✍| ثائرة أكرم العكيدي
التحدي الأكبر الذي يواجه كل إنسان هو تحدي السلطة واستعبادها للشعوب، فالاستبداد والظلم يبدأ عندما يتوسع الإنسان في مد سلطته لتشمل قرارات الآخرين؛ ويكون بذلك قد تعدي على سلطات الآخرين وحرياتهم ومارس عليهم دور السيد لإخضاعهم لإرادته.
ومن أهم وسائل التوسع في السلطة خارج حياة الإنسان واستعباد الناس هي القوة المتعددة، ولأن القوة المادية لا تستمر إلا بدعمها بالقوة الروحية المعنوية، التي تتمثل بالاعتقادات، وأهمها وأقواها هي المرتبطة بالدين والأولياء، ومن هنا جاءت أهمية دور الدين، وخطورته في ذات الوقت؛ فالدين كالمرهم الحنون اللطيف في شفاء الناس واطمئنانهم، لكن العفاريت في السلطة تستغله لاستعباد الناس؛ لتغرس في عقول المواطنين الاعتقادات التي تكرس التسليم لهم (باسم الله، ورسله، وأوليائه) أما الأخطر من ذلك والأعمق خبثًا ومكرًا فهو زرع برامج التفكير ونماذجه التي تخدم أهدافهم في عقول الجماهير حتى يضمنوا أنه مهما فكرت الجماهير فلن تخرج معطيات تفكيرها عما يريده عفارت السلطة؛ ومن ذلك زرع الافتراضات للوصول إلى مسلمات مغلقة بأقفال قدسية لا يُسمح لعقول الناس حتى التفكير في الاقتراب من خطوطها الحمراء، فكيف بفتحها للتأكد منها والتحقق من صحتها؛ لأنها مختومة بختم الصالحين من آل البيت وغيرهم كما يزعمون، ولا يملك فك شفرتها ومعرفة أسرارها إلا نوادر! خصهم الله بذلك كما يزعمون وهؤلاء هم الاستثنائيون أصحاب السلطة الكهنوتية الربانية، وهم أنفسهم حماة المعبد المتحالفين مع السلطان الدنيوي السياسي؛ ليحمي كل منهما ظهر الآخر، لتأتي بعدها العبودية الطوعية وكيفية تغلغلها بين الناس.
وينتشر الداء السياسي في ظل حكم طاغية ما انتشارا ضمن طبقات متعاقبة؛ فيتقرب إلى المستبد خمسة من الطامعين أو ستة ليصيروا متواطئين مع مطالبه تواطؤا مباشرا، لكنهم ما يلبثوا حتى يسربوا العدوى لستمائة شخص من سلسي القيادة أو ذوي المنافع الكبرى ليعود هؤلاء فيصيبوا ستة آلاف من المتزلفين الطامعين، وهكذا حتى تصيب العدوى غيرهم من الطامعين والبسطاء؛ وهذا ما حدث في الآونه الأخيرة بين صفوف المتظاهرين. فالعيون التي يترّصد بها السيد أتباعه هي التي منحت له من بعض أتباعه, وإن الأيدي التي تنهال عليهم بالضرب لا يأخذها إلاّ من بين صفوفهم.. لا سلطة لسيدهم عليهم إلا بهم, لذا يغدون بكل يسر شركاء اللص الذي يسرقهم والمجرم الذي يقتلهم, فلم تُستَعبد الشعوب إلا لأنها استسلمت للفساد وقبلت بالاستغباء.
في كتاب الإيراني (علي شريعتي) في سبعينات القرن الماضي كتب عن نفس الفكرة في كتابه (النباهة والاستحمار) وأطلق عليها (الاستحمار) وهو مصطلح يدل على الاستغباء الممنهج للشعوب الغافلة من لدن قوى كبيرة كما يحدث اليوم في بلدنا؛ فالأحزاب سواء كانت دينيه أو مدنية مستبدة تقوم على أساس إلهاء الشعب لتحرفه عن مطالبه وحقوقه المشروعة، وتسخره كما يُسخر الحمار، فكل إلهاء للإنسان بأمر ليس من شأنه الاشتغال به بل من أجل الاستيلاء على متعلقاته حتى لو كان هذا الأمر إيجابيا في ظاهر الأمر فهو كما ذكرنا؛ فالاستحمار هو إشغال الشباب عن السياسة.
والاستعباد آفة تاريخية من الصعب القضاء عليها، ولكن المأساة المستمرة التي لا تنقطع على مر العصور للوجود الإنساني هى وجود ظالم ومظلوم، ومتسيد ومستعبد، وطاغ وخانع .. من هنا ينشأ الصراع ونتائجه إما تكون البناء أو الهدم. من الممكن أن تكون ظالما أو متسيدا على غيرك، ومن الممكن أيضا أن تكون عبدا طائعا أو خانعا أو مستعبدا لغيرك، وفى جميع الحالات أنت تحمل مأساة طاغية على كاهلك. مأساة الظالم المستبد أنه يخشى غضبة المظلوم لأنه أكثر جبنا منه، ومأساة المظلوم أنه يخشى سطوة الظالم وغلظته؛ وهنا تكمن المأساة الحقيقية للإنسان وهى الخوف القاتل؛ ذلك الخوف هو الذى يسيطر على روح الظالم وعقله فيزداد بطشا، وهو الخوف الذى يستبد بنفس المظلوم وقلبه فيزداد وَهنًا وضَعفًا حتى يتدخل القدر في وقته ويقف حاملا ميزان العدل والاستقامة ليقتص ممن أجرموا على أيدى ضحاياهم.
لقد عانى الشعب العراقي طغيانا عاتيا وفسادا فاحشا وظلما وقتلا وقهرا استمر لسنوات ومازال، ولم يعانِ شعب من الشعوب مثلما عاناه الشعب العراقي؛ ولذلك طفح الكيل وخرج الشعب لم يبالِ بتهديد أو قمع وخطف وقتل، متحليا بقول الشاعر (فلا بد لليل أن ينجلي ولا بد للقيد أن ينكسر) وكسر القيد بإرادة وتصميم الشعب بإسقاط أقنعة الحكومة وأحزابها وكشف حقيقتهم وسقوطهم المدوي بممارسة الاستبداد والاستحقار والظلم ونشر الفقر والمرض والفتن، وتجهيل المجتمع وحرمانه من أبسط حقوقه، حتى استباحوا وزبانيتهم كل الحرمات والمحرمات، ومنحوا أعداء الوطن الأمن والأمان وكل ما فى وسعهم من ثروات الشعب ومقدراته.. لإسعاد الشعب الإيراني ورفع مستوى معيشته؛ على حساب لقمة عيش العراقيين وكرامتهم؛ لأن غاية المستبدين والمتسلطين في عراق اليوم هي خدمة ولاتهم وأعوانهم من الإيرانيين وغيرهم. واليوم ظهر إلى جوار الحكومة المستبدة طاغية آخر (السيد) العميل البديل، ومستبد آخر أشد وطأة ودموية على الشعب، فمنذ فترة السقوط ويداه ملطخة بدم الأبرياء زعيم فى السفه والسفاهة والتخلف، وقائد ملهم لأتباعه من المجرمين والعملاء والقتلة وقطاع الطرق..
ولكني أقول لمن استُعبد من أبناء وطني كفاكم تدنيسا لرؤوسكم التي خلق الله داخلها عقلا يفكر ويتدبر، يفرق بين الحق والباطل، بين الخير والشر، وله القدرة على سلوك السبيل للخلاص من كل ما يحدث، فالعبودية لا يمكن أن تكون طوعية وإن بدت في الظاهر كذلك؛ لأنها تتناقض مع الطبيعة البشرية والفطرة الإنسانية التي فطرها الله تعالى على حب الحرية وكراهية العبودية لغيره تعالى، فاستعباد البشر بشكل أو آخر سواء بالقهر أو الغفلة أو الخداع وسكوت الشعب عليها حينٌ من الدهر ورضوخه لحكم الطغاة المستكبرين مهما طال فإنه لن يستمر إلى ما لا نهاية، ولن يرض الشعب بالذل طوال الدهر ؛ فلا بد أن تأتي لحظة الانفجار في وجه الطاغي ولا بد أن يستفيق الشعب من سباته وينهض الوطن من كبوته ... فتتحطم أغلال العبودية وتنكسر قيود الذل ... وتُستعاد الحرية المفقودة.