الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

مقالات الدولة الأمة

بقلم| صباح الناصري (أستاذ الاقتصاد السياسي)

الدول غير القادرة على تشكيل الأمة، غير قادرة أو غير معنية، بل أسوأ، التي تجذر الهويات الاجتماعية الفرعية، بخلاف أمة مبنية على مبدأ المواطنة، لا تعتبر دول إنما كيانات سياسية هجينة تتلاشى بنفس سرعة تشكيلها.

مشروع الدولة يعني بالأساس مشروع تشكيل أمة تتجسد دستوريا ومؤسساتيًا.

الزمر الحاكمة في العراق من ٢٠٠٣ إلى اليوم، بما فيها الأحزاب الكردية، أثبتت أنها غير مؤهلة لبناء دولة وتشكيل أمة عراقية تتجاوز الطائفية والعرقية، فشل على طول الطريق.

إذا كان هذا هو الحال، فلا بد من طرح مشروع تشكيل أمة كمشروع بديل لمنظومة الاحتلال التدميرية. القوى المعارضة والطامحة إلى بناء دولة سوف تفشل أيضًا إن لم تطرح رؤية لبناء الأمة العراقية ترتكز على عناصر حيوية مستنبطة من تأريخ وثقافة المجتمع العراقي تحركها تصورات مستقبلية كقيم معيارية تساهم في بناء مجتمع متماسك ودولة قوية.

هكذا مشروع يتطلب جهد جماعي، سياسي وثقافي، نخبوي وجماهيري في آن واحد يطرح هوية مجتمعية جامعة من خلال الممارسة.

دور المثقف الوطني

استخدام مفردات مطاطة في هذه المرحلة، علماني أو عقائدي أو مدني أو ليبرالي الخ، هي شعارات هوياتية فارغة تستخدم للتغطية على غياب مشاريع سياسية متميزة، أو تقية سياسية تختبئ خلف هويات لا تعيينية، أي تطمس الفوارق في المواقف بلاغيا. مفردة علماني مثلا، لا تناقش بمفهومها التأريخي كموقف دنيوي من تحييد الدين وليس إقصائه، إنما هي في أحسن الأحوال رد فعل على هيمنة الكهنة على المجتمع والثقافة السياسية، وكرد فعلٍ هي بلا مضمون أو تطرح مضمون سالب: نقيض الدين!

العلمانية تشير إلى نقلة نوعية للثقافة السائدة في المجتمع وإلى شكل الدولة وليس للأفراد، هي ليست هوية سياسية، إنما تشير إلى تشابك مؤسساتي من نوع محدد للدولة والدين.

في هذا السياق، التمييز بين المثقف المتحزب، والمثقف التحرري المنحاز إلى مشروع عام، مهم في مرحلة الانتقال إلى نظام ديموقراطي. هذه المرحلة تستدعي الفصل بين التحزب لمشروع سياسي فئوي ومشروع التحرر، أي بين الصراع على سلطة والمسؤولية التأريخية.

التحرر يعني الانخراط في مشروع جماعي، التحزب ضروري في ما بعد مرحلة التحرر، مما يفترض إصلاح سياسي ثقافي داخل التحزب لفرز قيادات عامة و عمومية بمرجعية وطنية وليست حزبية. فقط هذا الشكل من الإصلاح، إصلاح التغيير بخلاف الإصلاح كتكتيك لاحتواء التغيير أو منع التغيير الجذري، يساهم في إنتاج مشروع وطني.

الاختلاف السياسي مهم كشرط أساسي للتنوع في نظام ديموقراطي، ليس نبذ الاختلاف، إنما الحفاظ عليه لمرحلة ديموقراطية ما بعد استرجاع الدولة. لذا من مصلحة المعارضات المتحزبة وللحفاظ على هويتها وتنوعها مستقبلا أن تفصل هذا التنوع عن المشروع التحرري الجامع. نحن بصدد مسؤولية تأريخية تقع على كاهل المثقفين العضويين بإنتاج حلول تتجاوز الاستقطابات والتخندق الأيديولوجي السياسي كي لا تعيد من خلال منطق الغلبة تشوهات الاستبداد، علماني كان أم طائفي، أي مسؤولية مأسسة نظام ديموقراطي وليس مشروع سياسي متحزب.

من هذا المنطلق، وعلى سبيل المثال وليس الحصر، طرحنا وثيقة مبادئ وأسس، العقد الدستوري العراقي، تضمن التنوع من خلال تشكيل أرضية مشتركة للتحرك في اتجاه مشروع وطني يهدف من خلال ممارسة الوثيقة بآليات تجذر المواطنة إلى بناء الأمة وتقنين المصلحة العامة.

الاتفاق على المبادئ الجامعة، التصديق عليها، وعدم الارتداد أو الانقلاب على هذه المبادئ (مما يشترط حضور طرف حيادي ثالث، إقليمي أو دولي، لإضفاء صبغة قانونية على الاتفاق)، هو الذي يفرز ويضمن التعددية، أي الانصياع الطوعي إلى مبادئ مشتركة تضمن صيرورة العملية الديموقراطية وتقصي ذهنية الاجتثاث للمعادلات الصفرية.

إذن ما مطلوب في هذه المرحلة المصيرية من عمر العراق هو اتفاق معياري على ثلاثة مرتكزات:

١. مبدأ المواطنة كمرتكز جوهري لبناء الأمة العراقية.

٢. فصل النظام السياسي عن إطار الدولة الجامعة، التنافس السياسي على تمثيل فئات الشعب و إدارة السلطات لا يمس الجوهر المؤسساتي القانوني للدولة،

٣. سيادة القانون وتحييد الهويات الخاصة، الدينية أو المذهبية أو العرقية أو القبلية، عن الأداء المؤسساتي للدولة والنظام السياسي. هذا يتضمن، مثلا سن قانون أحزاب مدني، مبني على أسس المواطنة ويمنع تشكيل الأحزاب السياسية على أسس مذهبية أو عرقية أو دينية أو قبلية.

الاتفاق على هذه المرتكزات القادرة على إعادة بناء الدولة و إعادة هيكلة النظام السياسي تحرث الأرضية الخصبة للتكافل والتعاون العضوي لتحقيق الهدف المنشود، بناء الأمة، و تمهد لإصلاح جذري، دستوري مؤسساتي، ينقذ العراق وشعبه من ويلات الاحتلال والفساد والتدمير الشامل لموارده الطبيعية والبشرية.

سنناقش في الجزء الثاني لهذا المدخل العام بعض أبعاد مفهوم الأمة المعاصر، عناصر أولية تشكل مرتكزات لمفهوم نظري استراتيجي يتناسب مع مشروع إعادة بناء الدولة وتشكيل الشعب بالمفهوم السياسي للمصطلح.

مقالات متعلقة