمكنة من عرقلة ولجم أي تحرّك يهدّد مصالحها.
الكل على يقين أن بقاء العراق تحت مظلة النفوذ الأمريكي، وكل ما جرى في العراق من تغيير لنظامه السياسي ووصول الطبقة السياسية الحالية للحكم، كان برعاية أمريكية وأمريكا لم تستطع ضبط الإيقاع، مما أدى لحدوث شرخ كبير بالعلاقة بين الطبقة السياسية والشعب..
ولذلك فإن قرار بايدن هذا روتيني ومجرد تجديد للمرسوم الصادر منذ 2003، ولكن هناك رسائل يراد إيصالها من تمديد الطوارئ الوطنية. لكن القرار يعكس رغبة أميركية بإثبات الوجود، وأنها ما تزال مهتمة بالملف العراقي، خصوصا بعد الحديث عن تراجع المكانة الدولية للولايات المتحدة فيما يتعلق بقيادة العالم وانسحابها التدريجي من الشرق الأوسط.
ويكاد ملف الخروج الأميركي من العراق، يكون أقرب إلى قصة من قصص ألف ليلة وليلة التي تختلط فيها الحقائق والأوهام، كما يصعب الوصول فيها إلى نهاية واضحة. وجديد فصول هذا الملف تابعناه بداية مع التصريح اللافت الذي أطلقته ألينا رومانوسكي، سفيرة الولايات المتحدة في بغداد، والذي أكّدت فيه على أنهم باقون في العراق ولن نرحل؛ لأن العراق يمثل أهمية إستراتيجية كبيرة لنا ومورد اقتصادي ومهم لواشنطن؛ فهو بالنسبة لأمريكا العين التي تغدق ذهبا أبيض والظاهر أنّ رومانوسكي قرّرت، هذه المرّة أن تتخلى عن وقارها الدبلوماسي، وأن تعلنها صريحةً واضحةً لكل الأطراف ولم تكتف بذلك، بل طافت على كل القيادات الفاعلة في المشهد السياسي، وبضمنها القيادات المليشياوية التي هددت بضرب المصالح الأمريكية في العراق، وأبلغتهم أن لا شيء يحدُث، ولا أحد يجيء من دون رضا واشنطن ومباركتها. وبالطبع ما قالته السفيرة يعد بمثابة رسالة إلى طهران أنّ واشنطن لن تسمح باستفراد إيراني بالهيمنة والقرار في العراق ونهب ثرواته.
توقيع جو بايدن مرسوم تمديد حالة الطوارئ الوطنية في العراق بحجة حماية الأموال العراقية، واستمرار وصاية واشنطن على بغداد في المجالات كلها، خصوصاً المالية والاقتصادية والعسكرية؛ دليل على ضعف الحكومات وتخاذلها التي قادت البلاد منذ الاحتلال وإلى يومنا هذا .ويأتي المرسوم الأمريكي في إطار الضغط على حكومة السوداني لمواجهة المخاطر التي تهدد مصالح الولايات المتحدة ومطالبة بغداد بالعمل أكثر من أجل هذه المصالح، وهو يعكس رغبة أميركية بإثبات الوجود
ولأن ما يحصل في العراق هو بعلم أمريكا فإن المكونات السياسية والمجتمعية والثقافية العراقية ترى أن المشاكل والأزمات والمآسي والويلات التي حلَّت بالعراق وشعبه تقف الولايات المتحدة الأميركية وراءها وتتحمّل مسؤوليّتها؛ ولذلك يرون أن الأمور بعد مغادرة الاحتلال الأمريكي لن تكون أسوأ مما كانت عليه في ظل وجودها؛ خصوصا أن أوساطاً سياسية ووسائل إعلام ومنظمات حقوق غربية، وأميركية على وجه الخصوص، تتحدث عن أخطاء وجرائم وتجاوزات وانتهاكات ارتكبتها القوات الأميركية في العراق وغيره.
وفي السياق نفسه جاءت إحاطة ممثلة الأمم المتحدة في بغداد (جينين بلاسخارت) أمام مجلس الأمن، فقد أشارت إلى وجود جهات مسلحة خارج إطار الدولة تعمل في ظل ظاهرة الإفلات من العقاب، والأمر يتطلّب معالجة، والمعالج لهذا الوضع هو المحتل؛ لأن العراق اليوم عبارة عن كرة تتناقلها أمريكا والمليشيات الإيرانية والحكومات الفاسدة والدولة العميقة التي صنعتها إيران في العراق والتي ما تزال متمكّنة من عرقلة ولجم أي تحرّك يهدّد مصالحها.
أمريكا وحجتها المستمرة والمعروفة بعدم قبول دولة تقودها المجاميع المسلحة، هذه السنفونية سمعناها كثيرًا لأن ما يحدث هو عكس ذلك وقد شهدنا السفيرة تلتقي بأغلب قادة وزعامات الفصائل وغيرها وكأن الإستراتيجيات تغيرت والمعادلات تبدلت..
ولعل هناك قناعة وإدراك لدى العديد من النخب السياسية والثقافية والأكاديمية العراقية بأنَّ الولايات المتحدة الأميركية لن تغادر العراق بصورة فعليّة وحقيقيّة. وقد ترسخ ذلك بقدر أكبر قبل سنة تقريبا بعدما انتهت الحوارات بين الكاظمي والوفد الكبير المرافق له مع الإدارة الأميركية إلى الاتفاق على تحويل المهام القتالية للقوات الأميركية إلى مهام استشارية وتدريبية ولوجستية وهذا يعني بقاؤها واستمرار الاحتلال إلى أمد غير معلوم، ناهيكم عن التحكّم بالأجواء، وفي مفاصل أمنيّة واقتصاديّة حيوية تحت عنوان الدعم والإسناد اللوجستي والاستشاري، إلى جانب التذكير بأن مهام التدريب والاستشارة والتمكين ربما تنطوي على مخاطر تستهدف الأمن القومي للبلاد أكبر من المخاطر المترتبة على المهام القتالية، لأنَّ الأولى تتيح الاطلاع والإحاطة بكلّ التفاصيل والجزئيات في مختلف المفاصل والمؤسَّسات الأمنية والعسكرية وبالتالي جعل البلد مكشوفاً بالكامل، وعرضةً لمختلف المشاريع والأجندات الخارجية.
ولا شكَّ أنّ تغيير المهام، وتغيير العناوين والبوسترات والإعلام والمواقع والأزياء، مع بقاء المشاريع والأجندات نفسها، لن يمرّ بسلام، لأنّ الأمور لم تعد تقرأ بظواهرها العابرة، بل ببواطنها الغائرة
وأن هذه الحال لن تتغير ما دامت العملية السياسية وأحزابها تتسلط على رقاب العراقيين عن طريق تأجيج الصراعات ونهب المال العام ونشر الفتنة باصطناع العداوات التي تشتت لحمة الشعب العراقي لغايات ومآرب ومصالح فئوية سياسية.
وأخيرا واختصارا لكل ما يحدث على الساحة يبدو أن اللعبة لا تزال في أولها وأزمات العراق التي تجذرت خلال الأعوام العشرين التي أعقبت الغزو الأميركي للعراق سوف تظلّ تتوالى بين جزر ومد وبين المحسوبين على واشنطن ووكلاء إيران وميلشياتها ربما إلى أمدٍ قد يطول..