الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

مقالات الحكومة .. وماذا بعد إغلاق أكبر ملف لديون العراق؟

الميثاق| ثائرة أكرم العكيدي

انتهى تفويض لجنة الأمم المتحدة الخاصة بالتعويضات عن الأضرار الناجمة عن غزو العراق للكويت في 1990 قبل أيام وأسدل الستار على الديون التي أهلكت كاهل العراق بعد أن سددت بغداد كامل المبالغ المترتّبة عليها للكويت وقدرها 52.4 مليار دولار بقرار رسمي أممي.

وبعد احتلال العراق من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، صدر القرار 1483 من مجلس الأمن في 22/5/2003؛ حدد فيه آلية الاستقطاع من مبيعات النفط العراقي بنسبة 5 بالمئة تسدد إلى الكويت سنويا.

وكان من الطبيعي بعد الانتهاء من هذا الملف بعد 25 سنة، أن تتمكن العملة العراقية من استعادة شيئا من مكانتها بين بقية عملات المنطقة، إلا أن سوء إدارة ثروات العراق واقتصاده والتحديات الخطرة ما تزال في تزايد مستمر، ويشير تناحر الأحزاب وصراعهم على المناصب في الحكومة الجديدة إلى استمرار تدهور الاقتصاد العراقي؛ وما شاهدناه من مسرحية من سعر الدينار أمام الدولار في الأيام الأخيرة الماضية؛ مثال واضح على التلاعب بأعصاب الشعب العراقي وكشف الوعود الكاذبة التي أطلقها بعض المسؤولين والأحزاب المتسلطة.

ولكن مشكلة العراق الأساسية ليست الديون، فالأموال التي دخلت البلد من النفط تقدر بتريليون دولار، منذ عام 2003 وحتى الآن، وهي كفيلة بتسديد جميع الديون وبناء البلد، وعدم الاقتراض من أي جهة خارجية أو داخلية. ولكن ما رافق ديون العراق هو الفساد المالي والإداري لأن جزءا من هذا الدين ذهب إلى تسديد نفقات المسؤولين الكبيرة وسرقاتهم، في حين هناك مشاريع متوقفة، وهناك ديونا صرفت وأصبح البلد ملزما بتسديد مستحقاتها وفوائدها، ولم تذهب هذه الأموال لتحقيق التنمية وإنما لجيوب الفاسدين؛ ورأينا بعض المسؤلين والنواب في الحكومه الحالية غردوا وصرحوا بانتهاء ملف الكويت والعراق من الديون وكأنهم سددوا هذا الدين من جيوبهم الخاصة، وتناسوا مستخفين بالشعب العراقي! أن مسودة الموازنة التي صوتوا عليها تنص فقراتها على تسديد القروض الخارجية التي أثقلت كاهل العراق وسلبت حقوق أجياله القادمة، لأن الفوائد المترتبة عليها ستدفع بالعراق أن يستمر بتسديد الديون لغاية سنة 2048 هذا في حال لم تضف قروض أخرى؛ وهذا يدل على أن مستقبل العراق في خطر كبير بسبب الإدارة الفاشلة للبلد من قبل الأحزاب المتسلطة التي رهنت مستقبل الأجيال اللاحقة بسبب رعونة هؤلاء المسؤلين الفاسدين ومبالغ المديونية العراقية الكبيرة التي ذهب إلى جيوبهم، عبر المشاريع الوهمية في ظل غياب الشفافية منذ عام 2003 وحتى يومنا هذا. وما يثير العجب هو عدم المبالاة التي يتميز بها مجلس النواب ولجنته المالية في هذا الأمر المشتركة في هذا الفساد وتسترها عليه وتمرير هذه الديون واهمل النظر فيها وعدم البحث في منافعها ومضارها، وكأن القرارات المتخذة من خارج البلد نهائية؛ فالبرلمان يتظاهر بالبلاهة والجهل في كل تشتيت للمال العام كما رأينا في موضوع السندات الأجنبية، فأعضاؤه ككل السياسيين الآخرين يستخدمون المجلس لإدارة مصالحهم الشخصية أو إضاعة الوقت في المصادقة على اتفاقيات دولية لسنا بحاجة إليها، أو أداء أحسن ما يجيدونه وهو التغيب التام عن جلساته. والحقيقة لا يوجد عندنا مجلسا للنواب؛ وإنما عصابة وطغمة مستهترة.

ولنا أن نتسائل عن قروض إقليم كردستان هل تدخل ضمن الدين العام للعراق؟ خصوصا أن رئيس حكومة الإقليم مسرور بارزاني صرح عام 2020 بأن ديون الإقليم بلغت 27 مليار دولار، وأن الأوضاع الاقتصادية في الإقليم صعبة بسبب الاعتماد الخاطئ على إيرادات النفط؛ فضلا عن الخلافات بين بغداد وأربيل السياسية والأمنية والاقتصادية، ومنها إدارة الثروة النفطية، فالإقليم يصدير النفط بشكل منفصل عن بغداد؛ وقبل أيام أصدرت المحكمة الاتحادية قرارا بتجميد نفط الإقليم لتعاقده مع دول وشركات خارج سلطة الحكومة الاتحادية، وعدم تسليمه كامل النفط المستخرج إلى شركة سومو الوطنية، أو تسليم (250) ألف برميل يوميا إلى بغداء لقاء حصته في الموازنة الاتحادية خلال السنوات الماضية. والسؤال هو: من يتحمل ديون الإقليم؟ هل الإقليم أم حكومة بغداد

مستقبل العراق الاقتصادي يسير نحو الانهيار والمجهول، والديون الخارجية والداخلية ترتفع يوما بعد آخر، وقد تجاوزت حجم الديون المتراكمة حاجز 100 مليار دولار؛ بسبب فشل الحكومات المتعاقبة في إدارة الدولة اقتصاديا وأمنيا وسياسيا وصحيا، وسرقاتها وفسادها الذي أزكم الأنوف. فضلا عن وجود إرادات إقليمية ودولية لإبقاء الوضع الاقتصادي العراقي مترديا؛ ولذلك تمنع تطوره، لأن ضعف العراق مكسبا سياسيا واقتصاديا لهذه الدول، وبقاء الملف المالي والاقتصادي العراقي شائكا يجعله ضعيفا ومديونا؛ ولذلك كان لزاما على حكومة بغداد أن تُعدد مواردها ولا سيما في قطاع السياحة والزراعة والصناعة، تأمين احتياجاتها ذاتيا، وعدم الاعتماد على مصدر النفط فقط الذي وصل إلى أكثر من 90%.

ويتوجب بعد (سد ديون الكويت) التحوط من قيام الحكومات الفاسدة بإعادة كرّة الاقتراض بلا حساب ولا رقابة مستفيدة من تواطؤ الطغمة النيابية لإعادة الوضع المالي في العراق إلى أسوء حالاته؛ لأنه يؤدي إلى رهن مستقبل الأجيال القادمة بسبب رعونة الطبقة السياسية وفسادها وتقديم مصالحها الخاصة على مصلحة البلد كما هو حاصل منذ أن سيطرت فئة اللصوص والفاسدين على الحكم في العراق.

وأخيرا .. سؤال يراود الكثير من العراقييين هل ستخطو حكومه بغداد الجديدة خطوة صحيحة ولو لمرة واحدة في تاريخها، خصوصا بعد انتهاء ملف التعويضات ووصول برميل النفط إلى 100 دولار والموازنه الحكومية وضعت على أساس برميل النفط ب 45 أو 50 دولار، هذه التطورات ستكشف جدية الحكومة الحالية في خدمة الشعب الذي تضرر منذ غزو الكويت ولحد الآن وتحمل أخطاء الحكومات السابقة واللاحقة التي أدت إلى ارتفاع سعر الدولار وزيادة البطاله والفقر؛ والوقت الراهن هو فرصة كبيرة للحكومة في إثبات جديتها في خدمة الشعب، أما إذا استمرت الأمور على ما هي عليه وهو المتوقع؛ فإننا نفوض أمرنا إلى الله الواحد القهار.

مقالات متعلقة